Kurdî
سرد

“مثلث دام” لإدريس المسناوي – مركزية الانسان من الكتابة بالذات إلى الكتابة بالمستقبل- محمد شيكي

05 يونيو, 2020 - 759 مشاهدات
العمل الفني لمحسن البلاسي
العمل الفني لمحسن البلاسي

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

  أن تلج عالم الكتابة عند ادريس المسناوي، ليس أمرا هينا، بالنظر إلى غزارة ما أنتجه هذا الزجال الذي تدرج في أسلاك القصيدة الزجلية ما يربو على خمسة عقود حافلة بالعطاء. إن السمات التي تحيط بعوالمه ، هي نفس السمات التي تميز اختياراته الإبداعية وتجعلها فريدة ومغايرة ،مقارنة بما يحفل به المشهد الزجلي ببلادنا من إنتاج. إنه يمتح خصوصيتها من سؤال الحداثة والوجود والمعنى. إذ لا تفتأ إصداراته العديدة المتواترة بلا انقطاع[1]،تعانق إشكالات وجودية عميقة تشغل بال هذا المبدع القلق الذي نذر حياته كلها للبحث عن المعنى ” المطلق”  للوجود والعالم. لأجل ذلك لا يدخر جهدا لينحت المفاهيم تلو أخرى متوسلا بها للتعبير عن عمق الايمان بهذه الرغبة الرهيبة التي تسكنه كما تسكن الروحُ في الجسد. فلا يتوقف عن هندسة رؤاه وفقا لحجم انشغاله بالبحث عن علاقة الإنسان بالكون، مستندا على ما حققه فلاسفة ومنظرون ومفكرون وفنانون ركبوا سفن زمانهم فتأملوا ونَظَّرُوا وكتبوا ودونوا، لكن المسناوي يبدو مؤمنا إلى حد بعيد بأن خلاصات أسئلتهم لا تمثل سوى بداية لرحلة شك جديد يقوم على طرق أبواب الوجود بحثا عن المعنى المطلق.  وهذا ما يفسر حقيقة العلاقة التي تربط المسناوي بالزجل وبقصيدته تحديدا. فالمتتبع لهذه العلاقة في مسيرة الشاعر خلال هذه التجربة  الطويلة ، يقف على حقيقة مفادها أن الكتابة لا تصدر منه إلا عن تصور شامل ومشروع كامل الخصائص والبنيان. لأن كتاباته ليست مجرد أضغات عابرة أو وثبات تنزع نحو مجرد التعبير عن الذات فحسب وإنما هي سفرا دائم لا ينتهي داخل ذاته وخارجها؛ لذلك لا يتردد في تطويع أزجاله وإخضاعها لحرارة هذا الهاجس الذي يكتوي بناره. وتحميلها طاقات تأملية هائلة مؤمنا بأن لغة المحكي اليومي هي الأقدر على التعبير عن نموذجه الإبداعي المنشود Paradigm. . لكن اللافت في كتابات المسناوي هو عدم اقتصارها على النموذج الشعري /الزجلي، إنها تتوسل أيضا بالإبحار في عوالم التنظير ومقامات الحكمة بعيدا عما تفتضيه القصيدة من تكثيف واختزال وانتقاء للمعجم والمفردات وتدبيج للصور والاشارات والعلامات، ليكتب قريبا من النثر واصفا ومحللا ومحلقا ومتسائلا ومقدما لمشروعه الفسيح. وكأنه يُنَظِّرُ لإبداعه ويفتح أمام قراء كتبه النظرية مسارب الفُهُوم التي تستشكل عليهم في نصوصه الزجلية.  ينطبق ذلك على كتابه كنأش 4. الذي يضم ثلاثة فصول تمتد على 380 صفحة كاملة، وقد خص الدكتور محمد بوستة الفصلين الاولين بالدراسة والتقديم وقف فيه على ثنائية الابداع والإنسانية في كتابات المسناوي خلص من خلالهما إلى أن غاية المسناوي من هذا الكتاب هو إرساء عين الناقد الشغوف بالمستقبل إنه يهدف إلى ” بستنة الحياة الإبداعية والإنسانية في هذا الوجود…ويستمد أدواته من الثقافة والمعرفة والفنون والآداب والأساطير والتاريخ والثرات ويسترشد بالفكر لأن الفكر في الابداع مثل العطر في الورد “[2].

