Kurdî
شعر

في الوقت بين سيجارتيْن – فوزي يمين

20 أبريل, 2019 - 1179 مشاهدات
من كائنات: "فخري رطروط"
من كائنات: "فخري رطروط"

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

فوزي يمين

في الوقت بين سيجارتين،
يمرّ الوقت بسرعة كسيجارة تشتعل في البرد.

في الوقت بين سيجارتين،
أفتح الشبّاك قليلاً ليخرج الدّخان فتدخل غيمة كبيرة كدَخنة سيجار.

في الوقت بين سيجارتين،
أسعل وأسعل وأسأل: ما هذه السعلة؟ فأذهب إلى الطبيب فيخبرني أنّ عليّ أن أوقف التدخين، فأقول له: لا أستطيع، فيقول لي: عليك إذاً أن توقف السّعلة.

في الوقت بين سيجارتين،
أقع في حبّ امرأة عابرة يبدو أنّها تركت حبيبها الآن
لأنّ نسمة من لهاثه لا تزال تلهو في ظلّ شَعرها
لأنّ خيطاً من دخان سيجارته لا يزال واقفاً على كتفها.

في الوقت بين سيجارتين،
أضجر كثيراً فأشعل سيجارة.

في الوقت بين سيجارتين،
يمرّ نهار ويمرّ ليل، والنّهار سيجارة مشتعلة والليل سيجارة مُطفأة.

في الوقت بين سيجارتين،
أخرج من البيت، وكي لا أضيع في العودة أرمي أعقاب سجائري ورائي على الطريق، لكنّي لا أعود.

في الوقت بين سيجارتين،
أغطّ في نوم قصير، فأحلم: ليلٌ، ما من ضوء، العتمة كثيفة، بالكاد أرى، لا أرى، فأشعل سيجارة وأستهدي بجمرتها.

في الوقت بين سيجارتين،
أتذكّر وجه صديق يدخّن وهو يتذكّرني.

في الوقت بين سيجارتين،
أحاول ترتيب حياة نظيفة خالية من النيكوتين، غير أنّي لا أنجح. غداً عندما لا أعود هنا، عندما أندثر كدخان سيجارة، سيأتي غيري طبعاً، الكثير غيري، وسيحاولون مثلي ترتيب حياتهم أيضاً. أتمنّى من كلّ قلبي أن ينجحوا.

في الوقت بين سيجارتين،
أنهض عن كنبتي لأنظّف المنفضة فأرى أعقاب السجائر فيها جثثاً هامدة. حزناً عليها، أشعل سيجارة.

في الوقت بين سيجارتين،
أحاول فعلاً أن أكتب،
“كي تكتب عليك أن تجلس وتنتظر الكلمات لتأتي فتجدك” قال لي عمّي ذات يوم،
غير أنّي لم أعرف أن أجلس مرّة لأكتب،
لذا كلّما جاءت الكلمات ولم تجدني عادت من حيث أتت، فكتبتُ عن غيابها، وعن آثار قدميها في خاصرة البيت، وعن بخار يديها على الزجاج، هذا البخار كأنّه حين جاءت ولم تجدني دخّنتْ سيجارة ورحلتْ.

في الوقت بين سيجارتين،
أنظر من شقّ الدّخان فأرى- وأنا في العقد الخامس من عمري:
خراباً لا عمر له،
رمالاً تغور في الرّمال،
مُدُناً تصنع حتفها بيدها كإبريق من الفخّار،
صرخات ترفرف في الغيوم كسرب من الملائكة،
قتلى مرميّين في البحر كموز مرفوض،
أرى، لا أرى، دخان سيجارتي يغزّ عيني.

في الوقت بين سيجارتين،
يصحو الطقس فتبسط الشمس قامتها على البحر، فأذهب لأسبح، وها يدي الغارقة في الماء تحاول أن تنتشل يدي الأخرى الغارقة في الدّخان.

في الوقت بين سيجارتين،
أتأمّل عمري يحترق ببرودة، وما زلتُ أُشعل بشهيّة، وأنفخ بعصبيّة، وأُطفىء بكراهيّة. سنوات من الرّماد الطويل أرقبها من على حافّة المنفضة وأنزل لألتقط نثارها فأجدها معلّقة في السّقف،
لا العمر يعود ليشتعل ولا القلق لينطفىء،
والتسبيح للتّبغ دائماً وعلى الأرض الدّخان!
*
من ديوان جديد يصدر قريباً بعنوان: “في الوقت بين سيجارتين”

مقالات ذات صلة