Kurdî
ترجمة

مانون إيـپهوف – قصص

07 يناير, 2019 - 1598 مشاهدات
محسن البلاسي
محسن البلاسي

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

ترجمة: محمد رشو 

خراء

كان ياما كان، كان هناك رجلٌ طيّبٌ طويل القامة، فقيرٌ لا يكاد يملك شروى نقير. كان يهوى المشي بجوار القنوات في ضوء الصباح. رطباً وأصفر كان الضوء يتوهجّ على المنازل، هادئاً وسلساً كان الماء يتدفّقُ في القنوات. خشخشةُ أوراق الشجر والحصى تحت حذائه كانت تمنحه شعوراً بالرضا، كما لو أنه كان وللحظةٍ مالكَ كل شيء، الماء والقنوات والمنازل. رغم هذا كان يضايقه أنه فقيرٌ، ولكن لم يكن باليد حيلةٌ لأن يبدّل في الأمر تبديلاً.

وفي يومٍ من الأيام كان الرجلُ الطيّبُ الطويلُ القامة يتمشّى بجوار القناة أيضاً. كل شيءٍ كان في ذروته – حيث كانت القناةُ تنعطف انعطافاً شديداً لتعود إلى نفسها – وفي البقعة التي كان ينتصب فيها عدد من الأشجار القديمة المغطاة بالطحالب الخضراء، توقّف لينحني وليلتقط الحصى. الحصى التي كان يلقيها على وجه الماء بشكلٍ مسطّح قدر ما أمكن، الحصى التي كان يتفرّج عليها حتى تختفي تحت الماء، الحصى التي كانت تتركَ خلفها وجهَ الماء هادئاً مرّةً أخرى، كما لو أنه لم يُمسّ. كان يرتوي من سَكينةِ الماء، ويتنهّد بعمق. بعدها بقليل، جلس على مقعدٍ خشبيٍّ أبعد من هناك قليلاً. كان هذا المقعد يقع يساراً، أمام منزلٍ أبيض بديع. منزلٌ بمدخلٍ فخم – منزلٌ ذو نوافذ عالية من الزجاج المعشّق الذي ينسدل خلفه حريرٌ أصفر. منزلٌ بحديقةٍ آسرة – حديقةٌ توافق مزاج إنكلترا في صيفٍ ما، وفرنسا كذلك، لكنها هنا، تهجسُ دوماً بنبرةِ تحدٍّ وجلالٍ.

في منزلٍ كهذا، فكّر الرجل الفقير الذي كان لا يكاد يملك شروى نقير. في منزلٍ كهذا، وبحديقةٍ كهذه، ينبغي أن أعيش، في الحقيقة. وسوف يكون بإمكاني أن أمنح منزلاً كهذا ما هو في حاجةٍ إليه – لِمَ هذا المنزل ليس لي؟

كاد أن يكتئب وأن يثور بسبب ذلك، لكنه استردّ شجاعته وطمأنينته وعاد لينظر نحو الماء والأوراق التي، ذهبيةً وصفراءَ وحمراء، كانت ملقاةً هناك على الضفة.

في تلك اللحظة بالضبط، أخذ بابُ المنزل البديع ينفتح، لتخرج منه سيّدةٌ في صحبتها كلبان ضخمان.

كان الكلبان يشدان الحزامين بسعادة، ويجرّان وراءهما المرأة في اندفاعهما.

«أوووف،» قالت المرأة بعدها بقليل مطلقةً الكلبين. كانا من الكلاب الدانماركية الضخمة والمعتنى بها عنايةً فائقة. كان شعرهما القصير يلمع، ولسانهما الوردي يتدّلى، مهتزاً بغبطة على طول فكّيهما العريضين. كانا يرقصان على أكوام الأوراق ويطاردان، مبتهجين، بعضهما البعض.

«إنهما قويان،» تحدّثت المرأة، «أكادُ لا أكبح جماحهما أحياناً.»

كانت تلهثُ حين قالت هذا وذهبت لتجلس على المقعد بجانب الرجل الفقير. كنتَ تستطيع أن ترى أن كلّ شيء عليها قد كلّفها الكثير من المال. كان جلدُ جزمتها الصغيرة يكاد أن ينكمش من النعومة في برد هذا الخريف، وكان تنبعث من معطفها الطويل رائحةُ القنادس، أما شعرها فكان للتوّ قد غُسل طويلاً وشُطف حتى بدا وكأنه خيوطٌ من الذهب.

«أجيءُ إلى هنا مع الكلاب دائماً،» قالت المرأة. ومشيرةً نحو الخلف. «أعيش هنا قريباً جداً – وهكذا لا أزعج أحداً بعزيزيّ هذين.»

«أنا أيضاً، أحبّ المجيء إلى هنا،» قال الرجل. «أجده خلّاباً.»

«أجل، بالتأكيد،» قالت السيدة، كانت تكاد أن تتنهد من البهجة. «الإطلالةُ من الفرندا على القنوات فاتنةٌ بشكلٍ لا يُصدّق – لكن الشيء الوحيد الذي يدعو للأسف أنك غالباً ما ترى مارّةً، عابرين هنا. أقصد – أولئك الناس الذين ليس لديهم في الواقع شيءٌ ما يعثرون عليه هنا، أولئك الذين ليست لديهم القدرة على الاستمتاع بالجمال.»

وضعت يدها التي سُويّتْ مناكيرُ أظافرها بعنايةٍ على ركبةٍ مستديرة خرجتْ من تحت معطفها الدافئ.

«هل تأتون إلى هنا غالباً؟» أضافت مع ابتسامةٍ مكبوحة.

«غالباً» أجاب الرجل الفقير الذي لا يكاد يملك شروى نقير. «ربما مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع. كما قلت، أجد المكان هنا خلّاباً، وأنتِ تعيشين هنا في منزلٍ رائع. مثيرٌ للإعجاب هذا الأبيض وسط ذلك الأخضر».

«إنه منزلٍ غالٍ جدّاً، كان لزوجي المتوّفي. أجل، أنتَ تعيش بسلامٍ هناك. كل شيء يغدو يسيراً في منزلٍ كهذا. هل تعيش في منزلٍ جميل؟»

«لديّ غرفة في وسط المدينة،» قال الرجل. «صغيرة، لكنني أستطيع أن أتدبّر حياتي فيها.»

«أجل، منزلٌ كهذا. له معنىً كبير – منزلٌ كهذا، يساعدك على تجاوز الكثير من المتاعب.»

لم يعد بإمكان الرجل الفقير أن يسيطر على نفسه.