أود عطفا على ما جاء به الدكتور محمد بوستة أن استكمل التأمل في الفصل الثالث والأخيرمن هذا الكتاب النقدي لإدريس المسناوي، الذي وسمه بعنوان: ب مثلث دام.  لعل الصورة تكسف عن هذا القلق الذي يسكن فكر الشاعر ووجدانه ،بما يُمَكِّنُ من  البحث عن الاتساق الممكن في هذا التعالق الشعري والنظري في عوالم المسناوي. وكما أقر الدكتور بوسته في موضع سابق من مقدمته للجزأين الأولين من الكتاب، يجب الإقرار بحجم الصعوبة التي يجدها القارئ في اختراق بساتين المسناوي الإبداعية منها والفكرية النظرية. [3] نظرا لتمردها على الأنماط المألوفة واستعصائها على استعمال منهج بحث بعينه لأن ” بساتين” كتاباته النظرية تتابي بدورها على أي منهج مجدد، لعل مرد ذلك في اعتقادنا راجع الى طبيعة الشاعر الذي يسكن روح المسناوي. لأنه – مهما حاول أن ينزاح عن شاعريته لصالح النظر النقدي -يبقى شاعرا في لغته وتراكيبه وانفعالاته. لذلك نسارع إلى القول إن مقاربتنا ل: مثلث دام. في حل من أي قيد منهجي صارم وسيبقى الانصات إلى تداعيات المسناوي النظرية هو السبيل إلى محاولة التقاط إشاراته وعلاماته بحثا عن الصدى ومحاولة للقبض عليه.

لكننا قبل ذلك نود التأكيد على أن الشاعر واع بمشروعه، ماض الى هدفه بإصرار «آش غ يمنعني ندخل وبلا تعطال ف جناتي بسبعة نلقى قلبي وكبدتي وراسي معهم عقلي وبصيرتي؟ آش يمنعني نكون حامل مشروع إبداعي إنساني مشروع حضاري عقلاني ينشر الضو ف مساري، يزرع الأمل ف رؤيتي يزيدني طموح نحقق احلامي الكبرى ويزيدني إرادة البقاء ف ” تشريف الحياة حتى الموت”[4].   بل إنه أكد على انخراطه في مشروعه وأفرد لذلك مدخلا كاملا ضمن مداخل هذا الكتاب.  هذا الوعي الواضح يسمح لنا أن نتقصاه في مثلث دام من خلال ثلاثة مداخل نحسبها تفي بغرض الاقتراب من تشكلات المعنى داخل فضاء المثلث وخارجه.

ينحت المسناوي في هذا الجزء الأخير من كتابه كما في الجزأين السابقين مجموعة من المفاهيم، مرتديا جبة الفيلسوف، وينحو بمفاهيمه وجهة الفحص والتدقيق والاستقراء، ليقنع القارئ بصواب دلالاتها حتى يضمن شرعية توظيفها للكشف عن تصوره لأنه بواسطتها سيقرأ الوجود ليعبر عن تمثلاثه الخاصة ورؤاه التي بها يخترق ألغاز العالم. ومن أهم هذه المفاهيم مفهوم:” مثلث دام”. وحري بنا أن نلاحظ نزوعه إلى توظيفه وفقا لمنطق لغوي صارم يمنح اللفظة شحنتها الدلالية بحيث تصير علامة بارزة يتأسس المعنى على أساسها ينشأ من الجدل القائم بين اتحاد العلامة اللغوية بدلالتها الرمزية من جهة وبين الفهم الذي ينشأ بعد ذلك لدى المتلقي وفقا لما يذهب اليه إيزر في معرض حديثه عن آليات إنتاج المعنى[5]. وينتقل المسناوي من دلالة المثلث  بماهو ( أحد الأشكال الأساسية في الهندسة، وهو شكل ثنائي الأبعاد مكون من ثلاثة رؤوس تصل بينها ثلاثة أضلاع، ) إلى الدلالة الرمزية التي يضفيها عليه، بحيث يجعل منه علامة إشارية ترمز أضلاعه الثلاثة  إلى القدرة والحكمة والطموح . على اعتبار أن هذا الثالوث القيمي يجسد هيكل المشروع الحداثي الذي يحلم به المسناوي. إنه على حد قوله هرم موجه نحو السماء، نحوالعقل العالي وهو بالضرورة عقل الانسان وروحه الملآى بالرغبة في حياة أفضل فكرا وجنوحا نحو امتلاك آيات التطور والحداثة: ” المثلث تا يجمع المادة والنفس، تا يجمع العقل والجسد والروح[6].   إنه مثلث دام الذي يشاء له المسناوي أن يرمز الى (الاستقرار الذاتي وللطموح العقلي وللتطلع الذهني، وللتفتح  النفسي، والنجاح الروحي أي للتقدم الحضري، والتطور التنموي، والارتقاء بمفهومه العام....) [7].واضعا  كل رهاناته فوق قمة هذا المثلت الذي ينبغي المرور إليه عبر صهوة القصيدة المتمردة ، العميقة، العالِمة النابضة بالحلم وبالذكاء. وبقدرما يحتاج القارئ من الجهد الفكري الشيء الكثير ليفك الأغلال الرمزية من أجل امتلاك المعنى، بقدرما يحتاج كذلك إلى قدرة كبيرة على التأني والصبر وعدم الاستعجال لمطاردة الدلالة والقبض على احتمالاتها الممكنة وتفكيك الإشارات المشفرة على كثرتها وتنوعها. وتكاثاف المفاهيم وتعددها. وأمام هذا الوضع الذي يحرص فيه المسناوي على السفر داخل مثلثه وخارجه، فتتوارد السياقات مندفعة كشلال منهمر، لا نملك إلا أن نغامر في مقاربتنا لرحلته عبر مثلث دام بالتركيز على ثلاثة مداخل كبرى، نحسب أنها العمود الفقري والخيط الناظم لمشروعه النقدي الإبداعي وتتحدد هذه المداخل في ثلاثة عناوين كبرى: (مركزية الانسان/الكتابة بالمستقبل / الكتابة بالذات/). على أساسها يبني المسناوي هيكل مثلث دام. يمكن ترسيمها في الخطاطة التالية حسب ما انتهى اليه فهمنا للتصور الذي يدافع عنه الشاعر في هذا الجزء كتابه:

