Kurdî
ترجمة

الأشياء – قصة من ستينات القرن العشرين- جورج بيريك

21 أكتوبر, 2018 - 883 مشاهدات
اللوحة للفنَّان التشكيلي: أكرم زافى-سوريا
اللوحة للفنَّان التشكيلي: أكرم زافى-سوريا

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

ترجمة: آسية السخيري 

الفصل الأول

 

في الأول، كان بالإمكان أن تنزلق العين على بساط رمادي طويل، في الرواق العالي والضيق. ستكون الجدران عبارة عن خزائن خشبية ذات لون فاتح ومفصِّلات نحاسية تومض بلمعان خفيف. ثلاثة رسومات منقوشة، إحداها تمثل الثيندربيرد، المنتصر في إيبسوم، والأخرى لباخرة دولابية، لو فيل دو مونتيرو، وأما الثالثة فتمثل إحدى قاطرات ستيفنسن، كانت كلها تؤدي إلى ستارة من الجلد، مشدودة إلى حلقات غليظة من خشب أسود متعرج، بإمكان حركة بسيطة أن تجعلها تنزلق بسرعة. وحينها، سيترك السجاد مكانه لأرضية خشبية صارت، على نحو ما، صفراء، وكانت تغطيها ثلاث زرابي، انطفأت ألوانها.

هي قاعة جلوس، طولها يبلغ حوالي سبعة أمتار وعرضها لا يتجاوز الثلاثة. على اليسار، ثمة تجويف تقبع في آخره أريكة سوداء باهتة، تحيط بها مكتبتان من خشب الكرز الشاحب، حيث تكدس خليط من الكتب. في أعلى الأريكة، تمتد خارطة بحرية على كامل اللوحة. خلف طاولة صغيرة، وتحت سجادة صلاة حريرية، معلقة على الحائط بواسطة ثلاثة مسامير نحاسية ذات رؤوس ضخمة، ومتسقة مع الستارة الجلدية، توجد أريكة أخرى متعامدة مع الأولى ومغلفة بمخمل بني فاتح، تؤدي إلى قطعة أثاث صغيرة مرتفعة على قوائم، مدهونة بطلاء أحمر داكن ومزودة بثلاثة رفوف تحمل كل منها تحفا مزخرفة: عدة أنواع من أحجار العقيق الكريمة، بيض متحجر، حقق سعوط، علب حلوى، منافض سجائر من اليشب، قوقعة، ساعة ذات جيب فضي صغير، قدح منقوش، هرم من الكريستال، منمنمة في إطار بيضوي الشكل… أبعد قليلا، وعند ولوج باب مبطن، سيكون من الممكن رؤية رفوف مجمعة تحتوي على علب واسطوانات بجانبها حاك كهربائي/ فونوغراف مغلق، لا يُرى منه سوى أربعة أزرار من الصُّلب  المنقوش وتعلوه صورة تمثل استعراض حفل الفروسية الكبير “الكاروسيل”. من النافذة التي أُسدلت عليها ستائر بيضاء مزركشة بلون داكن على غرار قماشة جوي الهندية، يمكن اكتشاف بعض الأشجار، منتزه صغير وجزء مقتطع من طريق طويل. هناك أيضا خزانة مكتب ذات ستارة، محتشدة بالأوراق والمقالم، مرفوقة بمقعد من قصب، تحفة تحمل جهاز الهاتف، مذكرة جلدية ودفتر ملاحظات. ثم، وخلف باب آخر، وبعد مكتبة دوارة، منخفضة ومربعة الشكل، تعلوها مزهرية أسطوانية كبيرة ملونة بالأزرق ومليئة بورود صفراء، تتدلى على مرآة مستطيلة يحيط بها إطار من خشب الماهوجني، تؤدي طاولة ضيقة، يحفها مقعدان مشدودان بقماش اسكتلندي، إلى الستارة الجلدية.