«أنتِ على حقّ تماماً!» صاح الرجل. «كيف الحقَ، أي حقّ. ما لن أجرؤ على التفكير فيه هو أن أعيش في منزلٍ مثل الذي لديكِ. لا أستطيع التعبير عن ذلك بكلمات.»

وبينما كان يقول هذا، قفز الكلبان الدنماركيان بحماسٍ مَرِحٍ في مياه القناة، ليزحفا خارجين منها بعد دقائق قليلة، خرجا وهما ينبحان. بأنفيهما الرطبين أخذا يبعثران أوراق الشجر نحو الأعلى. وثم، كما لو كانا متفقين، توقفا ساكنين بجانب بعضهما، وربضا بمؤخرتهما على الضفة الرملية، في الوقت نفسه، كما لو أنهما كانا يصليّان، ليتغوّطا كومتين ضخمتين من الخراء. كانت هناك مسافةُ ما يقارب كلباً ونصف كلب بين الكعكتين، الكعكتان اللتان كان ينبعث منهما البخار في هواء صباحٍ خريفي.

فكرت السيدة، التي كانت غارقة في معطف الفراء الثمين، في كلمات الرجل، وثم حدث فجأةً التماعٌ غريبٌ في عينيها الفضيتين الزرقاوتين الممكيجتين. بدأ ارتعاشٌ غامض، لكن بغيضٌ، في أصابع قدميها ليتوقف فيما بعد عند بطنها.

«هل يمكنني أن أقدّم لكم اقتراحاً؟» بدأت. «هل رأيتم ما فعله العزيزان هناك للتوّ؟»

«لقد قفزا في القناة،» أجاب الرجل. «إنها حيواناتٌ رياضيةٌ سريعة، بإمكان أي امرىء أن يلاحظ ذلك.»

«بجانب القناة،» أشارت السيدة. «هناك! إنه، على أية حال، وبلا شك فإنه ليس خراء أطفال.»

أشارت بظفرها المطلي بعرق اللؤلؤ نحو الأمام ليوجّه هو نظره إلى ما كانت تقصده: كومتان من خراء الكلاب، بنيتان غامقتان، ولامعتان.

«إذا أكلتَ هاتين الكومتين، سيكون منزلي لك. منزل أحلامك، مع الحديقة وكل ما معه.»

نظر الرجل الفقير الذي لا يكاد يملك شروى نقير إلى المرأة، ومن المرأة حول بصره إلى الكعكتين. الكلبان كانا بعيدان وينبحان على كلبٍ ألماني يُقاد بحزامٍ قصير.

كان صباحاً صافياً صفاء يكاد يؤلمه – ومن ثم أطلّ اقتراحٌ لا معنى له من شخص يتخبّط في نعيم ثروته.

«تأكلون الكومتين. كلها، دون أن تبصقوا أي شيء، ثم أعطيكم مفتاح منزلي.»

نقّبت السيدة في حقيبتها الجلدية وأخرجت علّاقة مفاتيح. أخذت المفتاح الأكبر منها وقرّبته من أنف الرجل.

«كلاهما.» قال الرجل «كلها ودون أن أترك شيئاً – ودون أن أبصق شيئاً؟ وإذا فعلتُ ذلك، تعطينني هذا المفتاح؟»

«الأمر واضحٌ وغنيٌّ عن الشرح.» قالت المرأة.

تركت المفتاح ينزلق داخل حقيبتها ثانية وبدت راضية تنظر إلى سطح الماء الأملس في القناة.

مدّ الرجل الفقير أرجله الصلبة ومطّ جسمه قليلاً، ثم أخذ نفساً عميقاً من الهواء النقي محدّقاً في كومتي البراز، الكومتان اللتان كانتا تكادان تناديانه مستهزئةً: “«تعال وكُلْنَا، تعال التهمنا.»

اللعنة، سأفعل ذلك ، فكّر الرجل. سآلتهمهما كليهما، هذا العفن.

وفي لحظتين كان يقف حيث كان ذلك سيحدث. جثم على ركبتيه، انحنى للأمام، ووضع أصابعه في إحدى الكومتين. بسرعةٍ ودون أن يفكّر بدأ يأكل، لقمةً تلو لقمة.

على المقعد كانت المرأة تحدّقُ بمزيجٍ من الاشمئزاز والدهشة في الرجل المنحني للأمام، والذي، مزدرداً ومبتلعاً، كان يتناول الوجبة النتنة. الكلبان اقتربا بشيءٍ من الدهشة.

كانت ترى اهتزاز كتفيه وسمعتْ تجشؤه بعنفٍ بعد اللقمة الثالثة.

فكّرتْ: الأشياء التي يختبرها الناس في حيواتهم مع دعةِ الأغنياء هذه. إذا أخبرتُ ليدي، سيسيل ومارغريت هذا المساء، فلن يصدقن ما يحدث هنا في أحياء هذه المدينة.

كانت مشغولة بأفكارها لدرجة أنها لم ترَ كيف أن الرجل كان منهمكاً في النصف الثاني من الكعكة الأولى. كان يهتزُّ بعنفٍ الآن أما هي فقد كانت تصدرُ أصواتاً غريبة – الأصواتُ التي تقع في المنتصف فيما بين التنهد والأنين والضحكة الخافتة المكتومة.

ببطءٍ كان الشكّ ينقطُ في داخلها، فعلى الرغم من أن عدم تصديقها كان يكبر مع كل لقمة، فقد كانت هناك حقيقةٌ ما أيضاً تتسرب إليها مع عدم التصديق هذا. حقيقةٌ كانت تكاد أن تكون فظيعةً جداً: لقد كان الرجلُ على وشك الإنتهاء من كومة البراز الأولى!

كومةٌ أخرى، وسيكون عليها أن تسلّم منزلها الخلّاب لهذا الأحمق. لم تمر عليها لحظةٌ خطر فيها على بالها أنه ربما، يمكنها هكذا وبكل بساطة، أن ترفض التخلّي عن منزلها.

كان الرجل الفقير الذي لا يكاد يملك شروى نقير قد غمره شعورٌ بأنه كان يأكل الخراء طوال سنواتٍ وسنوات. كان للحياة عنده لونٌ واحدٌ وحسب: البنيُّ الغامق، وطعمٌ واحدٌ وحسب: هذا الذي لخراء الكلاب. لم يجرؤ على التفكير في اللقمة التالية، وبالتأكيد ولا في النظر إليها، حيث كان ما يزال ينتظره جبلٌ رهيبٌ كهذا.

إنه لا يقدر على ذلك! لا يقدر على ذلك! كان العرق يتصببُ من جسمه ويسيل على طول ظهره.