انطلاقا من إيحاءات هذا الرسم المثلثي سنبني قراءتنا في سياق فهم انطباعي يروم كشف الغطاء عن مقصد الدلالات وأبعادها. وعن العلاقات الممكنة بين أضلاع مثلت دام الثلاث (الانسان والكتابة بالمستقبل ثم الكتابة بالذات):

  1. مركزية الانسان

تترابط هذه العناصر الثلاثة فيما بينها، ارتباطا لا ينتهي الا بنهاية الانسان والتاريخ ما دام الانسان هو مركز التاريخ ،يصنعه بذاته وروحه وجسده ليرسم معالم صورة قادمة لوضع جديد آتٍ يحلم فيه بوضع أفضل.  بهذا المعنى يكون كل فرد جزء من تاريخ حضارة ما أو ثقافة ما، وهذا يجعل فكره وحُريته واستقلاله ضمن شروط محددة دائما، وبما أن مركزية الإنسان تصدر عن وعي حي وحُر وفاعل، فإنها لا تتحقق بالفعل إلا حيثما يتحقق الوعي والحرية. وفي غيابهما يتعذر أي حديث عن مركزية الإنسان بل لن يكون هُناك إنسان بمعنى الكائن المستقل الحالم والحر.  وقد أدرك المسناوي أهمية هذه البُعْد داخل مثلثه / الرمز. واعتبر أن لا جدوى لدلالته دون هذا الضلع الأساس، وبدونه لا تستوي الاضلاع الأخرى (مثلث دام تا يرمز للإنسان العالي القادر).  (داخل هذ المثلث تولد دام/داخل هذ المثلث اكتشف الحرف/ داخل هذ المثلث سكن مع اللغة/ داخل هذ المثلث عاش تأملات وعاش مخاض مع الأسئلة الصعيبة ….). [1]  ويحق لنا أن نتساءل عن هذا الهوس العجيب المفعم بالحمولات الهندسية، تلك التي ظل المسناوي مشدودا إليها معتمدا عليها لبناء تمثلاته الوجودية وتفسيراته لفهمه الخاص لغاية الوجود الإنساني.  ما غاية الانسان اليوم وقد غدا يعيش في الألفية الثالثة؟. يبدو أن هوس المسناوي بالهندسة الفضائية وكوسموسه العجيب هو في اعتقاده الطريق الى الخلاص من كل شر وسبيل للارتقاء بالإنسان إلى حيث يصير الانسان هو نفسه وهو الغاية في ذاته لا شيء قبله ولا بعده. إنه الحلم الدي عبر عنه كانط حين تأمل كغيره من الفلاسفة، موضوع الانسان ومصيره، محاولا بلورة أنثروبولوجيا فلسفيَّة جديدة، تستند إلى أدوات نقديَّة تساهم في بلورة مفهوم الانسان المنشود.  فحرصت الأنثروبولوجيا الكانطيَّة على تحديد المقوّمات الجوهريَّة لإنسان الأنوار الذي وثِق كانط في قدراته وآمن بفاعليّته، وحاول أن يساهم في تحرير تفكيره من القوالب المعرفيَّة السائدة والأنماط الفكريَّة المسيطرة.  مما شكَّل لحظة فاصلة في تأسيس السؤال النقدي، عن الانسان كسؤال مركزي.  