كل ما في البيت داكن، أمغر، أصهب، أصفر: عالم من الألوان الباهتة شيئا ما، درجاتها مقدرة بعناية أو لنقل إنها اختيرت بحرص شديد، داهمتها في الوسط بعض بقع فاتحة، برتقالي مخدة متوهج على نحو ما وبعض كتب مبرقشة، ضاعت بين دفتي تجليدها. في وضح النهار، ستجعل سيول أشعة الضوء المنسابةُ تلك الغرفةَ حزينة، شيئا ما، على الرغم من الورود. هي ستكون قاعة للمساء. وهي، لذلك، ستكون شتاءً، بستائرها المسحوبة وبعض نقاط الضوء – بركن المكتبات، الديسكو، خزانة الأوراق، الطاولة المنخفضة بين الأريكتين وانعكاسات الضوء غير الواضحة على المرآة- وبمناطق الظل الكبيرة حيث تلتمع كل الأشياء، الخشب المصقول، الحرير الثقيل الفاخر، الكريستال المنقوش، والجلد اللين، مرفأ أمان وأرض سعادة.

سيفتح الباب الأول على غرفة ذات أرضية مغطاة ببساط ذي ألوان فاتحة. يحتل سرير ضخم إنكليزي كل الخلفية. على اليمين وعلى جانبي النافذة، يحتوي رفان ضيقان على بعض كتب، يبدو أنها كانت تُقرأ بلا كلل، ألبومات صور، أوراق لعب، أصص، وأشياء أخرى غير ذات قيمة. على اليسار، يوجد دولاب قديم من خشب البلوط ودفتان من الخشب والنحاس، تقابلهما أريكة من طراز لويس فيليب، مبطنة بحرير رمادي تزينه خطوط رفيعة،  وطاولة زينة. يكشف باب موارب، يطل على حمام، برانسَ سميكة، صنابير نحاسية على شكل عنق بجعة، مرآة كبيرة قابلة للتوجيه، زوج شفرات حلاقة إنكليزية وجرابها الجلدي الأخضر، قنانيٌّ، فرش أسنان ذات مقابض على شكل قرن وألياف إسفنجية. الجدران ملونة برسومات هندية؛ السرير مكسو بلحاف اسكتلندي. تحمل منضدة السرير، المطوقة من جهاتها الثلاث بنقوش من النحاس المشع، شمعدانا فضيا تطل عليه أباجورة من الحرير الرمادي الشاحب، ساعة مكتب صغيرة رباعية الزوايا، ووردة في كوب؛ على رفها السفلي، صحف مطوية وبعض المجلات. أبعد قليلا، سيكون هناك حشية كبيرة من الجلد الطبيعي عند قائمة السرير. على النوافذ، تنزلق الستائر الحريرية على قضبان حديدية؛ وتكون الستائر المزدوجة الرمادية المصنوعة من نسيج صوفي سميك شبه مسحوبة. في الضوء الخافت، تكون الغرفة ناصعة. على الحائط، أعلى السرير المهيأ لليل، وبين المصباحين الصغيرين الألزاسيين، تفاجئك صورة مدهشة بكمالها الجازم، شيئا ما، لعصفور فارد جناحيه ملء السماء؛ الصورة ضيقة وطويلة، وهي بالأبيض والأسود. يكشف الباب الثاني عن مكتب. الجدران مكسوة من أعلاها إلى أسفلها بالكتب والمجلات. هنا وهناك، ولكسر تتالي أغلفة الكتب الجلدية والإضبارات، توجد بعض الصور، رسومات، صور شمسية- لوحة القديس جيروم لأنتونيلو دا مسين، جزء من لوحة انتصار القديس جورج، سجن لجوفاني باتيستا بيرانيزي، صورة لجان-أوغست-دومينيك إنغريس، منظر طبيعي صغير بريشة بول كلي، صورة داكنة لإرنست رينان في مكتب عمله بالكوليج دو فرانس، إحدى مغازات ستينبرغ، صورة ميلانشتون للوكا كراناش- كلها مثبَّتة على لوحات خشبية مدمجة مع الرفوف. إلى يسار النافذة قليلا، وعلى ميلان خفيف، ستوجد طاولة لورين مغطاة بمفرش نشاف أحمر. أقداح خشبية، مقالم طويلة، أوان من كل الأنواع تحتوي على أقلام رصاص، مشابك ورق، دبابيس، قطع شطرنج. علبة زجاجية تستخدم كمنفضة سجائر. علبة مدورة من جلد أسود، توشيه زخارف أرابيسك من الذهب النقي، ملئت بالسجائر. الضوء يأتي من مصباح مكتبي قديم، يعسر توجيهه، مزود