إلى الأمام! كان يصرخ بنفسه، ولكن بصمت. كومةٌ أخرى، واحدة أخرى! وبإمكانك أن تقول عن نفسك أنك مالكُ أحد أجمل المنازل في هذه المدينة! لكنه لم يستطع. معدته والمريء والأمعاء كانوا قد استلموا زمام المبادرة واتخذوا القرار نفسه. الأمر كان قد بُتَّ فيه. ولم يعد بإمكانه فعلَ أي شيء.

كان منهكاً وخلال خمس دقائق كان قد أصبح أكبر عمراً وأشدّ مرارة. نهض وألقى نظرةً على السيدة التي كانت تجلس على المقعد ويدها أمام فمها، اعتبرتها هي نظرة انتصار، ولكنها في الواقع كانت نظرة لا تنمُّ إلا عن التعب العميق، لا أكثر.

صرخت: «توقف!» «توقف!»

ركضت نحوه ووقفت أمام الكومة الثانية، التي لم تكن قد مُسّت بعد، كما لو أنها كانت تريد أن تحميها.

«انتظر! لأجل الله – انتظر! هل يمكننا أن نتفق على شيءٍ ما؟ هذا ما لا يمكن أن يحدث. هذا لا يجوز. أنت إنسانٌ، مثلي تماماً. ماذا سأفعل بدون منزلي؟ منزلي الخلّاب. لا يمكنكم أن تطلبوا مني في أي حال أن أتخلى عن كل شيء؟ لو أنني أتناولُ هذه الكومة الثانية. مثلكم بالضبط. لن أترك أي شيء، ولن أبصق أي شيء، هذا ما أعدكم به. عندها يبقى المنزل لي. هل تقبل بهذا؟

كان الرجل الفقير يجد صعوبةً في إدراك معنى كلماتها، إذ أن الكلمات كانت تطنُّ في رأسه. وكان الخراء ما يزال يمارس طغياناً رهيباً على حليماته الذوقية. أومأ برأسه، فقط لأنه فهم أنها قد طلبت منه شيئاً ما، وبالتأكيد لا يمكن أن يكون هذا الشيء أسوأ مما كان.

بتفاؤلٍ يكاد أن يكون تفاؤل البنات الصغيرات، قامت السيدة بفكّ معطف الفرو الذي كانت ترتديه وطوته خلفها.

«هيّا،» قالت لنفسها.

على الأوراق الرطبة انحنت هي الآن أيضاً على ركبتيها وللأمام، وبدأت تأكل، وبسرعةٍ كبيرة، خشية أن يعيد الرجل التفكير في الأمر. دار الكلبان بترددٍ من حولها – غير متأكدين تماماً. كلاهما كانا يبحان نباحاً حاداً وقصيراً.

وثم ما عادت المرأة ترى شيئاً أوتسمع شيئاً. حاولت ومع كل القوة التي كانت تكفل شخصيتها، أن تتخيل الدجاج المشوي واللوز المحلّى بالسكر والحلويات، لكن طعم البراز كان أقوى من خيالها القوي نفسه. كانت أكتافها تهتز.

رائحةٌ كريهة قذرة كهذه، فكّرت، وطعمٌ فظيعٌ كهذا.

ومع ذلك، فإن الخوف من فقدان منزلها كان أكبر من نفورها، فأكلت بسرعة، وأسرع وأسرع، حتى لم يعد يكن هناك من فتات. الإرهاق ذاته الذي أصاب الرجل أصابها الآن، وخلفاً كانت تنحني الآن على العشب.

كان المنزل يبدو لها الآن أصغر، أصغر بكثير، وأشدّ ضآلةً مما كان عليه في أي وقت مضى. لم تكن تودّ أن تنظر إلى الرجل بجانبها. بعد بضع دقائق وقفتْ وسعلتْ وسوّتْ معطفها.

«هارون!» نادت «أطلس!»

عاد الكلبان الضخمان والمعتنى بها عنايةً فائقة، راكضين، نحو سيدتهما وثم أخذا يشمشمانها بحنان.

«أفف!» صاحت المرأة بصوت حادّ وعال.

ربطت الأحزمة الجلدية ثانيةً إلى طوقيهما وجرّت معها كلا الكلبين بقوة. دون أن تنظر خلفها هرولت على الأوراق الرطبة، عبرت الطريق، دخلت في حديقتها الجميلة، وأدارت المفتاح في قفل الباب مرتين.

الآن كان الرجلُ واقفاً أيضاً. كان يحدّق طويلاً في البقعة التي كانت فيها الكعكتان، ومن تلك البقعة حوّل بصره نحو المنزل للحظة.

بأناةٍ وهدأة كانت القناة تمتد عبر المدينة. وأبعد قليلاً عند نهايةٍ ما كانت الأشجار القديمة، خضراء ووادعة. كان يسمع كيف تتقافز الحصى من تحت باطن قدميه.

كان هادئاً جداً في هذا الجزء من المدينة، لكن الرجل وضع يديه على أذنيه ليحمي نفسه من الضجيج الذي كان ينبعث من الداخل:

لماذا أكلتُ الخراء؟ كان الضجيجُ يضغط على طبلة أذنيه. لماذا أكلتُ الخراء بحقّ الله؟

في الداخل، في دفء غرفتها ذات الطراز الإنكليزي، كانت المرأة تجلس على أريكةٍ ناعمة. أمامها على طاولةِ خشبِ الجوز كان هناك كأسٌ من الكونياك. كانت قدماها غارقتين بأمان في شُبشبٍ صوفيّ سميك. لكن المرأة رغم كل ذلك كانت ترتعش. كان الارتعاش يغدو أقوى وأقوى، إلى درجة أنها اضطرت إلى أن تُرجع َكأس الكونياك إلى الطاولة ثانية، الكأس الذي كانت قد التقطته لتأخذ منه رشفة.

لماذا أكلتُ الخراء؟ فكّرتْ، بينما كان الكونياك يلتمعُ في الكأس كالذهب. لماذا أكلتُ الخراء بحقّ الله؟

**

الرغبة

كان الشتاءُ بارداً، والصقيع على زجاج النوافذ. كان البرد يتسرّب إلى داخل الغرف من تحت إطارات النوافذ المتشققة. الفتاة الهادئة بطبيعتها، كانت قد بلغت الخامسة عشر من عمرها وحسب. لقد حدث معها الكثير هذا الشتاء. أحياناً كانت تجلسُ في الباص وتشد الجلد حول أظافر أصابعها حتى يتقشر. ثم كانت تنظر نحو قطرة الدم الكثيفة التي تخرج ببطء، لتسقط للأسفل في خطوط مائلة.

