Kurdî
سرد

فقاعة من زمن التيه: (12 مارس ذات سنة). – أحمد بالفقيه (حامد سلام)

21 مايو, 2020 - 451 مشاهدات
العمل لـ: محسن البلاسي
العمل لـ: محسن البلاسي

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

• فقاعة من زمن التيه: (12 مارس ذات سنة).
أمامي الآن كأس و علبة سجائر ومنفضدة وجدتْ لها مكاناً قصياً على المنضدة..
يبدو الكأس لامعاً شفافاً أكثر مما هو عليه بالفعل، تنساب على جنباته رغوة بدوائر بعضها من بعض، ثم تختفي بشكل مريب وغريب… حاولت الإمساك بإحداها قبل نفوقها، لكن…! أمسكت فراغا..
يتناهى إلى سمعي حفيف ثعباني.. بل صفير فم تساقطت أسنانه عبثاً في موقف مشبوه.. لا ليس الأمر كذلك، بل حفيف ثعبان.. نعم حفيف لكنه لا يتوقف.. أين الثعبان.. كثيرة هي الثعابين، نحس بها.. تترك علينا أثر أنيابها، لكننا لا نراها.. لحد الآن لا أرى ثعباناً، لكن حفيفه يَصْدَعُ داخل رأسي و كأنني ألمس جلبابه الذي غَيَّره حذيثا قبل أن يضع ربطة عنق و ياقة…
هل للثعبان ربطة عنق..؟! يمكن ان تكون له ياقة… أليس كذلك؟! لكن ربطة عنق… ربطة عنق يا هذا.. يا أنا.. ههه لا يمكن!! لم اعد أفهم.
شارد دهني، رجعت لكأسي أتلمسه تلمس الأعمى لعكازته، فهالني فراغ مكانه إلا من أثر يدل عليه.. تعقبت الأثر بعقب سيجارتي المنتهية ولايتها علي، فلم أجد إلا فقاعات سرعان ما أعلنتْ موتها وكأنها أرادت من حيث لا تحتسب ان تجعلني الشاهد الوحيد على نفوقها، وأنا الذي يكثم شهادته دائما تبرما وتحفظا على ضياع من أحببتهم غباءً و سذاجة.
رجعت إلى منفضتي التي على منضدتي لعلي أظفر ببعض الإنشغال بأعقاب سجائر أخرى انا من قتلتها دهساً، فوجدت عددها قد فاق عدد سنوات قتلها..
 ماذا قلتَ..؟
بربكَ قل لي.. من القاتل هنا و من المقتول..؟!
ماذا قلتَ.. أأنت قتلت سيجارة؟!
 شرد دهني مرة أخرى في ثنايا الجواب، وصمتَ عن الكلام إلا من جملة واحدة قلتها في نفسي خلسة كوني متأكد أنني القاتل لكل ذاك الجيش من السجائر.. منذ سنة 1985 وأنا أقتلها.. أعترف بذلك، و أظيف معترفا، و ليكن ما يكون، أن لي أكثر من 34 سنة وأنا ازهق عدداً هائلاً من أرواح السجائر، ذون ان يرمش لي جفن حياء أو خوف من أحد… أقتل بضمير مرتاح… ومسرح جرائمي كل الفضاءات المعزولة يصعب تعقبها بالمرة..!
لكن.. أين كأسي و فقاعاتي الفارغة من كل دنب… أنا المدنب دائما..
 الكأس لي، والفقاعات لي، والمنفضة والأعقاب والأنساب لي.. والليل والسيل والأصحاب لي..!
 مرة وأنا مسكون بهواجسي ليلاً، بمكان قصي منعزل مهيأ أصلاً وعلى غير القصد لملاعبة المارد من الجنة والناس، وكل وسواس خناس، مسجوناً داخل علبة سيارتي محاورا قنينة خضراء فاقع لونها بلون الربيع الذي يزهو فيه الشبق منتشيا بآخر عطر رخيص، رن رقم عددي مجهول على هاتفي، فكان الهاثف إمرأة ذات صوت مرتوي من عذوبة الماء في عز الشتاء وأجمل الغثاء.. قالت لي شيئا فقلت لها شيئا وهات، لتجيبني: هيهات، وبعد أخذ و رد،  انتهى أمرنا بالفعل بعد قطع دابر المسافة بين “أخذ” و “رد” و “هات” بدون “هيهات” لكنها، وفي عز “الأخذ والرد” وفي لحظة عبث، أفاضت ذاك الكأس وأكثرت من الفقاعات التي بيننا، فحاولت الإمساك بها، لكنها نفقت ككل مرة سيرا على عادة الفقاعات…! نزلت من سيارتي والليل قد جُنَّ بالفعل، لقضاء مأرب ما، نزول انتهى بلسعة حية ملساء، بنظارات وياقة وربطة عنق، وخصر يسر الناظرين، وأنا ناظرها الوحيد ليلتها، وإن غداً لناظره لقريب في أفق مزيد من الصب و الصبيب في غواية الحبيب..!

مقالات ذات صلة

العمل لـ: محسن البلاسي - مصر
ممدوح رزق

ممدوح رزق

22, نوفمبر, 2019

البيت – ممدوح رزق

المزيد
الحسن أسويق

الحسن أسويق

06, مارس, 2019

حضور الذاكرة “التاريخية” و”الثقافيَّة” في رواية: “هذه الحرب لم تكن حربنا” – الحسن أسويق

 يستحضر الكاتب في روايته، التي بين أيدينا، حدث مشاركة

المزيد
اللوحة: سيد عبد الرسول
رجائي موسى

رجائي موسى

06, فبراير, 2019

اللحم الحي – رجائي موسى

عندما تذكرت نصيحة أمي وهي ترتق ملابسنا:”يا ابني..

المزيد