Kurdî
سرد

كيميا المغيبة بين الرومي وشمس التبريزي في رواية “كيميا” لـ: وليد علاء الدين – دعد ديب

08 يوليو, 2019 - 1064 مشاهدات

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

على غرار الشعر وموضوعة معارضة القصيدة بقصيدة تعتمد قافيتها ومعناها،  انسحبت ذات الفكرة كذلك على الرواية كجنس أدبي له تفرده وعوالمه الخاصة بمعارضة رواية برواية كما فعل كمال داود عندما نسج سرديته المعارضة لغريب ألبير كامو، وكما يفعل وليد علاء الدين في روايته “كيميا” الصادرة عن دار الشروق لعام 2019 بنسجه رواية مخالفة لرواية أليف شافاق “قواعد العشق الأربعون” ورواية مورل مفروي “بنت مولانا” وإن اعتمد شخصياتها ذاتها، ولكن برؤية مغايرة للفكرة والمضمون، بسرد يتشابك معه فن الرحلات واليوميات مع الفانتازيا التاريخية ليعيد مساءلة المسلمات، بتوليفة شائقة وممتعة تفتح الأبواب المستقرة في ذهنية محفوظة، لتناقشها بمنطق العدل والإنسانية بعيدًا عن صخب وشهرة الرموز الكبيرة لكل من شخصيتي الرومي وشمس التبريزي، وقد قرر أن يحدث ثقبًا في الجدار الغليظ لتحلق روح “كيميا” الفتاة الصغيرة المهمشة في حياتها ومماتها.

كيميا روح معلقة بالزمن، روح تتقمص المكان، حتى ليخالها في كل فتاة أو امرأة يلقاها، كيميا روح ذبحها مولاهم بسيف شمسه، ينبش علاء الدين قصتها من ذاكرة الزمن، ليعيد الحق إلى نصابه، ويبين الظلم الذي لحق بها؛ والتجاهل الذي عوملت به؛ بين كبيرين وهي الطفلة الغاوية للعلم والحياة.

يذهب وليد علاء الدين برحلة إلى قونية لتغطية الاحتفالية بمناسبة مرور ثمانمائة عام على مولد جلال الدين الرومي، ليقارب أمكنة ومراقد وقبور، عبقت بأسماء ومعاني، يتم استحضارها وفق طقس احتفالي، وتلك الدفقة النورانية التي تسيطر على الكاتب أشبه ما تكون بحلم من نوع خاص، ينوس بين حلم يقظة وحلم حقيقي يحلق به عبر توقيت سرمدي، ورغم الإغراق في عدم واقعية استحضار شخصيات من عمق الزمان، والإتيان بها، لمحاكمتها؛ ومحاورتها؛ فهو كان واقعيًا جدًا في إدخال ذاته وصداقاته الشخصية إلى متن العمل كشخصيات روائية، مثل اسمه ورسائله إلى صديقه نوري الجراح وآخرون، يجعل حوار علاء الدين لذاته؛  واسمه؛ حضورًا ذا بعد ميتافيزيقي، عندما ينزع من نفسه شخصية ويحاورها، في تمثله وجود انعكاسي لابن الرومي علاء الدين ولد في الشيفرة السرية التي يجدها بانتظاره في الفندق، والتي يترجمها بمعنى” أنت وليد علاء الدين وأنا علاء الدين ولد أنت شبيهي وقريني، في استثمار لافت لفلسفة الوجود والعدم بصدفة تلاقي وتعاكس الاسمين، القدر الذي ساقه بمصادفة المشابهة بين اسمه واسم علاء الدين ولد وكأنه مثيله المقلوب في سرمدية الزمن لتنبض عروق كيميا من قبرها المجهول، ورغم انه يصرح بأن لاشيء في الكون يحدث مصادفة  فالاسم المقلوب في عالم الوجود هو واحد في العدم في مخاتلة تشويقية تسحب القارئ إلى مفازاتها وتضعه في لب المتاهة.

فهو لا يفكر بكل تلك الحكم وفلسفة الروحانيات التي قالها الرومي وحوارياته مع شمس التبريزي ومع مريديه وأتباعه، بل يفكك ويشكك بذلك التاريخ المنقول بصورة بالغة الأهمية، ويحيلنا للبحث عن شخصية مهمشة في حضور قامتين أشهر من نار على علم، لينزع هالة القدسية والمهابة والفلسفة التي تحيط بهما،  ويميط اللثام عن كثير من الأفكار والمعتقدات التي دارت في ركابها، فمن خلال فكرة اختلاف العقائد وتجاوزها عند الرومي وعند ابن عربي بالقول “عقد الخلائق في الإله عقائدًا وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه”، ليتطرق إلى ديانة جدة كيميا الزرداشتية وتشابه روايات الأديان وقصص الأنبياء،  إذ أن زرادشت أيضًا حلمت أمه بسحابة سوداء أرادت قتله ليأتي نور من السماء يمزق السحابة وينقذه، وحديثها، حديث الجدة بأن المسيحية ورثت اليهودية وهذه الأخيرة أخذت تعاليمها من الزرادشتية، للوصول من خلالها لفكرة وحدة الأديان في مضمونها وتعاليمها،  كما يوضح الحرب غير المعلنة بين أصحاب الطرق الصوفية من الرفاعية للبكتاشية وسواها،  منتقدًا امتزاج  البعض منها بالدجل والشعوذة وإتيان الأعاجيب من ألعاب الخفة والسحر، وفي العمق تختزن مصالح السلطة والمال، ليتهم التبريزي بها وينتقل بعدها إلى كشف النرجسية ونكران الآخر عنده، فعندما ذاك الآخر لا يفهم مقاصده، فهو يجزم بأن المشكلة في الآخر لا في معنى كلامه الذهبي.

