Kurdî
ترجمة

في مواجهة الإله العدميّ – عفاف خليفي

29 أغسطس, 2018 - 588 مشاهدات
اللوحة للفنَّان التشكيلي: أكرم زافى - سوريا

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

عفاف خليفي / تونس

في مواجهة “الإله” العدمي الذي نصّبه الأصوليون على الرّقاب، شعر “المعطوب الوناس” أنّه مكلّف بإعادة الشّمس إلى نصابها، لم يقدر رجال السّلطة ولا الظّلاميون تجميد صوته وإن قاموا بتصفية جسده يوم 25 يونيو 1998 بثماني وسبعين رصاصة استقر بعدها في الأبديّة. لم يكن معطوب الوناس متخفيّاً، كان يعلن عن مكانه إلى جانب المنتفضين دائماً ومنذ الحراك الأمازيغي سنة 1980 كان ملتحماً بالشعب بصوت يحمل العمق القبائلي الأصيل.

يخوض الفنّان الأمازيغي صراعاً جذريّاً مع السّلطة الصّماء من جهة رجال البوليس والحاكم الهووي المتأثر بالخطاب القومي والرّافض للأصول الأمازيغية لمنطقة القبائل ومن جهة أخرى الأصوليون اللاّهوتيون، هؤلاء الذين طالما اعتبروا الاختلاف زندقة ورجموا المعطوب الوناس بالكفر، وكانت الغاية القصوى لهؤلاء إسكات الصوت الأمازيغي الحر.

بعد استقلال الجزائر تعالت الأصوات وسبقتها الأيدي لمحاربة الثقافة الأمازيغية الأصلية من أجل جماعة قوميّة عروبيّة أو جماعة روحيّة حصريّة.  بدأت وقتها ثقافة القتل الديني في الجزائر بالتّوازي مع سياسة التّعريب الالزامي للأمازيغ، فتقاطعت استراتيجيا القمع وعقيدة الإخوان لطمس كلّ معالم الثقافة واللغة.

واجه  هو بجسده وصوته، بجسارة حولته إلى أيقونة وبطل قضية كيوغرطة وآكسيل وماسينيسا. رغم محاولة اغتياله على يد السلطة واختطافه من قبل جماعة اسلاميّة مسلحة هددته بإقامة حدّ القتل ما لم يكفّ عن الغناء. دوّن هذه الحادثة وغيرها من الأحداث الدّامية في سيرته الذّاتية “المتمرّد[I1]  ”

  أين كتب لوناس عن علاقته الجذرية بالموسيقى: 

” قيثارتي الأولى صنعتها بنفسي، أخذت علبة قصديريه يعبأ فيها زيت السيارات وثبتت في ثقبها عصا من خشب وأوتاراً من خيوط الصيد بالصنارة. لم يكن أمامي خيارٌ آخر إذ كنت معدما وثمن القيثارة الحقيقية يساوي وقتئذ ثروة بكاملها. كان عمري لا يتجاوز التسع سنوات”

نشأ الوناس على أنغام صوت أمّه، أهازيج نّساء القرية في الأعراس والمآتم وأصوات شيوخ الأغنية القبائلية. كانت علاقته الفطرية بالموسيقى قد حوّلته إلى فنّان مقاوم تمسّك بالفلكلور القبائلي وكتب كلماته بنفسه، كتب باللّغة الأمازيغية بشكل مباشر لاذع وساخر أحياناً.

مازال النّقاش حول أغانيه محتدّاً فينعته البعض بالكفر والبعض الآخر يحاول تعديل هذا الإتّهام الثقيل ويبرر قوّة خطاب المعطوب الوناس بالتّهور باحثاً عن إشارات توحيديّة في أغانيه. إنّ شعوراً بالقهر والقمع هو ما يحرّك هذا الفنان المتفرّد، ذات الوجع الذي رابط به في الوطن. في وقت غادر أغلب الشباب إلى أوروبا. قاوم هو من أجل وجود أصيل داخل دولة ديمقراطية لا مركزية.

