Kurdî
سرد

في التفاهة والتافهين – عماد أبو صالح

29 أغسطس, 2018 - 723 مشاهدات
اللوحة للفنَّان التشكيلي: أكرم زافى - سوريا

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

عماد أبو صالح – مصر 

 

يدفع ميلان كونديرا في روايته “حفلة التفاهة”، باستراتيجيّته الكتابيّة إلى ذروتها. هو لا يدفعها على الأصحّ، بل يحطّمها. لا بناء شخصيّات كلاسيكيّاً هنا، إذ يمكن لك أن تتوه بين شخصيّة وأخرى إن لم تكن في يقظة كاملة. “الدعابة” أو “المزحة” التي كانت عامود أساس في مشروعه الروائيّ كلّه، تتحوّل إلى عبث أو “تفاهة”. البناء الروائيّ المعماريّ في أعماله السابقة، يتحوّل أيضاً إلى فقرات قصيرة بعناوين صحفيّة بسيطة تبدو بلا اكتراث. النظام الشيوعي التوتاليتاريّ، عدوّه الأول ومادته الأثيرة في تفكيك الديكتاتوريّات، يتحوّل على يديه من تشريح أيدولوجيّ رصين إلى مسخرة فانتازيّة مثيرة للبكاء الوقور أو الضحك المكتوم.

لا يهتمّ كونديرا في “حفلة التفاهة” بحقائق تاريخيّة ولا تعنيه. إنه يخترع تاريخاً على هواه، ليمسخر فيه استبداد الديكتاتوريّات وهشاشتها، أو على الأصحّ تفاهتها. “ستالين” في الرواية ليس مجرّد “ديكتاتور كلاسيكيّ” وإنما “بطل” أو “أراجوز” في مسرحيّة هزليّة على خشبة “الكرملين”، يستعرض “تفاهته” أو “هلاوسه” وسط فرقة من الجنرالات أو الكومبارس. هاكم فقرة عن بطولاته: “قرّر ذات يوم أن يذهب إلى الصيد. ارتدى معطفاً رياضيّا قديماً وانتعل حذاء تزلّج وحمل بندقيّة صيد طويلة واجتاز ثلاثة عشر كيلو متراً. عندئذ شاهد أمامه طيور حجل جاثمة على شجرة. توقّف وعدّهن. هناك أربعة وعشرون طائراً من الحجل، لكن يا لسوء الحظ لم يكن معه إلا اثنتا عشر طلقة. أطلق النار عليها، فقتل اثني عشر طائراً، ثم عاد واجتاز من جديد ثلاثة عشر كيلو متراً نحو منزله وأخذ مجدّداً اثنتي عشر طلقة واجتاز مرة أخرى الثلاثة عشر كيلو متراً ليجد نفسه أمام طيور الحجل لم تزل جاثمة على الغصن ذاته. أطلق النار عليها واصطادها جميعا”.

ميلان كونديرا
ميلان كونديرا

كأنّ “كونديرا” ملّ أو يئس من التفكيك التاريخيّ العاقل لشخصيّات العار البشريّ وعلى رأسها “ستالين”. كأنه يريد أن يقول لنا أن “المهزأة” هي السبيل الوحيد لمواجهة عالم سيولة المعنى وغياب العقل. عالم قطيع البشر الذي تتلاشى فيه الفواصل بين “بوذا” و”نابليون”. عالم “التفاهة”.

“حفلة التفاهة” ليست رواية بمقياس قارئ غشيم. إنها زفرة أخيرة عصيّة على التصنيف من “شيخ” تجاوز الثمانين، يقف على حافة الموت ويلعب مع العدم. لكن ماذا يرى “كونديرا” في نهاية مشواره الروائيّ الشاسع وعمره الطويل؟ ما الخلاصة؟ ما الوصيّة؟.

الخلاصة بمنتهى البساطة والرعب، أن كارثة البشريّة تكمن في هذه الحفرة الصغيرة في البطن، السُرّة، إذ مع كلّ قطع لحبل سريّ، يولد إنسان، أي جريمة.