أما جلال الدين الرومي الذي يتنازع الانتماء إليه كل الأفغان والأتراك والإيرانيون، والذي ارتبطت شعبيته والتيارات الصوفية، أثناء فترة الحرب على الإرهاب، باعتباره شكل معتدل للتيارات الدينية الداعية إلى الإخوة والمحبة، ليفكك علاء الدين هذا الادعاء، ويكشف حقائق غائبة عن الرومي عندما ضرب مثالًا يضج بالكراهية بموقفه من الديانات الأخرى وهو:(تصادق مسلم ومسيحي ويهودي في سفر لا تقل كيف حدث هذا فقد يجتمع الصقر والغراب والبوم في قفص واحد)، هكذا رتبهم،  ذلك الفكر الذي حاول تجميله بالموسيقى والغناء وبالقليل من بهارات الفلسفة في إضاءة على التاريخ الذي يغفل عن ذكر ذلك، وصولًا إلى التشكيك بالمثنوي ورفع القدسية عن معانيه ومعارضته بميزان العقل، وهناك جديد يشير إليه وليد علاء الدين وهو الإتاوات والأعطيات والنذور التي يبذلها المريدون، وهذه فكرة قد يتجاهلها الكثيرون ممن تناول حياة الرومي، فإحالة أي مسألة لجذرها الاقتصادي تشكل خلفية عميقة لفهم الكثير من السلوكيات والأفكار ، والجدير بالذكر أن ابنه سلطان ولد له مدائح في الترحيب بالمغول الغازي وقد رد ذلك إلى مشيئة الله التي يجب أن نمشي معها وهو حبيب والده،  على النقيض من علاء الدين ولد الذي كرهه والده وانتقد سلوكه واتهمه بتدبير مقتل شمس، وهو الفتى العاشق لكيميا والمناسب لها عمرًا وشبابًا، ولا ينسى أن ينوه إلى شخصية جحا المعروفة بالذاكرة الشعبية لدينا بنوادرها وسخريتها كمعادل قيمي للفرح والحياة.

في إشارته إلى الروعة المعمارية لكنيسة آيا صوفيا، يحاول فيها خدش المقدسات والكشف عن التاريخ المخبوء بتحويلها إلى مسجد ومتحف بقوله “اغتصبت الكنيسة مرتين مرة عندما حولت لمسجد ومرة عندما حولت لمتحف” وعند استعراضه لرقصة المولوية التراثية، التي مازالت تؤدى في المناسبات الدينية ليوشيها بالتساؤل المهم والعميق هل تؤدي النساء هذه الرقصة؟؟ ويدخل في آفاق المتخيل الأدبي ويتجاوز اللونين الأبيض والأسود للراقصين ويدخل ألوان الطيف الحمراء والخضراء والصفراء وسواها في مخيال متماه مع جماليات التناغم اللوني  البديع.

تكمن الفكرة في رفع وهم القداسة عن رموز وصلت شهرتها الآفاق، ومناقشتها بمنطق الإنسانية وذلك لا يقلل من أهميتها الفكرية بزمنها، وإنما يضيء إلى ما ينقصها وما سكت عنه، لأنه في ارض الخوف تتعاظم الآلهة ومن يتحدثون باسمها، وما إشارته فتح العلبة التي تصله من مجهول،  ورفعه للملصق عنها، كمن يوشك على فتح أبواب الحكاية المنسية، وهذه الانتقادات الصادمة لما استقر في وعي الكثيرين، وثقها وليد علاء الدين في خاتمة الكتاب بمراجعها المثبتة.

وطالما فتح باب التساؤلات عن ذاك الزمن فماذا لو أن التبريزي أدرك هوة العمر بينه وبين كيميا لذا لم يقاربها أو يعتبرها زوجة فعلية، أو ماذا عن التشكيك بماهية العلاقة الرومي وشمس التبريزي،  ربما وليد علاء الدين فتح الباب لنبش المحظور وافتراض حقائق من خلال تفكيك الروايات التاريخية لذلك الزمن وهو يلج من باب المسلمات التي استقرت بالوعي من خلال التداعيات السردية في العمل، كشرخ بجدار ناتج عن زلزال قادنا إلى حواف جرح تاريخي، ينز كلما هبت رياح الذاكرة بدراما فيها من الفانتازيا والواقع الشيء الكثير.

مقالات ذات صلة

اللوحة لـ محسن البلاسي
ممدوح رزق

ممدوح رزق

08, يوليو, 2019

الموت العجيب لطائر – ممدوح رزق

أعتقد أنه لم يعد لدي الكثير من الوقت، ورغم أن سنواتي الأخيرة

المزيد