كتب بلغته الأمازيغية دون شعرية معقدة، لكن بوجدانية فريدة تعكس الحياة اليومية القبائلية، في دفاعه عن قضيته كتب معطوب الوناس أشعاره بين الإلتزام والمنفى وتعلّق بالأرض واللّغة. واعتبر أنّ الأمازيغية قضية كينونة لا يمكن أن تمحى بكل آليات قمع السلطة .

يقول “والدولة لا تعني أبداً الوطن، فهي لا تختصر معنى الوطن إطلاقاً. مثلما يقول “باكونين”، فالدولة فكرة مجردة، ميتافيزيقية، ضرب من الإسقاط القانوني والروحي والسياسي لفكرة الوطن.”.

لم يكن الغضب مجرد إنفعال حزين، فحين ينتفض شعب من أجل قضيّة وجود ندرك ما قاله الفنان الثائر بأنّ “من ليس أمازيغياً باللّسان فهة أمازيغي بالتّراب “. رفض الأمازيغ الانزلاق نحو الثقب الأسود الذي كان الإسلاميون يجرّون الجزائر إليه وقاومه هو بالصوت المنبعث من عمق الأوراس.

لم يعد مهمّاً أنّ الشعر في أغانيه لم يكتب أصلاً باللّسان العربي إنّما هو منقول عن الأصل نقلاً فالتّرجمة هي فعل تماهي، أن نمتحن قدرتنا على تحمّل رؤى الآخر، أن يتحوّل الآخر إلى ملتحم بصلب أنفسنا لأنّ ما قاله سينقل إلى كنه لغتنا بوصفه جزءاً من “لحم الكينونة” الإنسانية المشتركة.

 

 

حداد في واد عيسى

منذ بداية التّمرّد

خيّم اللّيل صعّد الجنود الاعتداء

استنفرت كلّ القرى

تدفّق الشّعب نحو تزي وزو

اهتاجت الشوارع

لما اشتعلت غضبا؟

هذا ليس جنونا

نريد الحرّية

فلنذهب قبل أن تحاصرنا العصبة من كلّ اتّجاه

كما قدرنا سنكون

أذا بدأ الكفاح

الابن سيخلف اباه إذا قضى

الابن خليفة ابيه

رجال السّلطة لما هذا التّعذيب

انظروا لسنا بقطيع

أسس وطننا واضحة

تمزغا ستبحث عن ثروتها

سنخرج القيح ويشفى الورم المميت

لا وجود لمن لا جذور له

النّار التي اتّقدت هل ستخمد؟

يضلّ هذا السؤال القلق

فالحديد يتأكل بالصدأ

يحتلّ الجيش تزي وزو، ينشر الظلم والقمع

قطعوا الطّريق الى العاصمة

لمّا أغلقت الطرق

اهتزّت الأرض لنا

احذروا ان يقيّدوكم

كن مستعدا أيّها الشرطي لن نرضخ لنيركم

تلك الدماء التي اريقت

ثمن  شرفنا

صراع منذ الازل

لن تخمد ثورتنا ولن نستسلم

بترنا الرومان

وكلّ من مرّ من هنا نهبنا

وما زلنا ننتفض

بالسيف قدموا الديّن الجديد

منذ الازل نحن نوحّد الله

منذ الازل

اعدّوا الأسلحة والكلاب

اعدّوا الكلاب والعتاد

ليوقعوا من يتجشأ الحقيقة

كم من الاسرى

كم مفقودين لا ندري مصيرهم

 