ويمكن أن نلاحظ حضور هذا البعد الأنثروبولوجي لدى المسناوي الواثق في عقل الانسان وقدراته؛ لذلك راح ينحت لنفسه أدوات ومفاهيم، تؤطر مجال اشتغاله النظري، يتملكه الهوس بالفضاء وبالتعالي المكاني والزماني، حتى إن الأرض لم تعد تسع أحلامه وضاقت بما رحبت به من مظاهر الشر والتدني في المعرفة والابداع: ” كوكب الأرض حكاية قديمة، هي الدار اللي حنا فيها ولازم نتفكومنها. الكتابة المتمردة وحدها تستطيع أن تسمو بالإنسان الى حيث تجدر به إنسانيته.  والكتابة هي التي ستعلو به إلى المجرات العليا، وإلى الفضاء الشعري الرحب. إنها مركبة للسفر نحو قمة المثلث ،وكأن الإنسان المنشود هو الذي تتشكل كيمياؤه من داخل مخاضات المثلث (دام) الممتلئ بالمعرفة. إن امتلاك الوعي بالوجود معناه التفكير في تجاوز حدود العقل الى الحدوس المثلى بوصفها ميتافيزيقيا العقل في أسمى تجلياته، وتتجه به نحو المطلق؛ ( العقل الخالص المفكر المتسلح بالعلم والمعرفة ) ليغزو بها الكوسموس ويملأه بالرغبة في تحويل معاني الوجود القديم إلى وجود جديد يخرج بالإنسان من دوائر القوة الى دوائر الفعل. فلا يمكن امتلاك هذا الوجود المنشود بمعزل عن هذه المعرفة، ” العلوم الحديثة وما تتحققه من إنجازات مذهلة تا يدفعوه للتفاؤل من أن أنواع الأفراح وعظائم المعجزات جابيين وغ يغمروا قريبا مجرتنا وغ يتصرو الانسان ع المستقبل، هكذا تايمد خيالو لا وحواسو للفضاء، يمده بدوروه بالزاد المعجمي والمعرفي اللي محتاج له سفره الشعري، زاد مخيلته وحواسو بصور الحلم والجمال…”  [2]

إن الوعي والمعرفة هما جوهر الذات الإنسانية، ولا بديل عن ذلك مهما تطورت التكنولوجيات الحديثة، فجهاز الكومبيوتر مثلا، يحمل كل المعرفة التي أنتجها البشر. ولكن مهما أوتيَ هذا الكمبيوتر من ذكاء اصطناعي، لا يمكنه أن يكون شيئا واعيا. وإذا كان وجود المعرفة كوجودها في الكمبيوتر، فإنها تكون شيئا منفصلا عن الوعي لن تؤدي في هذه الحالة الى ما يُراد لها، بقدر ما تؤدي إلى طمس الذات و. لكنها إذا كانت لصيقة بالذات مُشَكٍّلة لها ومُقترنة بالوعي فإنها تقود حينئد إلى تحقيق مركزية الانسان باعتباره أصل كل خلق ومصدر أي إبداع بشري.

  1. الكتابة بالذات والمستقبل:

يبني المسناوي منطق الزحف بالرؤية الشعرية نحو الجهة الأخرى من العالم، جهة المجرات وعوالم الكوسموس ،على مفهومه للكتابة ؛المفهوم الذي ينبغي له أن يتناسب مع نزوع الشاعر الى الحداثة والتحديث، فالكتابة بالنسبة إليه سبيل الى الإحاطة بالعالم والسيطرة على ألغازه. لكن عن أي كتابة يراهن المسناوي داخل مثلثه؟ وما العلاقة التي ينسجها بين الكتابة والانسان باعتباره الكائن المركزي القابض على أسباب التطور والحداثة؟