كانت تحبّ الحكايات، ولكن ليس تلك التي تنتهي نهايات سعيدة. حورية البحر التي تموت متلاشية إلى زبد، ملكة الثلج التي تحوّل قلب طفلة صغيرة إلى جليد، والحذاء الأحمر والتي تُرغم فيها الفتاة كارين على أن ترقص على قبر أمها – هذه الحكايات كانت تجذبها.

في هذا الشتاء لم تقرأ حكايات. في غرفة أخيها الأكبر – الأكثر دفئاً من أي مكان آخر في البيت – أنهت قراءة رواية الغيشا لتيو كارل. كان على الغلاف الأمامي من الكتاب رسمٌ بالفحم لإمرأتين شابتين: لوسيل وأماريليس. أراد الكاتب أن يمارس الحب مع كلتيهما وفي الوقت نفسه. لم تندم لوسيل وأمارليس على هذا. كانت الفتاة متأكدة من أنها ستجد ذلك فظيعاً – لأن الإخلاص يكون لشخص واحد وحسب.

مساء ذات سبت من كانون الثاني، دعاها رجل ذو مظهرٍ شرقي إلى تناول شراب في الديسكو، حيث كان قد سُمح لها بالدخول بعد أن مكيجت نفسها بحيث تبدو أكبر من عمرها بسنوات. كانت واقفة تحت أضواء الديسكو منذ ساعات – في بلوزة بيضاء و بنطال جينز ضيق – أما هو فكان قد دخل للتوّ. كان أكبر منها بكثير. كان شعره يلمع ووجدت الفتاة في عينيه الضيقتين غموضاً لا يمكن تفسيره. أخافتها الطريقة التي قدم فيها الرجل الشراب لها، إذ أخذ يربت بيده على ظهر يدها.

بقيت تنظرُ إليه، وما إن لمحت أظافره بعد ذلك بقليل، ورأت كيف أنها كانت تبدو كباطن صدفة، لامعة لكن بشكلٍ خفيف، حتى أدركت أنها ستذهب معه.

غادرا الديسكو في الساعة الثانية ليلاً. كانت السيارات تنطلق مبتعدةً وهي تزمّر، والفتيات كنّ يتركن أنفسهن مقهقهات يسقطن بين أذرع أصدقائهن. ضغط حارس الملهى قبعته ذات الشريط الذهبي على رأسه وأخذ يتتبعهم بنظره بينما كانوا ينعطفون على الزاوية.

صامتين مشى الرجل المجهول والفتاة داخل المدينة. كان فضولها يكبر مع كل خطوة – ليس نحو الرجل، بل نحو نفسها.

عبرا جسراً، سارا في حقل عشب. كان هناك بردٌ في الهواء. ليس صحيحاً أن رجلاً ما يستطيع أن يوقد حرارته فيك، لكن رغم ذلك فإن لمسة كفه الناعمة كانت تتوهج في كفها. تمددا على العشب الذي كان قد أصبح رطباً من بقايا الثلوج الذائبة.

مستلقيةً قربه، وبأنف يندس في صوف معطفه، كانت تحاول أن تعثر على الطريق نحو رائحة تألفها لتستأنس بها من بين كل الروائح الغريبة. كان الماء يتسرب إلى ملابسها. بدأت أسنانها تصطك وبدأ على وجهها الشحوب. كانت تفكرّ قلقةً أن أحمر شفاهها سوف يجفّ وأن كحل عينيها سوف يسيل، وأنه سيكتشف أنها مجرّد طفلة.

«إنه باردٌ جدّاً، هنا،» قال الرجل. نهض وساعدها على أن تنهض. كان شعرها قد أصبح رطباً وكان هناك عشبٌ على معطفها وبنطالها.

سألها فيما إذا كانت سترافقه إلى منزله، «أجل»، ردّت عليه يدفعها الإلحاحُ نفسه الذي كان يدفعها هناك في الباصات إلى أن تنزع تلك القشور الشفافة من حول أظافرها، وثم لتنظر إلى خيوط الدم وهو يسيل.

كان قلقها يكبر. كانت تشعر بأنها ستنتفخ لتمتص عتمة هذا الليل، كما تمتص الزهرة الماء العذب. في الساحة، في وسط المدينة لم تعد تتخيل نفسها في مدينة عادية – بل في عالم مصنوعٍ من الزجاج والحجر، حيث كانت هي والرجل الحيوانان الوحيدان الدافئان. كانت السيارات المصنوعة من المعدن اللامع تقف متجمدةً في الأسفلت، وكانت أصوات السيارات الأخرى تبدو في البعيد كطنين نحل. كانت قطرات المطر تسيل على خديها، وببطء نحو الأسفل على عنقها، وكان المشي يطول ويطول ويطول.

«هل تعيش في هولندا منذ فترة طويلة؟» سألت الفتاة أخيراً.

«كلا!» قال الرجل. «منذ عامين فقط. ولا أعرف فيما إذا كنتُ سأبقى».

انعطفا ليدلفا في شارعٍ جانبي. فكّرت الفتاةُ في بيت والديها، وفي غرفة أخيها، حيث كان كتاب الغيشا على السرير. وكيف أنه كان بإمكانك هناك في تلك الغرفة أن تسمع أنفاس أمها، وأنفاس أختها التي ستنام الآن، فيما إبهامها رطباً في فمها، والباربي والحصان على الأرض.

«هل تعيش وحدك؟» سألت.

«لا». ابتسم الرجل للحظة. «إنه هنا.» كانا يقفان أمام بابٍ أزرق، أخرج حلقة مفاتيح من جيب معطفه. كان هناك شريط حريرٍ ملون معلقٌ فيها.

«أنا لا أعيش وحدي. هناك الكثير من الناس في الأعلى، ينبغي علينا أن نكون هادئين».

تبعته صاعدةً الدرج المعتم. كان قماشُ المعطف يمسُّ خدودها الباردة. وضع الرجل المفتاح في القفل.

كانت الفتاة تقف وراءه. من فوق كتفه اليمنى كانت تنظر إلى الغرفة والضوء. يساراً ويميناً كانت هناك صفوفٌ من الأسرة المعدنية، وفي كل سريرٍ، باستثناء واحد فقط، كان هناك رجلٌ ما. كانوا يضحكون ويتبادلون النكات هناك، وثم أخذت وجوههم تدورُ إلى حيث كانت تقف. نظروا إليها بأعينٍ ضيقة.

«مرحبا!» قال أحدهم. كان جلده مصفراً وجافاً. كان يحمل مجلة في يده. وكانت هناك على الغلاف اللامع امرأةٌ عارية بساقين مفتوحتين وعينين مغلقتين من النشوة.