أنا

اليوم على قيد الحياة من يدري غدا

قلت ما اعرف

وما رأيت

تذكر عندما كنت أغرق في ظلمة الحضيض

طيفي سيخاطبك

مرآة عرضت وجهي عليك

فرجمتني بالنّدوب

تقوم بتدريبي

كي اواجه رغبتي، فرض عليّا هذا

دمي أو دمه

هكذا أمّا هو أو أنا

روّعت أوراق الرّيحان

روّعها الجفاف السريع

حفر قلبي بالحرائق والنّار تنفخ عليه

والآن رياح البؤس تحرّره

يريدون حظر الكلمة

يخطّطون لسدّ طريقنا

أعدّوا المكائد لأسرنا مستميتين نقرع الأجراس

القطران يعوق اجنحتنا والسّكاكين تّشحذ على أعناقنا

ينحرونا الواحد تلو الآخر

وإن أطبقت جدران أربع على صدري

وان رأيت سوى المقصلة

ان حصدني البؤس

وطريقي منحدر نحو الهاوية

يقولون، الى اين تعتقد انّك ذاهب

سأهدأ فإنّي أمازيغي

 

 

رياح الحرّية

نسيم لطيف تنفّس أطلق العنان لنفسك

نحن على طريق الحرّية

نسيم، رياح

انهض وتحرّر

اليوم والى الأبد

الجيل ’ الى قمم الجبال

الشّمس تنتظر لن تنطفئ

جمالها ينعكس على الحياة

رغم العذاب

إن تحوّل البحر الى صحراء قاحلة

يومها سنتنكر للأمازيغيّة

في حضنك استشهدوا ببسالة

فما أقول عن الجمالي الذي أدمانا

حمايتك اعتقادنا الذي تشرق به الروح القبائلية

في سبيل قضيتك نعطي أرواحنا

سيظهر فجر جديد

حيث نستقبل الربيع

هل سنبقى اسيري هذا الحلم العالق

متى سنشق هذا السديم؟

أرض تلألؤ الثلوج

تشعّ على وجهك

جرجرة والأوراس واحد

كلّ الأمازيغ أطفالك

امّي ربّي طفلي أذا ذبحني أبناء جلدتي

كلّ الامازيغ اطفالك

وكلّ أعدائك اساء لنا …سنتصدى لهم

سيّدي الرّئيس

 

يوم ميلادي كان يوما لعين

بقبضتي مسكت كلّ الهموم

فتوحّدت بي الى الأبد

ليت لي قلبا من حطب فأحرقه بالجمر

فلا أعاني ألمه

لكنه لصيق بالجسد ليس لي سوى اسكاته بالأحلام

ما دام يمنعني الرّقاد

لقد سرقتم مني شبابي ودفعت ثمن ما لم ابعه

عزلتموني عن أهلي

ودمّرتم أمانيّا

أفنى الشقار عظامي

لكن قبل أن يحلّ الموت علي

سيفصح لساني عن كلّ ما احتمله قلبي

 

ليتني أستطيع الهرب

ويوم العيد آتيكم

آتي الى زيارتكم

اهلي الأعزاء

أظهر لكم في وضح النّهار

ولن أعجب إذا جزعتم

فوجهي سيبدو غريبا

حين تلقاني أعينكم

هو لن يتعرّف على ابني سيهرب منّي

زوجتي المبجّلة …ترى ستذكرني

سينسون أشغالهم ويضطرب كلامهم

لكن في النّهاية سيعرفني اهل القرية ويهرعون الي

كبّ هذا حلم جميل لن يطول

بقد غير القدر اسمي

ومنحني تميمة الشقاء

أغلقت أبواب السّجن علي

وقرّر مصيري

أنت محكوم وعليك الخضوع

 

سيدي الرئيس انّي اتوجّه اليك

بقلب مثقل

لكن هذه الكلمات قد تشفي غليل بعض المقهورين

أخاطبكم بلغة مستعارة

كي أقول ببساطة ووضوح

والدولة لا تعني أبداً الوطن،

فهي لا تختصر معنى الوطن إطلاقا.

مثلما يقول “باكونين”، فالدولة فكرة مجردة، ميتافيزيقية،

ضرب من الإسقاط القانوني والروحي والسياسي لفكرة الوطن.