الكتابة في لُبِّها وجوهرها -شَكْل من أشكال التعبير عن النفس والذات، بما تميل إليه وتستسيغُه، أومأ ترفضُه وتزدريه، وترسُم غايتها الخاصة التي تخدِم الهدف الأسمى المشترك؛ يعاني منها الكاتب ويشقى ولا تكاد تستقيم له حتى يذوب ويَئِنَّ ويَذوِي، وبما أنها شكل من أشكال البحث عن الذات؛ فإن فعل الكتابة لا يعبر في الحقيقة الا عن لحظة من لحظات محاولة القبض على حالات الذات المختلفة في وضعياتها المتنوعة، إن فعل الكتابة استدعاء لقلق الذات وانشغالها بأسئلتها: (التساؤل عن معنى الوجود؟ عن الحياة؟ عن الفرق بين الحقيقة والخيال؟ عن فَحْوى الواقع ومدلولاته؟ عن السؤال الأكثر قابلية؛ لأن يُردَّد ويُطرَح ويُستَدعى: لماذا نحن هنا؟  وإلى أين نمضي؟ ماذا ينتظرنا إذا؟) وتنفتح الأسئلة على ضفاف الذات ومستقبلها تنقل ما يجيش به نبضها، ولعل هذا النوع من الكتابة لا يقترب منه الا أولياء”الفكر الصالحون” بتعبير المسناوي نفسه، لأن حبرها لا ينكتب الا بالذات والجسد وبالصوت الآتي من عمق المستقبل، هي كتابة بالذات أولا وبالمستقبل ثانيا؛ فكيف تنكتب الذات والمستقبل في (مثلث دام)؟

 2-1: الكتابة بالذات

يقول المسناوي: ” عرفت من غوته شاعرية الانسان وأن المرء ماتايسافرش باش يوصل، ولكن باش يسافر. قلت نزيد نسافرما نوقفش هذا السفر الشعري المتواصل واللامحدود ما تاتنساش تحديات جسدي وخيالي تذكر طموحي أنه بيني وبين قصيدة الأمل ما تتفصلني بيها غير شهوة وجداني …. وهكذا تاتصغار الصعوبات ف عيني وتاتمحي المسافات قدام خطواتي، ف سيرورة ذراتي ومخاض سفري تايفيض اشتياقي لمستقبل كوني جديد، …”[3]

هذا الإقرار الصريح بنوع الكتابة التي ينتصر لها المسناوي، ليست في الحقيقة مقصورة عليه وحده وإنما يشاركه فيها ثلة من أهل الفكر والنظر، وليس ” غوتة” الا واحدا من بين الكثيرين الذين يستحضرهم المسناوي بإصرار دعما لمشروعه في الكتابة وتزكية لتصوره لها.

لا شك أن الكتابة موجعةٌ إلى أبعد مدى؛ لكنها في نفس الوقت مريحةٌ وممتعة، فيها تجد التَّعَب طافيًا على قارِبٍ من سكينة… وفيها تنجلي الحواس والحدوس لتقرأ أسرار الباطن. إن الانسان عالم مبهم ومعقد وشبكة متشعبة من المشاعر والأحاسيس وأرخبيل شاسع من التناقضات. فبالعودة الى الخطاطة التي اقترحناها آنفا للاقتراب من عوالم كتاب: مثلث دام، يمكن أن نسجل ملاحظتين:

 

المثلث صعوداً نحو الأعلى (القمة)
المثلث صعوداً نحو الأعلى (القمة)

 

- المثلث نزول نحو الأدنى ( الباطن)
– المثلث نزول نحو الأدنى (الباطن)

 

وكل منهما مرآة تعكس ظل الأخر، يتحاوران معا داخل فضائهما المشترك، بحيت تصير الكتابة جسرا للتواصل بينها وتصير رغبات الباطن وقودا يحرك مركبة “المثلث” ويدفعها نحوالابداع المتعالي.ويجدربنا  أن نتساءل:هل الكتابة بالذات شيئ ممكن؟

