Kurdî
شعر

قمرٌ على البراري – عاطف عبد العزيز

30 أغسطس, 2018 - 545 مشاهدات
اللوحة للفنَّان التشكيلي: أكرم زافى - سوريا

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

عاطف عبد العزيز – مصر

 

كَأيِّ شَرِيدٍ رَاجِعٍ مِنَ المَنَافِي، جَلَسْتُ

أُقلِّبُ الشَّايَ بِإصْبَعِي،

وأنَا

أستَرِقُ النَّظَرَ إلَى سِيقانٍ تَمُرُّ

إلَى جِوارِي.

«أنَا الشَّاعِرُ جِئْتُ»

كادَتْ تُفلِتُ مِن شَفَتَيَّ العِبَارةُ،

لولا

أنَّ النِّيلَ فِي اللَّيلِ شَرَّدَنِي،

وباعَدَ بَينِي وبَينَ لِسَاني.

هَكَذا،

أسلَمْتُ رُوحِي إلَى الجَوِّ الذِي صَفَا

فَجأةً،

وأنَا أُرَبِّتُ أكتَافَ مَن خَانُونِي.

المَسَاكِينُ كانُوا مُنهَمِكِين فِي رَدْمِ بِئرٍ

حَفَرَتْها الأيَّامُ بَينَنا،

فَقَضَوْا مَسَاءَهم يُراكِمُونَ أمَامِيَ

أسبابًا

فوقَ أسبَاب.

المُصَادَفَةُ وَحدَها،

هِيَ ما أعَانَنِي علَى إدرَاكِ حَقِيقَتِي،

فَنَجَوْتُ

قَبْلَ فَوْتِ الأوَان.

المُصَادَفةُ وَحدَها علَّمتْنِي أنَّ ضَعفِي

مَكْمَنُ قُوَّتِي،

وأنَّ النَّقِيضَ

لا يُحدِّدُهُ إلا نَقِيض.

فما الذِي يَجعَلُنِي أتَذَكَّرُ أفلاطُونَ الآن؟!

قلَّبْتُ الأمْرَ طَوِيلًا

ولم أهْتَدِ.

فقَطْ وَجَدتُنِي مُشْفِقًا علَى الرَّجُلِ،

وغَبَاوَتِهِ الإغرِيقِيَّةِ الخَالِصَةِ التِي طَالَما

أورَدَتْهُ المَهَالِك.

تَسَاءلْتُ، كَيفَ لِمِثلِهِ أن يَسْتَسْلمَ

لِوَسْوَاسِ العَقلِ،

علَى هَذا النَّحْوِ المُذِلّ!

وأينَ راحَتْ حَصَافَتُهُ، وهوَ يَطرُدُ المُرَاهِقَ النَّاحِلَ

غَرِيبَ الأطوَارِ

خَارِجَ البوَّابَةِ العَالِيَة!

كيفَ أطاعَهُ قَلبُهُ لِيُنكِّلَ بالشَّعْرِ،

الفَتَى المُسَالِمِ الذِي قَضَى عُمرَهُ يَتَسَكَّعُ

فِي الأسْوَاقِ خَلفَ الغَجَر،

رافِعًا

عَقِيرَتَه بالأغَانِي!

ها أنَا الآن،

لا أجِدُ صُعُوبَةً فِي مَنْعِ نَفْسِي

عَنِ اعتِلاءِ الطَّاوِلَة،

والهُتافِ مُجَدَّدًا:

«أنا الشَّاعِرُ جِئتُ»،

أيُّ صُعُوبةٍ والصَّمْتُ قد صَارَ حَلِيفِي

الذِي يَجلِبُ إليَّ جُثَثَ أعْدَائِي

واحِدًا

بَعْدَ واحِدٍ،

لِتَستَقِرَّ كُلُّهاَ عِندَ قَدَمَيَّ

وأنا كَمَا أنا:

مَحْضُ جَالِسٍ علَى حافةِ نَهرٍ،

أتأمَّلُ

صَفْصَافَةً علَى مَاء،

وأسترِقُ النَّظَرَ إلَى سِيقَانٍ تَمُرُّ إلَى جِوَارِي.

أيُّ صُعُوبةٍ!

والصَمتُ بَاتَ حِصَانَ طروادةَ الذِي يَجِيؤنِي

تَحتَ سَطْوةِ الَّليل

فَارِدًا جَنَاحَيْهِ،

ليحمِلَني وقتَما أُحِبُّ

إلَى

حَيْثُ أُحبّ.

أنا الشَّاعِرُ جِئتُ،

أنا من تَنَامَتْ ضَغِينتُهُ فِي البَرَارِي بَعِيدًا

عَن أعْيُنِ الحَرَسِ،

أنا طَرِيدُ المَدِينةِ الفَاضِلة،

خَليلُ القَمَرِ،

الكَائِنُ الوَحْشِيُّ الذِي اقتَاتَ علَى جِيَفٍ

خلَّفتْها حُرُوبُ النَبالةِ

ودسَائِسُ العُرُوش،

ثُمَّ رَوَّى غُلَّتَهُ مِنَ الدُّمُوعِ المَالِحَة.

أنا الليليُّ الواحِدُ الذِي اختَارَ

أن يُقلِّبَ الشَّايَ بإصبَعِهِ علَى حَافَةِ النَّهْرِ

مُسْتَسْلِمًا

لِفَصَاحَةِ السُّكُوت.

وهاهم أعْدَائِيَ الجُبَنَاءُ

سَبَقُونِي إلَى المَوْتِ كي يَحرِمُونِي

من ثَارَاتِي،

ونَبِيذِها المُعَتَّقِ،

سَبَقُونِي،

بُغْيَةَ أن ألقَى حَتْفِيَ مِنَ الكَمَد،

وما مِن سَبِيلٍ أمَامِيَ الآنَ،

غَير أن أكنِسَ عِظَامَهم من فَوقِ القِلاعِ

تلكَ التِي كَانُوا يَنتَظَرُونَ فِي فَجَواتِها،

حَامِلِينَ

مِن أجلِيَ النِبَال.

أمَّا عِظَامُ أفلاطون،

خَصْمِي

ووَلِيِّ نِعْمَتِي،

الرَّجُلِ الذِي أيقَنتُ مُؤخَّرًا بِأنَّهُ لم يَمُتْ

إلَّا مِن قِلَّةِ النَّومِ،

فسوفَ أجمَعُها فِي لُفَافَةٍ مِن القَزِّ،

وأجعَلُها وِسَادةً،

لِئَلَّا أكَرِّرَ أخطَاءَ غَيْري،

أو أصبِحَ فِي مُقتَبلِ الأيَّامِ

عُرْضَةً للكَوَابِيس.

نَعمْ سَأجعَلُها وِسَادَةً،

لتبقَى ضَغِينَةُ عَدُوِّي نَائِمَةً أمَامِي هُنا

تَمَامًا

تَحْتَ نَاظِرَيّْ.

 

مقالات ذات صلة

اللوحة لـ محسن البلاسي
تامر الهلالي

تامر الهلالي

02, يونيو, 2019

الحب كلمة مبتذلة – تامر الهلالي

جفاف أمطاري وحقولي
الفشل في استسقاء السماء وفي العثور

المزيد