انّ الجماهير الشعبية العريضة لكل البلدان تحب اوطانها

لكمنّه حب حقيقي وطبيعي

وهو ليس فكرة بل فعل

ولهذا فإني اعتبر نفسي بصراحة

المدافع عن كل الأوطان المضطهدة

 

 

كلّ الكلمات التي غناها معطوب الوناس هي صدى جبال الأوراس وحكايات مقاومة وحب، أشرقت منها تفاصيل الوجع الأمازيغي. لهذا رفعه النّاس رمزا وأسطورة شعبية ولم يفلتوا خيط دمه. كان صوته مسموعا وكان يدافع عن مطالب الشعب  في الاعتراف باللغة الامازيغية و تدريسها بعد ان منعت الدولة حينها حتّى أسماء المواليد.

ولد معطوب الوناس في قرية “توريت موسى ” 24 يناير 1956 كان ثائرا حقيقيا نزقا، ملتحما بالشعب في انتفاضته ضدّ سياسة التّعريب والحكم الإرهابي، كان يجهر بأفكاره دون خوف ودفع ثمنها حياته، كتب سيرته الذاتية “المتمرّد” وكانت تدوينا لكلّ تفاصيل ما عاشه. منذ طفولته وولعه بالموسيقى كان عصامي التكوين في المدرسة والموسيقى فقد رفض المدرسيّة وانطلق نحو افق التّكوين الذاتي، كانت الحانة من الفلكلور القبائلي عزف اغانيه وبرع على القيثارة والماندول. اتّهم بالانفصالية والاستقواء بالأجنبي .

سنة 1980 تعرض لمحاولة اغتيال حيث أطلق عليه رجال البوليس خمس رصاصات استقرت في جسده عانى على أثرها الى إصابات بليغة بقي ستة أشهر تحت المراقبة الطبية في المستشفى عاش تجربة مريعة …

قامت جماعة إسلامية مساحة باختطافه من مقهى غير بعيد عن مدينة تيزي وزو، (ضلّ مخطوفا مدة ستة عشر يوما كتب هذه التجربة في سيرته الذاتية والحوار الذي دار بينه وبين الجماعة …). هبّت الجماهير الامازيغية في مظاهرات عارمة وهدّد الشباب آن ذاك بحرب ضدّ القوات “الجهادية” في الجبال إذا لم يتمّ استرجاع الوناس، حتّى أطلق صراحه بعد 20ساعة من الحراك الشعبي.

عاد بعدها إلى الغناء رغم تهديد الجماعات الإرهابية له.

استشهد معطوب الوناس يوم 25 يونيو 1998 بعد أن قال لست ممن يهوى الشهادة لأدخل جنة تجري من تحتها أنهار من عسل وحليب. أريد الدفاع عن نفسي. المقاومة دفاع مشروع يتطلب وسائل. عجزوا عن كسر شوكتي طيلة 15 يوماً من الاعتقال والآن سأؤكد لهم بل سنؤكد لهم أننا أقوى منهم. لا أحد بمقدوره الوقوف في وجهنا. معركتنا عادلة ونبيلة. أقسم بذلك.

كان معطوب الوناس كونيّاً، كان يوصي أن نضطلع بالحرّية الأصيلة أن ننتمي لأنفسنا ضمن أفق انساني صميم بأن ننتمي إلى الشعوب المقاومة:

“أنا أمازيغي شقيق اليهودي الذي عاش “الشواه” وشقيق الأرميني الذي عاش الإبادة الرهيبة سنة 1915 وخالدة مسعودي وتسليمة نسرين وكل النساء المكافحات في كل مناطق العالم، أنا أخ للكردي الذي يقيم تحت النيران المتعددة للديكتاتوريات وأخ للإفريقي المقتلَع من جذوره، تجمع بيننا ذاكرة تضحياتنا. أدعوكم اليوم إلى أن تنسجوا فيما بينكم خيوط التضامن”

 *كتب معطوب الوناس سيرته الذاتية بالّلغة الفرنسية «Le rebelle » صدرت سنة ١٩٩٥وتمت ترجمتها للعربية.