Kurdî
ترجمة

مقال لـ كامل التلمساني “في دون كيشوت” الذي لم يترجم من قبل -ترجمة لطفي السيد- مقدمة محسن البلاسي

24 مايو, 2019 - 1592 مشاهدات
اللوحة لـ: كامل التلمساني

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

منذ فترة حين كنت أبحث في تاريخ مجلة “دون كيشوت” التي تأسست في ديسمبر عام 1939 ورأس تحريرها: هنري كوريل، وأدار  جورج حنين القسم الأدبي فيها ، وشارك في تحريرها كامل  التلمساني ورمسيس يونان وهنري دوماني ومارسيل بياجيني وجوفارنا وإديت جاف وألكسندر باسكال وهنري كاليه وإسحق هراري وإدوارد ليفي، أرسلت لي الدكتورة الكاتبة مي التلمساني مقالاً بالفرنسية  لـ كامل التلمساني بعنوان: “مختار ودراما الفن الفرعوني” ولم يترجم من قبل. ولم أجد أفضل من الاستاذ المترجم لطفي السيد لأطلب منه ترجمة المقال وبالفعل تفضل مشكوراً وترجمه.

كان لـ كامل التلمساني العديد من مقالات النقد الفني باللغة الفرنسية  على صفحات دون كيشوت أهمها كان سلسلة مقالات بعنوان (الفن في مصر) مثل مقالته عن أعمال  أنجيلو دي ريز ومقالته عن أعمال فؤاد كامل وعايدة شحاتة التي ترجمها الأستاذ سمير غريب، ومقاله هذا عن مختار ودراما الفن الفرعوني. وقام كامل برسم رسوم عديدة داخل صفحات مجلة دون كيشوت.

لكن خصوصية مقاله عن مختار تأتي أنه جاء في المرحلة الأخيرة في عمر مجلة دون كيشوت، حيث بدأت الحركة السريالية المصرية في الانسحاب من المجلة بسبب التناقضات الأيدولوجية الإصلاحية داخل أروقة المجلة ودخول كتَّاب رجعيين للمجلة تعتبرهم الجماعة السريالية المصرية أعداءَ لها،  كما قرر السرياليون المصريون في نفس وقت انسحابهم من دون كيشوت تأسيس مجلتهم التطور باللغة العربية في يناير عام 1940 وهو نفس الشهر الذي نشرت فيه مقالة كامل التلمساني عن مختار في دون كيشوت، كان هذا التوجه حتى تكتسب الجماعة قطاعاً أكبر من الجمهور ولا تكتفي بقارئي الفرنسية فقط.

كامل التلمساني
كامل التلمساني

أما مقال كامل التلمساني عن مختار، فلا نستطيع أن نطلق عليه مقالاً نقدياً بالمعنى المتعارف عليه، إنه نص أدبي سريالي يحمل الكثير من تجييش الصور والتوترات ويشحن الكثير من الدلالات حتى يصفعك في النهاية بأنه مقال نقدي ارتدى أقنعة عديدة. إنه مانيفستو سريالي يعري تناقضات النزعات القومية في الفن وفي النقد التشكيلي معاً بسبل وطرق وأحراش فكرية كلما قرأت المقال تتوالد وتتكاثر ، لم يكن العظيم كامل التلمساني مجرد فنان تشكيلي سريالي أو مخرج أفلام واقعية فقط، بل كان أديباً وكاتباً أحدث طفرة عابرة للنوع في فن المقال، حيث ترى في مقالاته كل الفنون مضفرة في تناغم داكن ومجعد.