إذا سلمنا مبدئيا بأن الذات هوية مركبة من الأنا كذات واعية والانا كموضوع للمعرفة، فإن الكتابة تبقى وسيطا لتجلية الذات وأوضاعها الملتبسة في أغلب حالات الكتابة؟ على اعتبار أن اللغة التي تنكتب بها هي من صنع الآخرين وبالتالي فهي إرث لا ينبغي التخلي عنه أو تعديله بشكل فردي. وإذا اعتبرنا الذات هوية تتكون باستمرار، فإن صياغة الماضي الثابت للحاضر المتحول يخضع في تفاعلاته ومخاضاته لأحلام الذات الواعية التي لابد أن تعقل نفسها. بحضور اسئلتها العميقة لعل أبرزها سؤال الزمن حيث تنغمس الذات فيه محاولة القبض عليه. إن الزمن لغز محير لا تستطيع الذات أن تكتبه لأنه جارف ومنفلت دوما؛و من الصعب أن تحيط بألغازه إذ تشعر الذات أمامه أنه يهددها بالموت، فلا يمكنها أن تكتبه إلا إذا توسلت بالمجاز والاستعارة. لذلك يقول نتشه «خلق الإنسان الفن كي لا تقتله الحقيقة حقيقة الموت.» والكتابة الإبداعية هنا تقتضي الرمز والقناع والأسطورة والاستيهام والحلم وما شابه ذلك. وقد أورد المسناوي في كتابه: ” مثلث دام ”   الكثير من الإشارات الدالة على هذا المعنى. يقول: “زمن الحاضر ف مثلث دام زمن متجدد زمن ولاد ومتوالد بطاقة متجددة، الحاضر ف مثلث دام تا يصنع الانسان للإنسانية …  ف هذ الصيرورة ديال الزمن غ تسترجع الذات ف علاقتها الحميمية  بالكوسموس الجزء الفضائي الضايع منها، ”

ونتيجة لذلك لا تكون الذات معطى جاهزا يمتلك القدرة على مواجهة تحديات الزمن في صيرورته ومجاراة انقياده الدائم نحو أسرار الفضاء. بحيث تُلقى على عاتق الانسان/ الشاعر مهمة الانكباب المستمر على   تطويع الذات حتى تكون في مستوى التحدي بإصرار المناضل وبرغبة المؤمن باختراق الفضاء الواسع. تأسيسا لأفق جديد ممكن. وهو الفضاء الشعري الذي تتحرك داخله حركة المثلث صعودا نحو القمة ونزولا نحو الباطن. هذا الجدل الصاعد النازل هو المؤشر الدال على الحياة الغنية الملآى بالرغبة في الوجود الحقيقي الحالم «…وهو زايد طالع متمتع بالصعود، علي فرح الارتقاء …شهامة التحدي.تمنشاء الامنصار، كلما بعد على حدتو الأرض دخل زمن آخر وتشبب، وكلما تشبب زاد نشبته بالسرعة ف الصعود، وكلما زاد انبهارو قدام التوسع كبر غرامو بسحر المجرة، وزاد توهجو بمفاتن الكشوفات وهو تيضاعف تحدياتو لتحقيق المحتمل.» ..

هذا الحلم الذي يكتوي المسناوي بناره لا يتحقق من وجهة نظره بغير الكتابة، فهي المركبة التي تشكل أضلاع المثلث وتنحت أبعاده الميتافيزيقية عمقا. وصورة، وعلى الشاعر /الزجال أن يمتطي هذه المركبة بقلبه وفكره وكل جسده. ليعيش عدة حيوات في الحياة الواحدة. الحياة التي يحتويها فضاء الكوسموس الممتد في الأزل..

تكون الذات بهذا المعنى مرجعا لاستدعاء المشاعر والانفعالات “الإيتيقية “بمفهوم سبينوزا ؛ حيث تتجلى ممتدة في غرف الباطن متجولة بين بساتينه وأسراره المضيئة فتخرج منها الكتابة مُسَرْبَلًةً بنور الباطن ومداد الذات.  لتكتب الذاتُ ذاتها وترحل بعيدا في المستقبل.

2-2 الكتابة بالمستقبل

من أصعب الأسئلة التي يواجهها المبدع، هي لمن يكتب؟ وماذا ينبغي عليه أن يكتب وكيف؟ هل يكتب لمجرد التعبير عن هواجسه انطلاقا من حاضره أم أنه يستنطق أحلام المستقبل؟ أليست الكتابة حياة أخرى غير تلك التي يحياها أم أنها كتابة لحيوات أخرى تأتيه بوحي من المستقبل؟ وهل يعني ذلك أن الكتابة تأكيد لاتجاه الذات نحو المستقبل والتفاعل مع الحاضر إبداعا على ضوء التنبؤ؟ ما فتىء سؤال المستقبل يشغل بال الكثير من الدارسين والمهتمين خصوصا أمام هذه الثورة العلمية والتكنولوجية التي يشهدها العالم المعاصر بلا انقطاع مما أثر على حياة الفرد والمجتمع والعالم. وحتى على ما سوف يحدثه هذا التطور من تغير في القيم والثقافات، وفي نظرتنا للوجود.