كان يقرأ من اليمين إلى اليسار وأخذ يقلّب الورق بإنزعاج حينما عبرت بجانبه.

أمسك الرجل يدها وقادها إلى أقصى زاوية في الغرفة. كانت هناك أمام سريره ستارةٌ سوداء عُلّقت على أنابيب معدنية – كما في مستشفى.

«لا تخافي»، قال، بينما كان يسحب الستارة فاتحاً إياها بحذر. على بطانية رمادية سقطت بقايا العشب من معطفها في خصلات صغيرة. أغلق الستارة وثبّتها بدبوس مشبك. ضحكوا بصوتٍ أعلى في الغرفة.

«إنهم لا يفعلون شيئاً» قال الرجل، بينما كانت تجلس على السرير وتعدُّ ضربات قلبها. كان يلعب بهدوء بأصابع يدها: يفتحها، يغلقها، يفتحها، يغلقها – كما لو أنها كانت أوراق زهرة.

«سيغفون قريباً وسيتركوننا في سلام. قلما تأتي امرأةٌ إلى هنا».

أخذا ينتظران حتى عاد الهدوء، وبدأ يُسمع الشخيرُ الناعم لأولئك الغارقين في نومهم الهادئ. كان هناك مصباحٌ صغير في الغرفة، وكان على علو منخفض لدرجة أن ظلالهم كانت تسقط كبيرةً وعريضةً على الجدار. شعرت بيده على ظهرها، قويةً كجناح بجعة، وبالبطانية ثقيلة على ساقيها كما لو أنها من الخشب.

«كم عمرك؟ سأل. «أربعة عشر؟ خمسة عشر؟»

لم تجب.

«أرى أنك أصغر مما تبدين.»

شعرت بشفتيه تقتربان من رقبتها وثم، عضّها فجأة في رقبتها عضّة قوية غير متوقعة، لتسقط على جنبها كما لو أنها كانت سفينة عصفت بها الريح.

«يا فتاة»، قال. وعلى الجلد انزلقت يده باردةً كسمكةٍ تحت بلوزتها. خلع البلوزة عنها من فوق رأسها وثم أخذ ينقر بأظافره فوق الحلمتين. كان فمه يبحث عن فمها ولسانه ينزلق كمحار. كان لعاب فمه حلواً وفاتراً.

كان قد دفعها تحت البطانية وفتح سحّاب بنطالها، البنطال الذي بقي عصياً عليه ولم يسحبه إلا قليلاً.

«سأخلعه أنا»، همست الفتاة. بذعرٍ وبأسرع ما استطاعت، خلعت القماش العنيد.

«بهدوء» همس. وثم ضغط بفمه على جزء صغير من بطنها ليتدحرج عليه بأسنانه الحادة.

أنا لا أعرفه، فكّرتْ الفتاة.

إنه غريب. أنا لا أعرفه!

بضع مرات في هذا الشتاء كانت قد كبست باكراً وبشكل متعمدٍ على زر النزول في الباص الدافئ المتجه إلى المدرسة. ذات مرة كانت برفقة والدها. عندما هسهست الأبواب لتنفتح، أجبرها والدها على أن تنزل من الباص، إذ أن السائق كان سيتوقع منها أن تفعل ذلك بعدما ضغطت على الزرّ.

لن يكون الأمر مختلفاً مع هذا الرجل أيضاً.

«لا تزالين ناعمة. أنت فتاة حقيقية.» مندهشاً كان يمسّد ثدييها.

«جميلٌ أنكِ بيضاء.»

كانت بيضاء. وعندما نظرت إلى الأسفل، بدا رأسه بين ساقيها كحجر أسود.

كانت شفتاه تضغطان على شعر العانة الآن، ولسانه ينزلقُ ببطء إلى الداخل. أرادت أن تمنعه، أن تمنع هذا المجهول … لكن لعقات لسانه وكل هذه الاحماءات الساخنة والداكنة جعلتها تشعر أن بطنها ثقيل، وأن ساقيها ثقيلتان فأغلقت عينيها – ليبدأ بعده درب آخر، درب الحماوة.

«افعلها!» قالت، مندهشةً من رغبتها المفاجئة، من رغبتها في الاحتفاظ بهذه الحرارة.

«افعلها!» ودفعت حوضها للأعلى واضعة يديها على شعر عانتها الداكن الناعم، ضاغطةً رأسه بقوة نحو الأسفل، كما لو أنها كانت حبة جوز بقشرة قاسية، والآن وبعد أن نُزع اللحاء وكُسرت القشرة تدفقت قوةٌ وغضبٌ ورغبةٌ، رغبةٌ أصبحت هي الآن، بحد ذاتها، خائفة منها.

ثقيلةً سقطت خصلات شعره على أصابعها.

«افعلها!»، قالت مرة أخرى، لكنه توقف. سمعتْ صرير ورق، حفيفاً. فجأة وبشكلٍ حاد لكز بكوعه في جنبها.

«سأدخله فيك»، قال منحنياً فوقها بحيث أنها كانت قد أصبحت مغطاة بجسده.

«عليكِ ألا تخافي. لا تصيحي ولا تصرخي».

أخذت تحدّق فيه، رأت كتفيه والعضلات التي تتشابك في بعضها البعض، رأتْ نبضَ الوريد في عنقه، رأت الفمَ مع الشفتين الحمراوتين. كانت ستنظر إلى عضلاتها أيضاً، لكنه كان أسرع مما ظنّت. ألمٌ أبيض لاهبٌ وشعورٌ حادٌ بين ساقيها. حاولت بكل قوتها أن تنتزع نفسها منه، لكن فمه كان يضغط على فمها، وظهره وخصره الرشيق كانا ينحنيان فوقها كشبكة صيد محكمة.

«لا تقاتلي» قال. «لا تقاتلي.»

لكن الألم جعلها أقوى، الألم الذي أصبح أشد وخزاً، الآن وبذعر كانت تشد كل عضلاتها وتدفع حوضها لتجبره على أن يبتعد عنها. وثم وَثَبت بقوة ليخرج منها. وليبتعد الورك عن الورك.

«لا تفعلي!»، قال «ماذا تفعلين؟ سيحدث على أي حال!»

«لا!» قالت الفتاة. شاعرةً بغضب عنيف غير متوقع: «عليكَ أيضاً أن تقاتل».

أمسك بها من خصرها وضغط ظهرها ثانيةً على البطانية.

«أنتِ خائفة»، قال. «ولكن عليكِ ألا تخافي.» مع دفعةٍ قوية عاد إليها وودسّ أصابعه بقوة تحت أردافها.

