Kurdî
ترجمة

أنطولوجيا رابع كلوريد الكربون – رينيه دومال – ترجمة: محسن البلاسي

20 أبريل, 2019 - 1618 مشاهدات

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

_ الحضارة _

حين كتبت الكلمة للمرة الأولى

الهواء النقي لم يعد ثقيلاً في رؤوسنا

وكان الحشد عطشاناً

كل البذور كانت ميتة،

ميَّتةً في نسلها

القشرة كانت قبراً لها

الجبل أنهى سفكَ الدم

والأرض الدموية أضحت حجراً

والماء الدمويُّ أضحى بحراً

والنار الدمويَّةُ أضحت برقاً

القدماء أصبحوا مأنونين يغطيهم الصدأ:

عودي إلى العجلة يا أنفاسي

اذهبي وبخطوةٍ ثقيلةٍ للرقص حول الكواكب آناء الليل الكهفيِّ

أطفالي بلا أفكار

أطفالي الجميلون برؤوس فارغة

الحياة بسيطة لكنهم لم يعودوا أحياء

والقدماء ماتوا بين أسنان الجبل

عروق وجوههم الرخامية

تحت الصوان

نام الذين دفنوا

أعمق من أعماقِ عظامهم

تحت صدور الطيور توقف الفراغ الخالي من الحواف عن العمل.

ألف ذئب أعمى في هذه الخزانة

وها أنا لاهث

وقد استعدتها منذ ذلك الحين.

************

في 21 مايو 1944 مات رينيه دومال الشاعر والكاتب والمفكر السريالي شاباً في باريس وهو في عمر السادسة والثلاثون، خطفه السل الذي أصابه بسبب المخدرات الكيميائية ذات التأثير النفسي، خصوصاً رابع كلوريد الكربون.

وقد شارك رينيه دومال بشكل نشط  في التجارب النفسية التي كانت تمارسها الحركة السريالية في باريس بكل تشعباتها، بما في ذلك حركة اللعبة الكبرى التي شارك في تأسيسها، كان رينيه دومال أيضاً نتاجاً للتشعّبات التي أنجبتها الحركة الدادائية وقت احتضارها والتي كشفت عن الكثير من ملامحها كتابات وحياة رينيه دومال.

قام رينيه عام 1922 بتشكيل مجموعة شابة من الفنانين والكتاب أطلقوا على أنفسهم أسم اللعبة الكبرى: Le Grand Jeu اهتمت الحركة نظرياً وعملياً بممارسات البحث خارج الحواس. مضفرة  تلك الممارسات برؤى فلسفية تمردية وطبقية في آن واحد، كما خاضوا بحوثاً في الفيزياء الفلكية، كانت المجموعة تؤمن وتنادي بإنشاء المجتمع البدائي من جديد، أمَّا فنياً فذهبت المجموعة نحو استكشاف عالم الأحلام من خلال صوفية أدبية تحمل بعض من شحنات العدمية، وكان تعاطي المخدرات هو السبيل للولوج في مثل هذه الرؤى والنشاطات، وقد انضمَّ للمجموعة الرسام جوزيف سيما، ثم بيير أودارد، وأندريه ديلونز والمصمم أرتور هارفو، والشاعر موريس هنري، وبيير مينيت، والناقد الأدبي أندريه رولاند وغيرهم.

وحين تم تأسيس الحركة السريالية في باريس ما بين عامي 1924 و1925 انجذبوا إلى أبحاث السرياليين ونشاطاتهم، خصوصاً فيما يخصّ النوم القسري، كما جذبهم الطابع الثوري الإجتماعي للسرياليين لكن سرعان ما بدؤوا بالانزواء عن السرياليين لأن أعضاء اللعبة الكبرى أخذوا منحى يتسم بالميتافيزيقا التجريبية على عكس السرياليين وأخذت حركة اللعبة الكبرى ترحب بالمستبعدين والمعارضين للحركة السريالية الذين ينتقدون الحكم الذي وصفوه بالاستبدادي لأندريه بريتون فيما يخص رؤاه عن الكتابة الآلية واكتشاف اللاوعي عن طريق التحليل النفسي، وفي عام 1928 ظهر العدد الأول من مجلة اللعبة الكبيرة وجاءت مقدمة العدد الأول كالتالي:

(اللعبة الكبرى لا يمكن إصلاحها؛ لعبت فقط مرة واحدة. نريد أن نلعبها في كل لحظة من حياتنا).
“روجر جيلبرت ليكومت”