لم يخرج المسناوي في كتابه، عن هدا السؤال الكبير، بل إنه سعى إلى فحصه بحس المبدع وبهواجس الزجال المسكون بحرقة العمق الفلسفي. فجعل منه الضلع الثالث لمثلثه، داخل فضائه الشعري الواسع. واستلهم منه رؤاه ببعد نظر وحصافة فكر. إنه يُنَظِّرُ لكتابة تراعي متطلبات جيل جديد، أكثر تحرراً ووعياً وفهماً لعلاقة الكتابة بالتقدم والرقي والتفوق، وامتلاك القدرة على التوسل بالتكنولوجيا لقراءة الوجود الإنساني، والانفتاح على العالم، ما يعني البحث عن الحكمة أياً كان منبعها أو مصدرها أو مكانها، في هذا الوجود الفسيح من أجل تجاوز الخصوصيات والهويات الضيقة لحساب رؤى أكثر رحابة، تطل على المستقبل وتستدعيه لبناء صرح الإبداع والابتكار.

يحضر المستقبل بقوة في أجزاء مثيرة من فقرات الكتاب وفصوله، وفي وضعيات متعددة تتنوع بحسب المعنى الذي يأخذه المفهوم ارتباطا بالرؤية والسياق. ضمن إحاطات كثيرة يسعى المسناوي من خلالها أن يجيب عن سؤاله: كيف الوصول إلى المستقبل؟  هل ينكتب برغبة المبدع أم برغبة المستقبل نفسه؟ هل يكتبنا أم نكتبه؟ ونعرض بعضا من محطات هذا السفر في سؤال المستقبل بين الكتابة والانكتاب في الجدول التالي:

يمكن على ضوء هذا الجدول أن نقول:إن المسناوي يضع أقدام الكتابة الإبداعية فوق سطحين أحدهما أرضي حيث تتشكل الذات والتاريخ وحيث ينشئ الانسان ثقافته وهويته الانتربولوحية، وسطح ثان يتأسس في وعيه الباطني   الذي يَنْكَتِبُ برؤيا الحلم والامل بحيث   تكون له القدرة على الكشف والمكاشفة، فيتحول المبدع حينها إلى مبدع راءٍ يقرأ مستقبل الوجود من داخل الذات.  ويتخذ لنفسه وضعا تصوفيا يستشرف الحلول في زمن يسبق لحظته ليعبر اليها عبر ضوء البصيرة ونور القلب وشغاف الروح.  إنه استلهام لمقولة ابن عربي وقد تصرف المسناوي في ترجمها إلى العامية المغربية:” نواصلو السفر ونبحثو ما أمكن ع البعد لأن كل مواصلة لا تشهده عين البعد لا يعول عليها“.[1].

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو: هل بوسعنا أن نكتب للمستقبل، ونحن نتجاهل الحاضر؟ أم علينا أن نهيئ الحاضر ليستقبل ويستوعب ويكافئ الآتي؟ إن كثيراً من كتاباتنا ليس بوسعها أن تتفادى مشكلات مزمنة تعشش في مجتمعاتنا، التي لا تزال تعيش زمن ما قبل الحداثة، بل إن جوانب تقليدية وقروسطية تمد أذرعها الثقيلة لتعرقل مسارات الحياة التي يكابدها الناس في بلادنا .ألا يفرض هذا إعطاء الأولوية لمعضلات الحاضرمن أجل تطويقها وتفكيكها وتذويبها. استعدادا للعبورإلى المستقبل؟ أليست ولادة هذا المستقبل رهينة بالحاضر؟ إن الكُتاب في المجتمعات التي صارت متقدمة الآن، قد ظلوا قروناً معنيين بالكتابة عن واقعهم، بكل قبحه ومشكلاته، وواجهوا طابوهات صنعتها الكنيسة، وسلطة الباباوات، والقصور، وسلطة الملوك، والملكيات العريضة، وسلطة النبلاء، والإقطاعيين، ومع هذا، وربما قبلهم، انخفض الوعي لدى الأغلبية الكاسحة من الناس. وكان عليهم أن يواجهوا كل هذا على التوازي، موقنين أنهم كلما رفعوا وعي الموجودين في زمنهم، تمكنوا من تهيئة عقولهم لتقطع خطوة إلى الأمام. لكن المسناوي يحسم في أمر هدا السؤال بقوله: «. الحاضر يبقى زفرة أو شهقة وجودية لا أكثر، أما الماضي بالنسبة ليهوم زمن مات، خلاوه وراهم ومشاو.هدو على من يعول التاريخ لأنهم قادرين يهلقوا انحفار ابداعي ويحفرو ثورة تكنولوجية نشوفو فيخوم الذكاء البيولوجي والاصطناعي، تا يحققوا المعجزات …. هما تيعطيوا للحضارة كائن كوكبي فضائي: الانسان الزايد ليه والانسان الآلي، العقل الفاتح المنصور.[2]. إن هذا الرأي ليس مجرد موقف رافض لحاضر مرفوض ولا مجرد موقف شاعر شاهد على العصر فحسب، وإنما هو إيمان من المسناوي بضرورة التجاوز والتغيير والانحياز إلى الحداثة وتلك مهمة صعبة يرتهن وجود الكتابة بها، ذلك، أن المعرفة هي وسيلتنا في التصرف في الواقع ومن ثم القدرة بعد ذلك، على تحقيق التغيير المطلوب واستشراف المستقبل. وعندما نكتب عنه بمنطق تجاوز الذات فإننا نبدع كتابة هاربة من قيود الأنا إلى رحابة المستقبل.