بأباجورة من الزجاج القزحي المخضر، على شكل خوذة. على كل من جانبي الطاولة، المواجهة تقريبا، يوجد مقعدان من الجلد والخشب بمسندين ظهريين عاليين. أبعد قليلا على اليسار، وعلى طول الجدار توجد طاولة ضيقة غمرتها الكتب من كل جانب. تؤدي أريكة من الجلد الأخضر الفاتح إلى حافظات أوراق من المعدن الرمادي وعلب ملفات خشبية فاتحة. تحمل طاولة ثالثة أصغر مصباحا سويديا وآلة كتابة مكسوة بغطاء من قماش القنب المصقول. في الخلفية تماما، سيوجد سرير قليل الاتساع، مشدود بقطيفة زرقاء لازوردية تَحُفُّ به مخداتٌ بكل الألوان. في وسط الغرفة تقريبا، يحمل حامل من الخشب المدهون، ذو ثلاث قوائم، خريطة نصفي الكرة الأرضية، مصنوعة من الورق المقوى وسبائك معدنية، مرسومة بسذاجة ومزيفةُ القدامة. خلف المكتب، ونصف مَخفيٍّ، يمكن لسلم مصقول أن يتدحرج على طول درابزين نحاسي، ومن شأنه أن يدور بكل أنحاء الغرفة. ستكون الحياة سهلة هناك، وبسيطة. كل الالتزامات، كل المشاكل التي تنطوي عليها الحياة المادية، سيوجد لها حل طبيعي. سيكون هناك معينة منزلية في كل صباح. سيزوَّد المنزل كل أسبوعين بالنبيذ والزيت والسكر. سيكون هناك، أيضا، مطبخ رحيب ونيِّر ببلاط مزخرف، ثلاثة صحون خزفية منقوشة بخطوط أربيسك صفراء ذات بريق معدني، خزائن في كل مكان، طاولة جميلة من الخشب الأبيض في الوسط، كراسي بلا ظهر ومقاعد من الممتع الجلوس عليها، بملابس خفيفة، كل صباح، بعد الاستحمام. سيكون على الطاولة، آنية زبدة كبيرة من الخزف، برطمانات مربى، عسل، قطع خبز محمص، ثمار غريب فروت/ ليمون هندي مقطوعة إلى نصفين. سيكون الوقت باكرا. وتكون بداية يوم من أيام مايو/ أيار الطويلة. سوف يفضان مراسلاتهما ويفتحان الصحف. سيشعلان السيجارة الأولى. شغلهما لن يستبقيهما سوى بضع ساعات في الصباح. سوف يلتقيان كي يتناولا بعض الشطائر أو  شواءً وفقا لمزاجهما. ويرتشفان قهوتهما على أحد الأرصفة ثم يعودان إلى منزلهما بأناة، سيرا على الأقدام. من النادر أن تكون شقتهما منظمة ولكن فوضاها بنفسها ستكون السر الأكبر لجمالها الساحر. هما لا يكادان يهتمان بها. سوف يعيشان بها وهما يعتقدان أن الرفاهية المحيطة بهما مأثرة مكتسبة، معطى أوليا وحالة من طبعهما. تيقظهما سيكون في مواضع أخرى: في الكتاب الذي سيتصفحانه، في النص الذي سيكتبانه، في الأسطوانة التي يستمعان إليها أو يواصلان حوارهما اليومي.  سيشتغلان لفترات طويلة ثم يتناولان الطعام أو يخرجان للعشاء؛ سيلتقيان أصدقاءهما، يتجولون سوية. سيبدو لهما أحيانا أن حياة بكاملها قد تمضي منسجمة بتناغم بين تلك الجدران المغطاة بالكتب، بين تلك الأشياء المطوعة بمنتهى الإتقان، حتى أن الأمر ينتهي بهما إلى الاعتقاد بأنها اخترعت عبر كل الأزمنة، فقط، من أجل أن يستعملاها وحدهما، دون سواهما، بين تلك الأشياء الجميلة البسيطة، الوديعة والمضيئة. بيّد أنهما لن يشعرا بأنهما مقيدان بها: هما قد يتسكعان في بعض الأيام بحثا عن مغامرة ما. لن يكون من المستحيل، بالنسبة لهما، أبداً، تنفيذ أي مشروع. ولن يعرفا الضغينة ولا المرارة والحسد لأن إمكانياتهما ورغباتهما ستتفقان في جميع النقاط وكل الأوقات. سوف يسميان ذلك التوازن سعادةً وسيعرفان من خلال حريتهما وبواسطة حصافتهما وثقافتهما المحافظة عليها/ صونها واستنباطها في كل لحظة من حياتهما المشتركة.