اللعبة الكبيرة ، مقدمة العدد الأول. يونيو 1928

وبعد إصدار العدد الأول من اللعبة الكبرى دخلت المجموعة في صراعات فكرية وأيديولوجية مع الجماعة السريالية في باريس، إلا أن المجموعة استمر نشاطها وصدر العدد الثاني من مجلة اللعبة الكبرى وينشر رينيه دومال في العدد الثالث من مجلة اللعبة الكبرى رسالة لاذعة لأندريه بريتون نقتطع منها:

(لمرة واحدة، أمامك رجال لا تتجاهلك بعيدًا عنك وتنتقدك مرارًا وتكرارًا، أندريه بريتون سيظهر لاحقًا في الكتب المدرسية للتاريخ الأدبي، بينما نحن إذا كنا نريد بعض الشرف، فسيكون ذلك نقشًا للأجيال القادمة في تاريخ الكوارث).

لقد كانت حركة  اللعبة الكبرى قريبة من الماركسية بغض النظر عن أطروحاتهم فيما يخص الميتافيزيقا، لكنهم أتفقوا مع الشيوعيين  على ضرورة  تدمير النظام الاقتصادي القائم وإقامة نظام غير طبقي، ولكن أعضاء الحركة لا ينضمون للحزب الشيوعي الفرنسي بل يضعون أنفسهم من بين أعداءه الواضحين لقد اعتبروا أن أي مثقف قريب من الحزب ما هو إلا رجل شرطة مقنع.

ولد رينيه دومال 16 مارس 1908 في جبال آردن في فرنسا. كان رينيه مقربًا من جده، الذي كان لديه اهتمام قوي بالصوفية الروحية وكان مربي نحل. عندما كان رينيه أصغر سناً انتقلت عائلته عدة مرات. عندما كان عمره 13 عامًا، دخل المدرسة في ريمس، حيث التقى بروجر جيلبرت ليكومت، وروجر فيلاند وروبرت ميراط، الذين سيصبحون أصدقاء له في المستقبل.
كان رينيه ذكيًا وقارئاً نهماً، ولديه حساسية نفسية عالية وروح دعابة نشطة.. عندما كان رينيه في الثامنة عشر من عمره، كان يحلم بامرأة يحبها تمامًا ولم يكن يعرفها بعد. بعد هذا الحلم، لم يكن لديه أي علاقة مع أي امرأة حتى التقى فيرا ميلانوفا، المرأة التي التقاها في حلمه.

قام رينيه دومال بأبحاث مكثفة عن البوذية والهندوسية. وأتقن اللغة السنسكريتية  وقام  بترجمة عدد من النصوص السنسكريتية المهمة إلى الفرنسية لأول مرة. وبسبب استنشاقه لرابع كلوريد الكربون سيطرت على رأسه فكرة الموت والعالم الآخر وكان دائماً يتحدث عن أكثر الغرائب ​​العلمية غموضاً فيقول: (أي ذكرى للموت، عن طريق حث الإنسان على تصور غيابه الخاص، تقوده إلى العبثية.)، ويكتب أيضاً: (إذا وصلت إلى طريق مسدود أو إلى مكان خطير، تذكر أن المسار الذي تركته قد يؤدي بالناس إلى مجيئهم بعد المتاعب. لذا، عد على طول الطريق وقم بمسح أي آثار تركتها…. كن مستعدًا للرد على إخوانك من الرجال بحثًا عن المسار الذي تتركه خلفك). ويكتب أيضاً: (لا يزال غير كافٍ أن يكون للغة الوضوح والمحتوى.. يجب أن يكون لها أيضًا هدف وضرورة. بخلاف اللغة، ننزلق إلى الثرثرة، ومن الثرثرة إلى الثرثرة ومن الثرثرة إلى الفوضى.)

ويقول أيضاً:

(في التقليد الأسطوري، الجبل هو الرابطة بين الأرض والسماء. تصل قمته المنعزلة إلى دائرة الأبدية، وتنتشر قاعدته في سفوح متعددة في عوالم البشر. إنها الطريقة التي يمكن للإنسان من خلالها أن يرفع نفسه إلى الإلهية والتي بواسطتها يستطيع الإلهي أن يكشف عن نفسه للإنسان)

قصائد ونصوص واقتباسات  لـ: رينيه دومال

 

للفن وجه مزدوج، في التعبير والوهم، تماماً مثل العلم له وجه مزدوج: حقيقة الخطأ وشبح الحقيقة.