«إنه يؤلم!»

بشكلٍ مفاجئ نشبت كل أظافرها في لحم ظهره وسحبتها نحو الأسفل كسكاكين في خطوط مستقيمة. على الفور أخذ الجلد يتورم تحت أصابعها، كانت ترى عينيه وهما تتقلصان من الألم. ضغطت فمها على فمه وعضته بقوة في شفته السفلى. دمٌ فاترٌ سال في فمها. نظر إليها بعينين لامعتين داكنتين. كانت هناك قطرات عرقٍ معلقة على جبينه.

«عليك أن تقاتل أيضاً».

كان هناك ضغطٌ وهمهمةٌ ودفعٌ. في كل مكان كانت يداه ويداها، وفي كل مكان كانت أظافرها تجرّ خلفها خطوطَ خدشٍ مملوءة بالأحمر، لكنه لم يخرجه منها وظل الشعورُ الحاد الملتهب حاداً وملتهباً بين ساقيها. كانت تثب بوركيها كحصانٍ طليق وتهسهس بكلمات لم تكن قد نطقت بها من قبل.

ببطء أخذ الحريق يخمد والثقل يزول. كان لا يزال فيها. على الرغم من استعدادها لألم جديد، إلا أنه لم يكن يتحرك فيها، أو بالكاد كان يتحرك، وببطء شديد. ملتفاً. بشكل هادئ جداً. وفجأة سمعتْ أنينها وقذفت مثلما يتدفق الماء على أرضية حجرية.

ظلّ يتحرّك فيها كحيوانٍ فتي.

«امرأة!» همس في أذنها. «أنت الآن امرأة.»

رفعت الفتاة يديها عن ظهره ونظرت إليهما. كان دم الرجل تحت أظافرها، عميقاً، وكانت ثمة رائحة فيما حولها لم تكن قد شمّتها من قبل. كان العرق على كتفيه وصعوداً وهبوطاً كانت بطنه يتحرك. أما شفته السفلية فكانت ثخينة ومتورمة في المكان الذي عضّته فيه.

ما أدهشها أنها لم تكن متعبة. كان الألمُ قد تلاشى ولم تكن تعرفُ فيما إذا كانت سعيدةً، خائفةً، غاضبةً أو فخورة بنفسها.

تمدد بجانبها متنهدّاً.

أنا لست متعبة، فكرت الفتاة، وسحبت شرشفاً أبيض فوقها.

كانت الخطوط على ظهره بيضاء وكانت يده تفتش في الشراشف عن يدها، ولكنها سحبت يدها ونظرت: إلى شعره اللامع، إلى الشقوق بين الستارة التي ثبتت بدبوس مشبك، إلى خطوط الدم المتخثر، إلى قضيبه الذي كان يستريح مرتخياً على عظمة فخذه، وإلى ما تجرأت الآن على رؤيته، الواقي الذكري الذي كان ينضب على الشرشف ببطء.

وبعدما استراح، أدخل فيها مرة أخرى، وبقوة ضغطت برؤوس أصابعها في أردافه محددةً بذلك الإيقاع الذي كان عليه إيلاجها فيه. وضعت أسنانها في عنقه، شممت روائحه، وضغطت يدها حول رقبته، كما لو أنها كانت تحمل قطاً شاباً.

في صباح اليوم التالي تحدثا بالكاد مع بعضهما البعض. استيقظ، قبّلها للحظة. ثم ذهب ليجلس على حافة السرير وارتدى ملابسه بسرعةٍ وصمت. من خلال النافذة كان ضوء الخارج بالكاد ينفذ إلى الداخل.

«إلى أين أنت ذاهب؟» سألت، وهي تتلمس تحت الشراشف باحثةً عن ملابسها الداخلية.

«إلى العمل» قال. «عليّ أن أعمل. ماذا ستفعلين؟ هل أراكِ مجدداً هذا المساء؟ هل ستأتين إلي هذا المساء».

«كلا،» قالت الفتاة. «أنا لن آتي إلى هنا.»

«أنتِ امرأة، الآن،» قال. «أودّ لو أنكِ تأتين هذا المساء.»

لكنها هزّت رأسها.

بعد عشر دقائق من ذهابه، غادرت هي الغرفة كذلك. كان الرجال نائمين في الأسرّة، يتنفسون بهدوء، وظهورهم متحدبة تحت البطانيات الرمادية. المجلات مع تلك الرسومات الغريبة، كانت مفتوحة ملقية على الأرض.

كان بارداً جدّاً في الخارج، والشمس كانت تبزغ بشكل ضعيف. كانت هناك باصات تسير في الشارع. بحثت عن بطاقة الباص في معطفها، وجدت واحدة، أخذت باصاً واتجهت إلى البيت.

في البيت كانت أمها جالسة وأمامها القهوة. في قبالتها كانت تجلس جارة لها.

«و؟ هل كان الأمر جيداً مع صديقتك؟» سألت. «هل كنتما ترقصان إلى الآن؟»

«لاااا،» قالت. «كان الوقت متأخراً. ولم يكن لدينا رغبة في ذلك.»

تركت الغرفة وصعدت الدرج. كان باب غرفة أخيها موارباً. لم يكن قد عاد إلى البيت. على سريره كان لا يزال كتاب الغيشا هناك، مع صورة أماريليس ولوسيل بأثدائهن المتينة والحلمات التي تضغط على بعضها البعض. أغلقت الفتاة الباب وأدرات المفتاح بقوة في القفل. بحذرٍ سحبت من فوق رجليها المرتجفتين وللأسفل بنطالها الجينز المعطوب وكلسونها. لم يكن هناك الكثير من الدماء عليهما، بل مجرد لطخة صغيرة داكنة. لقد كان حال الشرشف في غرفته أسوأ. نظرت إلى تلك اللطخة في القطن، وإلى شعر عانتها الذي كان يقف متجعداً. فكّرت في حورية البحر الصغيرة، التي تخلّت عن صوتها الغنائي الجميل مقابل ساقي الإنسان الحقيقيتين. في الألم الذي كان يمزّقها، في كل خطوة – وكيف انتهت إلى زبدٍ على البحر.

فكّرت في ملكة الثلج، في عزلة منزلها البارد، حيث كان يتجمد قلب كل إنسان على الفور. فكّرت في الملاك جبرائيل، الذي كان قد انتظر في الشرفة الأمامية للكنيسة بسيفٍ لاهب- انتظر الفتاة التي كانت ترقص وترقص على قبر أمها وبقدمين في ذلك الحذاء الأحمر، ظلّت ترقص وترقص وترقص، حتى بتر السيف قدميها، لتنال الطمأنينة لكن دون أن تستردّ حذاءها.