وكان محمود مختار على طول واختلاف مراحله الفنية قريباً من الطبقة الرأسمالية وأحياناً قريباً من الأرستقراطية الإقطاعية وكان نتاجاً لصراعات القصر والطبقة الأرستقراطية الإقطاعية الحاكمة مع الرأسمالية الليبرالية التي رعته وعبر عنها بعد ذلك في فنه في أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات و التي رفعت شعارات الاستقلال الوطني متبنية خطابات نقدية وفنية تحمل شعارات قومية تعيد التغني بالماضي السحيق للأمة .  وبعد  تأسيسه لجماعة الخيال كان مختار  زعيماً للتيار الأكاديمي الكلاسيكي المحافظ من خريجي مدرسة الفنون الجميلة وكان يمثل ظهيرهم السياسي الذي يجلب لهم الدعم والحماية من الطبقات السياسية واقترب من حزب الوفد والوفديين، وفي 20 مايو عام 1928  أزاح الملك فؤاد الستار عن تمثال نهضة مصر  الذي شيده مختار عن طريق اكتتاب شعبي ساعده في الترويج له كثير من السياسيين الوفديين، فقام مختار بنحت تمثالين لسعد زغلول كما مر تشييد تمثال نهضة مصر  بالكثير من الصراعات  وهذا التمثال يربط الفلاح المصري الكادح بماضي أسلافه الفراعنة وحضارتهم. ويوم إزاحة الستار عن التمثال ألقى أحمد شوقي قصيدة تقول: (يبلغ الكرنك الأقصري ويبني طيبة أطلالها ويسمع ثم بوادي الملوك ملوك الديار وأقبالها لقد بعث الله عهد الفنون وأخرجت الأرض مثالها)، تبع ذلك موجة من الكتابات النقدية التي تتغنى بالتمثال وعظمته وتتغنى بالفن الفرعوني الذي يضفره مختار بالواقع المصري.

أما السرياليون المصريون في نهاية الثلاثينيات وبعد سنوات من موت مختار رأوا أن التغنّي بالنزعات القومية يفسد أي فن طليعي ويعيد ترسيخ الماضي على حساب الحاضر. خصوصاً أن مختار ومن حوله ومن تغنوا بفنه الفرعوني في هذه المرحلة كانوا يمثلون الاتجاه الرجعي في الفن والفكر مثل عباس محمود العقاد. هؤلاء من كانوا يتغنون بالماضي بشكل مبالغ فيه ويسجنون الحاضر وراء قضبانه فينسلخ المتلقي عن الحاضر وتناقضاته فتصبح الرؤية باهتة للماضي والحاضر معاً. في بداية المقال يصور كامل التلمساني إحساس المتلقي وعزلته عن الماضي والحاضر حين يتلقى هذا النوع من الفنون، فيعرض كامل عرضاً سريالياً أدبياً للحياة النفسية اليومية لمتلقي الفنون في عصره  واغترابه عن هذه الأنواع من الفنون التي تخطفه إلى ماضي سحيق لم يره. ثم يضرب أمثلة لكتاب وفنانين عظماء مثل دوستويفسكي وأيف تانجي وبول ايلوار  وكورساكوف، هؤلاء الذين أخرجوا الفن من عبودية الأوهام القومية وعبوديته للطبقات الحاكمة والمسيطرة ثقافياً وكتبوا ورسموا للإنسان المجرد لكي يخرجوه من الاستلاب الذي أصابته به هذه الطبقات المسيطرة. ثم يشنّ كامل هجوماً عنيفاً على النقاد الذين تغنوا بالاتجاه الفرعوني عند مختار وشاركوا في تشويه المنتج الكلي لمختار ورسخوا لسلعية فنه وخضوعه لمؤثرات وخطابات عديدة جردت مختار نفسه عن كونه فنان طليعي. وفي النهاية يؤكد كامل على جودة أعمال مختار، حين ينسلخ عن كل هذه الخطابات القومية وينسلخ عن سيطرة أفكار  الطبقات الحاكمة والسياسيين على أعماله فيتحدث كامل بإيجابية عن بعض اعمال مختار الجيدة.

وبرغم أن المقال ليس طويلاً إلا انه يختصر رؤية كامل التلمساني في الفن وعلاقته بالمجتمع والإنسان المغترب بلغة  كثيفة وصادمة.