*****

الحقيقة واحدة، ولكن الخطأ ينتشر. يتعقبها الإنسان ويقسمها إلى قطع صغيرة على أمل تحويلها إلى حبوب الحقيقة. لكن الذرة النهائية ستكون دائمًا خطأ، خطأ في الحساب.

_في كذبة الحقيقة _
١٩٣٨

 

اعتاد الساحر أن يسلي جمهوره بحيله الصغيرة التالية.

بعد أن هويت الغرفة جيدا وتم إغلاق النوافذ، سوف يميل على طاولة خشب الماهوجاني

ويتهجى بعناية كلمة (ذبابة)

وعلى الفور تهرول ذبابة حول منتصف الطاولة. حيث تختبر لمعانها بخرطومها الضئيل وتفرك ساقيها الأماميتان في بعضهما مثل أي ذبابة طبيعية.

ثم مرة أخرى سيميل الساحر فوق الطاولة

ومرة أخرى تهجى كلمة (ذبابة)

وستسقط الحشرة على ظهرها كما لو كانت مدقوقة ببرق.

حيث النظر للجثة عبر عدسة مكبرة يمكن للمرء أن يرى هيكل جثة جافة وفارغة، لا أحشاء لا حياة لا ضوء في عيون الأوجه.

ثم سينظر الساحر إلى ضيوفه بابتسامة خجولة، يفتش عن المجاملة التي تدفع له كالعادة.

لقد اعتقدت دائماً أن هذه خدعة مثيرة للشفقة.

إلى أين أدى هذا؟

في البداية لم يكن هناك شيء

وفي النهاية كانت هناك جثة الذبابة.

مع كل هذا التطور مازال على المرء أن يتخلص من الجثث،

وعلى الرغم من وجود سيدة معتقة معجبة بالساحر الذي جمع الجثث عندما تمكنت من حملها دون أن يلاحظها أحد.

لقد نفى تلك القاعدة التي تقول: حين يكون هناك اثنين يجب أن يكون هناك ثلاثة.

توقَّع أحدهم القول الثالث لكلمة ذبابة مما سيجعل جثة الذبابة تختفي دون أثر.

وعلى هذا النحو كانت الأمور ستؤول في النهاية كما كانت في البداية باستثناء ذكرياتنا المبعثرة بدرجة كافية دون كل هذا.

يجب أن أضيف ذلك أنه كان ساحراً اعتيادياً مفلساً. بعدما جرَّب يده في الشعر والفلسفة دون حظٍّ كثير حول طموحاته إلى فن العجائب وحتى هناك لم يصل إلى نقطة الصفر.

*************

سأكتب قصيدةً عن الحرب. ربما لن تكون قصيدةً حقيقية، لكنها ستكون حول حرب حقيقية.
لن تكون قصيدة حقيقية، لأنه إذا كان الشاعر الحقيقي هنا، وإذا كانت الأخبار قد انتشرت في الحشد فسوف يسقط صمت كبير؛ في النظرة الأولى، ينتفخ صمتٌ كثيف، صمتٌ كبير مع ألف صاعقة.

************

(هذه الأشباح تسرقني من كل شيء. وبعد القيام بذلك، من السهل عليهم أن يجعلوني أشعر بالأسف تجاههم: “نحن نحميك، ونعبر عنك، ونستفيد أكثر منك، وتريد أن تقتلنا! لكنك تدمر نفسك عندما توبخنا، عندما تضربنا بقسوة على أنوفنا الحساسة).

***********

في هذا الصمت الكبير الذي تحجبه صرخات المعارك، المخفية من الخارج بسبب سراب الزمن الهارب، يستمع الفاتح الأبدي إلى أصوات الصمت الآخر. بمفرده، بعد أن تغلب على الوهم بعدم وجوده وحده، لم يعد الشخص الوحيد الذي يكون وحده.

**************

ثورة الصيف

 

الشمس مفرطة الحرارة

يركض الرجال لشراء المناديل

لكن ليس ليمسحوا حواجبهم

الملاذ الأخير: الخسوف وألعاب السماء البهلوانية

يأخذ الرجل دوره الكوني على محمل الجدّ

************

الحاسب الآلي

الصمت يتفاقم لفقدان صديق

لهيب الشمع

يتجمد في زهور بيضاء

أشير إلى نفسي في المرآة

الأدرلج فتحت نفسها حين تنفس الصباح

انزلقت الشمس المسطَّحة في قبضة يدي

توقفت وأجريت بعض الحسابات الغبية

دخلت امرأة بعيون عاجيَّةٍ بيضاء

حملت ذراعيها وابتسمت

حيث يجب أن يعلّق في أسنانها قطع من الجلد الأحمر.