«لقد قاتلتُ على أي حال.»، بصوت عالٍ قالت الفتاة لنفسها وهي ترفع كلسونها وبنطالها الجينز. نحو الجانبين كانت تنحني أسنان السحّاب النحاسية اللون.

**

جزيرة العسل

لم تكن زوجةُ الإمبراطور، كونستانزا، تعرف الرحمة، كانت امرأة قاسية بشكل قل نظيره. وكان الإمبراطور نفسه، الفونسو، سريع الهيجان والغضب، حنقاً، صعب المراس، لكنه لم يكن يملك قسوة زوجته. «اقطع رأسه!» كانت تصرخ في كلّ مناسبة، لتبتسم بعدها واحدة من ابتساماتها اللطيفة، الخادعة، الخبيثة. كانت أصابع قدميها الصغيرة تتجعد في خفّها المصنوع من الجلد المغربي. «فلتتدحرج الرؤوس!» وإذ أنها كانت جبارة، وجميلة جداً فوقها، وإذ أن زوجها، إن تركنا نوبات الغضب جانباً، كان رخواً ليناً، لا شخصية له، – كان يفرقع ويقرقر وهو يأكل العصيدة ويجعل خدمه يقطعون له أطراف الخبز – لم يكن هناك من أحد ما في الإمبراطورية الصغيرة (إمبراطوريةٌ لم تكن تتخطى حدود الجزيرة) ليتجرأ على أن يقف في وجهها. لذلك كانت الرؤوس تتدحرج وبأعلى وتيرة. وحدها الإمبراطورة كانت من تخترع أسباباً لقطع الرؤوس ووحدها كانت من تصدر الأوامر. لم ترفّ لها جفنٌ قطّ ولا رمشت لها عين عندما كان يتدحرج عند قدميها رأسٌ أبيض آخر بعينين جاحظتين ولسانٍ معضوض، وأحياناً كان حتى سروالها الحريمي يُطرطشُ بقطرات دم ناعمة. كانت تبتسم وحسب، ملوحة بيدها البيضاء المنعّمة.

«ضعوها في حمّام العسل! هكذا بأسرع ما يمكن في حمام العسل. بسرعة. بسرعة! أيجب أن تتدحرج رؤوسكم أنتم أيضاً حتى تفعلوا ما أقول؟ إلى ماذا تنظرون. أتظنون أنه ليس لدي الحقُّ في أن أفعل ذلك؟» حينها كان الجلادون يرتعدون ويرتجفون ويومئون برؤوسهم خانعين في ضوء الصباح البارد، وثم وعلى عجلٍ كبير، كانوا يجرّون من شعرها تلك الرؤوس المقطوعة حتى الحوض الكبير الذي كان يقف هناك وسط الميدان أمام القصر الإمبراطوري والذي كانت كونستانزا قد صممته لهذه الغاية على وجه الخصوص.

في هذا الحوض الخشبي كانت تعوم وفي بحيرةٍ من العسل، المئات والمئات من الرؤوس المقطوعة، هناك كان يعوم غيدو – تلميذ الجزّار – بابتسامةٍ غبية كانت ما تزال على شفتيه. كان يبدو كما لو أنه كان وبتلك الشفاه ما يزال يلعق النقانق وينادي عليها، هناك كانت تعوم آدا، آنسة المدرسة، بوجهها الطويل وشعرها الحريري الأشقر، كانت تنظرُ مذهولةً بل ومندفعةً قليلاً حتى، كما لو أن شعرها المجزوز هذا كان وفي الوقت نفسه مغامرتها الأولى والأخيرة. بجانبها كان يطفو على العسل رأس شارّل، شاحذ السكاكين، المدور كتفاحة. شارّل نفسه الذي كان قد سبق له وأن جعل رؤوساً كثيرة تتدحرج. كان الناس صارخين يلوذون بالفرار على عجل عندما كانوا يرونه يقترب من البعيد. كان الأطفال وهم يبكون يختبئون تحت تنانير أمهاتهم مرتعبين من ميسّين شارّل، قاطع الرقاب، الذي كان سيصل ويلمح رقابهم البيضاء.

لم تكن الإمبراطورة تعرف كل الرؤوس التي كانت وبأسى تحدّق فيها من سقّالة المقصلة هناك، وهكذا، رافعةً حاجبيها للأعلى ضامّةً شفتيها الحمراوتين، كثيراً ما كانت تسأل في مزيج من الشهوة والفضول:

«ومن يكون هذا إذن؟»

«رحمتك يا ربّ، هذا هو براخاس، عامل المجرفة.»

«اقطع رأسه! ولتداعب السكين عنقه مرة! ومن هذا؟ من يمكن أن يكون هذا؟»

«يا صاحبة النعمة، إنها تدعى تيريزا، كانت لسنوات وصيفتك الثانية.»

«أوه، أجل. تذكرت. دع رأسها يتدحرج. وهذه، من هذه؟ إنها إلزابيث، ابنتك البكر.»

«اقطع رأسها! ومن هذا؟»

«زوجكِ، أيتها السيدة المبجلة، إنه السيد، زوجكِ القيصر.»

«ولمَ يحدّق فيّ هكذا كأبله؟»

«لقد قلعنا له عينيه، صاحبة السمو. بالضبط كما أمرتِ.»

«بالتأكيد يجب أن يقطع رأسه هذا!»

وفي يومٍ من الأيام تدحرج آخر رأسٍ في المملكة وكان حوض العسل يكاد أن يمتلئ. كانت الإمبراطورة والجلاد يقفان صامتين قبالة بعضهما البعض.

«حسناً،» قال الجلاد.

«حسناً،» قالت الإمبراطورة.

حلّ الصمت لوقت. كان ضوء الشمس يجعل العسل يلمع في الحوض وكانت الرؤوس تعوم بسلاسةٍ ونعومة، كما لو أنها في حفلة، بشكل كان يوشك أن يكون مبهجاً.

«أنا المسؤولة هنا،» قالت الإمبراطورة. «لا داعي لأن تقلق بشأن ذلك.»

لأول مرة كانت تشعر بالحرج قليلاً من الوضع، إذ أن الجلاد كان رجلاً ذكياً، بجسد متين ووجهٍ جميل – وكان القتل قد أثار حماستها. لكن لا، كل شيء سيظل بائساً حتى ينهى العمل. «إذا أعطيتني هذا الفأس،» قالت بنبرة تغنج ودلال، «يمكنك أن ترى ما أخبئه هنا تحت سروالي الحريمي.» نظر الجلاد إليها متردداً.