محسن البلاسي

***********

المقال: (مختار ودراما الفن الفرعوني):

_ترجمة : لطفي السيد _

 

عندما تثيرك رَقَصات ريمسكي كورساكوف البولوفيانية وتجذبك إلى عالم قريب من مسامعك ولكن بعيد عن نظرك… سوف تدرك صيحات عالية يتردد صداها على عتبة الأفق المحمَّل بالهواء الرطب والباهت لونه. يلي هذه الصيحات لحظات صمت قصيرة تشبه الزفرات الأخيرة لطفل يُحتضَر، بينما يُسكب المطر فوق الصحراء ويغطيها بالورود، وتلطم قطرات المطر  زجاج النافذة كما لو كانت تحمل رسالة من الحبيبة.
تتكرر هذه الصيحات مرة أخرى وتولد اهتزازات مهيبة مشبعة بألم إنساني عنيف يُذَوِّب الخلايا ويفكِّك عظام وحدتك وفقًا للفضاء المحيط الهائل والفارغ وفي نفس الوقت مترعٌ بالأمل الذي لا ينفك يبتسم لنا كما كل الملعونين. وفي الوقت نفسه، على الرغم من تفاهتك، فإنك تدرك:
الكيان العظيم والحي لوجودك المتمتع بالحكم الذاتي ككائن مستقل ولمكانتك في التطور التدريجي للإنسانية التي لا تستطيع الاستغناء عن سجالاتك.
النزوع الطبيعي للكون للارتقاء إلى مستوى آمالك.
فرص تحقيق أعز أحلامك.
اليقين بأنك ستحصل على نصيبك من الحياة والشعر حتى لو حفظت سجلات المعاناة والعالم على عاتقك وحتى لو ما زال النصر صوريًّا لقطيع العبيد.
هذا من أجل الموسيقى.