إن الكتابة ليست مهمة الجميع، كما أن الوعي بالوجود ليس إحساسا مشتركا بين الجميع أيضا رغم الحضور الحي لكل الناس والكائنات. ويتعلق الأمر هنا بالكتابة التي تتمدّد في صمت. الكتابة الهاربة، التي تعي جرأتها على اقتحام أدغال المستقبل تفضي إليه برغبة القبض على خيوط الأمل فتكتبه ،ويلقي عليها بظلال أسراره فيكتبها.

نخلص في نهاية هذه الورقة إلى القول بأن مثلث دام   تنظير عملي يرسم المساحات التي ينبغي أن تشتغل داخلها الكتابة ، ويحدد شروط الوعي بمسالكها ؛ آخذة بعين الاعتبار بأنها كتابة للإنسان ومن أجل استثمار قدراته كلها تحقيقا للذات ووصولا بها إلى قمة الوعي بالعالم حتى تغدو الطبيعة شريكة الانسان في فعله الحضاري المنشود : “نخرجو من قمقم جسدنا، نطلو على عالمنا المتخيل، نشوفوا المجرة واش نعجبوها. نخرجوا للسفر الشعري اللي كافحنا طول حياتنا  نقوموا به، مثلثنا منفتح على عالم السفر من أجل غاية واضحة: التنوير[3]. إنها حضارة المستقبل وكتابة له، دون أن يعني ذلك  التنبؤ بما سيكون عليه القادم من أسلوب حياة، بل بما ستكون عليه الحياة الإنسانية حينها من منظور ومعطيات فكرية، واجتماعية، وثقافية، واقتصادية، وفكرية، وعلمية نعيشها في الحاضر بكل تفاصيله. الكتابة للمستقبل تعني أن نتحرر من قيود النمطيات القاتلة  التي تسجن طاقات التحرر والابتكار.

 

الهوامش

 

[1]- أصدر المسناوي إلى حد الآن ما يربو عن ثلاثين إصدارا تنوع ما بين الكتابة الزجلية والنظرية والروائية بلغة المحكي اليومي.

2 –  كناش 4 ، ادريس المسناوي، مقدمة الدكتور محمد بوستة ص 18

3 – نفس المرجع ص 10

4 –  كناش 4 ، ادريس المسناوي، ص 162

5-   د.عبد الناصر حسن محمد ، نظرية التلقي بيت ياوس وايزر ،  دار النهضة العربية ،2002. مصر.ط1

6-    كناش 4 ، ادريس المسناوي، ص 255

7-   نفس المرجع ص256

8-   نفس المرجع ص257/258

9-   نفس المرجع ص303

10-   نفس المرجع ص48

11 –  نفس المرجع ص382

12-    نفس المرجع ص270

13- نفس المرجع ص280

مقالات ذات صلة

العمل لـ: محسن البلاسي
محمد خلفوف - المغرب

محمد خلفوف - المغرب

20, أكتوبر, 2019

الأفعى – محمد خلفوف

المزيد
اللوحة: محسن البلاسي
نزار غالب فليحان

نزار غالب فليحان

13, أبريل, 2019

“بخور عدني” لـ علي المقري… سؤال الوطن ومعنى الهوية – نزار غالب فليحان

عدن (كريتر)، فوهة البركان الخامد في مياه خليج عدن، كانت حينها ملاذاً

المزيد