«هنا مع هذا الشيء الحار، هنا.» قالت الإمبراطورة.

بعينين من الشهوة تحدقان في جسدها، نزع الجلاد الفأس عن خصره وبطيب خاطر، وثم أخذ يزحلق للأسفل السروال الرقيق الفضفاض الذي كانت ترتديه كونستانزا.

كانت يده القوية تدغدغ ما تحت ملابسها الداخلية وضاحكة ضحكة دلال كانت كونستانزا تحرك الفأس مؤرجحةً إياه بخفة.

«إنها تحكّني هنا، في الأسفل قليلاً،» قالت. «ألا ترغب أن تلقي نظرة هنا أيضاً؟»

مطيعاً أحنى الجلاد الرأس حتى انكشفت الرقبة الحارة القوية. بضربةٍ كبيرة فصلت الإمبراطورة رأسه عن الجذع. تدحرج الرأس مبتعداً عنها حتى استقر بهدوء على العشب الناعم. أخذت الإمبراطورة نفساً عميقاً ومشت لتقف فوق الرأس. بقوة أمسكت به من الشعر الداكن، لكنه كان أثقل بكثير مما كانت قد توقعت، لم تكن تستطيع أن ترفعه عن الأرض .

«غريب،» تمتمت، وثم حاولت مرة أخرى. هذه المرة نجح الأمر معها وهي تلهث في أن ترفع الرأس عن الأرض ما يقارب عشرين سنتيمتراً، ولكن هذا لم يكن كافياً لإلقائه في حوض العسل. حاولت مرة أخرى، وحينها – وبفضل العزم الذي منحها الغضب – نجحت في أن تلقي الرأس في حوض العسل. هناك سقط على الحافة في العسل الذي كان يلمع كذهب. مضاءة بشعاع من الشمس بدا الرأس نفسه كشمس ملتهبة. رمشت الامبراطورة بعينيها. يا لها من أشعة ساطعة، شيء لا يصدق! يا لها من أشعة حادة وخارقة! بضع قطرات من العسل كانت قد تطايرت من الحوض بسبب إلقاء الرأس وحطت على ذراعيها النحيلتين الناعمتين. كانت قطرات العسل تلك تلتمع في ضوء الشمس كحبات الماس. حاولت أن تمسحها بلعابها، لكن العسل كان لزجاً وبقي ملتصقاً على جلد ذراعيها.

«إلى الجحيم! لا يهمّ،» ضحكت.«ما الذي يمكن أن يفعله هذا العسل. لا ضرر منه.»

خطت خطوةً إلى الخلف وألقت نظرةً على الحوض الطافح هناك بالرؤوس، رؤوس ساكني الإمبراطورية السابقين. كان رأس حلاقها يعوم بجانب رأس إسكافيها، بدا كما لو أنهما كانا غارقين في حديث شيّق. كانت رؤوس أعضاء الفرقة النحاسية تنزلق خلف بعضها البعض، في خط مستقيم أنيق، تعبر العسل الحلو. خدودهم لا تزال منتفخة ومزرقة قليلاً. الأعين مغلقةٌ بسلام.

«جميل،» قالت الإمبراطورة. «أنيقٌ للغاية. جميل هذا، جميعهم بالأناقة نفسها.»

كانت تريد أن تستدير وتبتعد لتحتفل بانتصارها الساحق، ولكن شيءٌ ما أوقفها.

في السائل المُتَلأْلِئ هناك كان رأس زوجها الإمبراطور يترجرج.

وبينما كانت تنظر إليه رأت أن رأس الإمبراطور يصطدم وباستمرار بالرأس الجميل لتيريزا، وصيفتها الثانية.

«انظري ماما،» بدا لها أن رأس ابنتها يناديها. «انظري ماما في حوض العسل.»

مرة أخرى، كان رأس زوجها يحتك بالرأس المدور للوصيفة – بدا عليهما وكأنهما كانا يقبلان بعضهما البعض. تساءلت، أكان لسانه ينزلق هناك شهياً ورطباً داخل فم تيريزا الأحمر؟ لا! لكنها رأت ذلك بوضوح تام. دافئاً ورطباً كان لسان الإمبراطور السميك ينزلق في ما بين شفتي تيريزا الناعمتين. كان فمه وفمها يمسكان ببعضها البعض بينما رأساهما الصامتان يدوران ببطء وإثارة لا حد لها.

لهبٌ متوهجٌ من الغضب كان يسري في قلب الإمبراطورة . «أنتِ الوحيدة،» كان ألفونسو يلهث. أردافه الوردية تعلو، بينما خصيتاه يدقان كصنجين في ما بين فخذيها.

«أنتِ الوحيدة، الوحيدة، الوحيدة.»

«فليقطع رأساهما!» صرخت. لكن ما من شيء حدث. مئات الرؤوس بدت تطنّ تحت أشعة الشمس القوية، تطن كأسراب من النحل الدافئ – وشيئاً فشيئاً كان الأزيز يصبح أقوى وأقوى.

«فلتقطع رؤوسهم! فلتقطع رؤوسهم!». صرخت الإمبراطورة وهي تدقُّ الأرض بقدميها.

من اللاشيء، من العدم ظهرت ثلاث نحلات لتهبط على ذراعيها. غرزت خراطيمها عميقاً في قطرات العسل اللزجة وبدأت تمتصّ بشراهة.

«فليقطع الرأس! فليقطع الرأس!» همست الإمبراطورة، وقد سرى فيها خوفٌ مفاجئٌ وعنيف.

في الحوض كانت الضفائر العريضة لشعر الوصيفة الثانية معقودة في شعر الإمبراطور الخفيف. أكانت شفتا تيريزا اللامعتان ما تزالان تنتقعان هناك منفرجتين عن بعضهما البعض؟ أكان الإمبراطور ما يزال يغرز لسانه، قطعة اللحم الرطبة تلك، في فمها؟

«فليقطع الرأس! فليقطع الرأس!» كررت الإمبراطورة، ولكن صوتها كان وهناً رفيعاً وما عاد يطغى على طنين النحلات الثلاثة هناك على ذراعيها.

__________________________________________________

مانون إيـپهوف (1962) كاتبة هولندية، تُلّقب بملكة القصّة القصيرة، ترأس فرع هولندا من نادي القلم الدولي، من أعمالها:  فقد 1997 (رواية)، يقول أنني لا أستطيع أن أرقص 2005 (قصص)، نار البرد 2005 (رواية)، حلاوة العنف 2013 (قصص)، السقوط مثل الطيران 2017 (رواية)، القصص الثلاثة من باكورتها الرغبة التي صدرت في عام 1995.