صورة عن المقال المنشور في العام 1940
صورة عن المقال المنشور في العام 1940

***
خلال ليالي الشتاء وفي نهاية الجزء الأول من الليل، عندما تعود إلى منزلك إذا كان لديك منزل، تنتصب أمامك وجوه جزعة، صلبة كالحجر، الذي لا يخاطب أي شخص لأنه لم يطرح عليه أحد أية أسئلة. الوجوه التي لن تبكي أبدًا لأن صلابة الوجود قد جفَّفت دموعها قبل أن تنضج ولأن الصديق الذي قد تعْهد إليه أخيرًا بسرها لم يوجد بعد… عندما تروون متسكعين في حالة سكر من الحزن، ومن النبيذ الأحمر المغشوش وأعقاب السجائر الممزقة يفضحون أفخم الشوارع، بصيحاتهم وإيماءاتهم ويغنون من حين لآخر أغنية عن أرض بعيدة وحب ضائع… دعهم يغنوا، ويثملوا ويتمتعوا بهذه الحياة. فلديهم ما يكفي لتدمير الجبال فقط ببؤسهم وحده.
تسير أمامك فتاة الشارع، صامتة، كما لو كانت مومياء هربت بخفة من متحف حيث كانت أسيرة بعد أن فقدت الحب والخبز في آن واحد. يغطي وجهها الخضاب وجسدها الجروح. ويتدفق الدم من ذراعيها، وشفتيها اللتين تشبهان حبتين من العنب الأسود الجميل. ينسكب الدم على الرصيف وتنزل الطيور الخضراء من أعشاشها لتستحم وتطفئ عطشها. يغلي الدم مثل النحاس الأحمر المصهور. ترونه في ضوء النجوم يرتفع نحو السماء في شكل عمود من الدخان الأسود الكثيف. يشرع الناس في الركض خوفًا. إنهم لا ينسون أن لديهم جدارة بالاحترام تُصان.
لا تركضوا… لا تخافوا… توقفوا للحظة وانظروا. دعوا الطيور تستحم وتروي عطشها ثم تستعيد بسلا عُري الأغصان. فلتذهب نحو فتاة الشارع ولتضع قبلة على جبينها ثم فلتقبل مرتين كل جرح في ذراعيها. ولتقص قطعة من ملابسك كي تجفف خدوشها. لن تطاردك الفتاة. لن يصيبك دمها بالعدوى. سيأتي اليوم الذي ستنظر إليك فيه بعينيها ذات الأجفان الشاحبة، الحالمة بحنانها، وسوف تفهمان أنتما معًا كيف يحب الناس بعضهم بعضًا في كل بلد، وتحت كل سماء، وعلى كل أرض… إنها سونيا –بعض السطور الجافة لدوستويفسكي- التي تسير في الشارع.
هذا من أجل الأدب.
كورساكوف، إيف تانجي، بول إيلوار… فنانون وصلوا إلى ذروة العظمة بتنمية فردانيتهم وبالنظرة المطلقة التي يطرحونها على عالم فريد من نوعه، حيث لا يوجد أي مبدأ وراثي يحث الإنسان على أرض معينة، ولا أي مبدأ يحد من المدى. تحمل هذه الفردانية في حد ذاتها جميع الأغاني ويمكن قراءة كل سطر من أعمالهم النقية للغاية بكل وضوح. إنهم يُلهمون البشر بمواقفهم الحيوية. يساعدونهم على تحمل الوجود العفن. لا شيء في أعمالهم يبدو وكأنه تنازل عن الخصوصية المحلية – عن اللون الثماني. يظلل الفرد والإنسانية والحياة كل شيء.
بالنسبة لأعمل دوستويفسكي، تغوص جذورها القوية في أرض غنية لا تثير – ولا تحتفظ بأي شعور وحيد وبغيض. كانت هذه ظاهرة أساسية لظهور عبقريته وتحقيق شخصيته التي تتنفس نفس الهواء مثل بقية العالم لا أكثر ولا أقل. يذاب أدب دوستويفسكي في شكل حب كبير وذكاء كلي للبشرية جمعاء. وسريعًا لم يعد هناك آثار مهيمنة لهذا اللون المحلي الذي غادر منه. وهذا ما يجعل عمله قويًّا وخالدًا لأنه يعلِّمنا أن نحب الكائنات التي نعيش معها؛ طالما لا تنفصل عن الإنسانية.
لا توجد أي فرصة للفن ليُخلد إذا لم يضع لنفسه الهدف الأول والنهائي الوصول إلى الإنسانية المطلقة.
أنا مقتنع بأن ميل مختار للفن الفرعوني لا ينطوي بأي حال من الأحوال في تفكيره على هذا الموقف المتحزب والسلبي الذي يلصقه النقد الجاهل باسمه. هذا النقد نفسه بعد أن شوه فن مختار بشكل إجرامي، أحبط النحت في مصر وأوقف كل التقدم المحتمل في هذه السنوات الأخيرة. إنه أيضًا مذنب بإحياء كارثية الفن الفرعوني بالشكل الغاضب والخانق الذي أرادوا فرضه عليه، غير المحتِمل لأي فردانية، متمردة على كل خلق وكل تجديد. إنه المسؤول عن التدهور المخزي للقيم الفنية داخل الشباب المصري.
ماذا تكون هذه المنحوتات التي تُدهش النقد من خلال الإشارة إليها على أنها أجمل إبداعات مختار إن لم تكن مثالاً لمتجر بقالة فني ووصمة عار على جبين مختار. لن يحتفظ التاريخ في نزاهته المستقبلية بالأسماء. وستبقى فقط هذه المنحوتات كما تبقى الحجارة مثبتة على الجبل.
يجد مختار الفنان نفسه في اختراع “القيلولة” و”الخماسين” و”نحو المحبوبة”. إنه هنالك يتخلَّى عن طبيعته ويقرر أن يفهم أن الفن الأصيل أعمق من الأسلوب العقيم الواقع تحت رحمة الجميع.
لن يتعثر الفن الحر أبدًا تحت نير العِرق والأرض.

كامل التلمساني في دون كيشوت الخميس 4 يناير 1940