Kurdî
سرد

فاكهة الفصل المر: بناء الزمن بين الاسترجاع والكتابة بالمشهد

19 مارس, 2020 - 757 مشاهدات
غلاف العمل

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

المجموعة القصصية “فاكهة الفصل المر” [1]هي ثاني عمل إبداعي للقاص والروائي المغربي أحمد أولاد عيسى بعد روايته سارق الجمر[2].وقارئ هذين العملين لا يجد صعوبة في الوقوف على طبيعة القضايا التي يعالجها الكاتب. فالمجتمع هو الموقع الخصب الذي يمتح منه بحيث يجعل من خياراته السردية حاضنة لهموم الناس والمجتمع ومحاكاتهم لواقعهم وأحاسيسهم. مما يجعل الكتابة ليست أمرا هينا وليست مجرد نقل حرفي لواقع يكون الكاتب بالضرورة نتاجا له ولمجرياته. والعمل المكتوب لا يمكن أن ينال حظوة لدى القارئ مالم تتوافر الشروط الفنية والابداعية، الأمر الذي انتبه إليه أحمد أولاد عيسى وراهن عليه بنجاح في روايته “سارق الجمر” بناء ولغة وتخييلا. وهي رواية أبانت عن قدر كبير وتمكن موفق من القبض على لعبة السرد. ومن أبرز ما يشد انتباه القارئ فيها الاستثمار الجيد لبناء الزمن. الأمر الذي يبدو جليا أيضا في مجموعته القصصية. لماذا تعتني التجربة الروائية للكاتب بعنصر الزمن عموما؟ وكيف جاءت معالجته في قصص المجموعة تحديدا. هل يمكن القول بأن وعيا ما بالزمن يرذلك الحرص الشديد على توظيفه بكل اجتهاد وتميز ممكن؟

إن بناء الزمن في القصة القصيرة تحديدا، لا يكون مجرد إجراء تنظيمي أو تركيبي فحسب، وإنما يعد فعلا ابداعيا ومكونا هاما من مكونات جمالية النص بحيث يمنح الزمن القصصي طابعا نوعيا يساهم في رسم البناء العام. ذلك أن الزمن في القصة يقوم على معطيات يقتضيها شرط التخييل. فالحدث لا يتنامى دراميا إلا ضمن سيرورة المساحات التي يحتلها زمنيا بشكل تدريجي وتتشعب سبل الأحداث في سياق اطرادي يتعانق فيه الزمان بالمكان. ولئن كان المكان باعتباره بؤرة للوقائع والأحداث يبقى في عمومه ثابتا ومستقرا فإن فيزياء الزمن المحكوم بالتجدد والتطور هو ما يعطي الوقائع ديناميتها لأنه بتجدده وامتداداته يظل مرتبطا بالقضايا المتصلة بالشخصيات في وجودها وأثناء لحظات انفعالها وتفاعلها. بحيث يمكن القول بأن ” الزمن يبني داخل النص عالما مهولا من العلاقات المتشابكة، التي تلتقي في الزمن بكل أبعاده . . [3]

تحضر هذه المفارقة الزمنية في فاكهة الفصل المر اعتمادا على دعامتين أساسيتين اعتمدهما الكاتب بوضوح في أغلب نصوص المجموعة: تقنية الاسترجاع ثم الكتابة بالمشهد. وفي كلتا الحالتين يمسك الراوي/الشاهد بتلابيب الزمن امساكا يتقاطع فيه زمن الحكي بزمن الخطاب والزمن النفسي بزمن الوقائع والأحداث.  فبواسطة الاسترجاع يستدعي السارد أزمنة من رحم الماضي حتى إنه يبدو للقارئ أن الأحداث المسترجعة تتناص مع الحدث الرئيسي ولا تشمله بقدرما يبدو الزمن المسترجع منشقا عن حدث زمن الحكي إنه استرجاع خارجي Flashback  Récupération externe أو دعوة لمواقف سابقة يحتويها زمن لحظة فعل صدر عن أحد شخوص النص محكوما بوضع نفسي معين. ويظل هذا الزمن المسترجع علامة دالة تسائل لحظة الواقع الجديد الذي تتلبسه الشخصية. يقول السارد:

دَعُونِي أَضَعُكُم في الصُّورَةِ ، وهِيَ التي قَفَزَتْ للتَّو  مِنَ الذَّاكٍرَةِ جَاءَتْ مُبَاشَرَةً بَعْدَ ظُهُورِهِ الْمُسْتَفِزِّ عَلَى شَاشَةِ التِّلْفَاز…أَعْرفُهُ مُذْ كَانَ تِلْميذاً “بَليدا” بِالْمَدْرَسَةِ التِّي جَمَعَتْنِي وإِيَّاه فِي السَّنَةِ الأُولَى…زَمِيلي الْمُهَنْدِس كان رَفيقاً لِي مُنْذُ الصِّغَر ،لَصيقاً بِي في المدَرِ والحضر لم يُفَارقْنِي الا حينَ اكْتَمَلَتْ دَوْرَةُ التَّخرج منَ الْمَدْرَسَةِ الْعُلْيَا للمُهَندسين فَطَوَّحوا بِي إلَى والصحراء، وأَوصَوا بهِ ليَظَلَّ فِي كَنَفِ الرِّعَايَةِ  والارتِقاءْ حَتّى وإنْ كَانَ بَليداً فَريداَ في بَلادَتِهِ وَأنا عَلى ذَلكَ مِن الشاهِدينَ..”  [4]

هذه الإحالة تخرج بالقارئ من زمن الحكي لحظة لينفتح على مدارات تذكريه تنحرف بالمسار السردي الى زمن ماضوي باختيار تذكري ينتقل بالمتلقي ويباغته بحالات أخرى للشخصية يكون فيها مدعوا الى استقبال تصوير منفصل زمنيا لأحداث سابقة لكنها تظل ممتدة في وعي السارد حاضرة في تمثله اللحظي، ومهما تبدو الصورة عودة للماضي بحيث تشكل بالنسبة للسارد والقارئ معا استذكارا لماض خالص، يحيلنا من خلاله على أحداث سابقة عن تلك التي كان الحكي قد وصل إليها، فإنها لا تنفصل عن هوية الشخصية بل مكملة لها. لأن سلامة السرد وبناء منطقه يقتضي تبرير انتهازية “المهندس/البليد” التي انتهت به وصوليته إلى كرسي الوزارة. وإذا جاز لنا أن نعتبر الإحالة السابقة شاهدا، – وإن تباعدت زمنيا -فإن استذكارها يخدم البناء السردي ويكمله استنادا إلى وقائع لحظة الحكي:

حينَ اخْتَلَيْنَا عَنَقَنِي الصَّديقُ طَويلاً بَيْنَ ذراعيْنِ قَوِيَّتَين، في سيارَتِهِ الْفَارِهَةِ كَانَ يَشرَحُ لِي بعضَ مَا خَفِي….

  • قُلْتُ أَتَعَمَّدُ الإِسَاءَةَ:
  • المَنْصِبُ فِي الْوِزَارَةِ فَهِمْنَاهُ. السِّياسَةُ ومَا وَسَخَ مِنْهَا لكِنَّ الثّرْوَةَ مِنَ أيْنَ لكَ هَذا؟
  • أجَابَ ضاحِكا دُونَ أَنْ يُعيرَ لتَجْريحِي أيَّ اهْتِمام:
  • لا تنسَى ثَرْوَةَ الوالد رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه. اسْتَثْمَرْتُ جزءا منْها في السِّياسَة وَعَالَمِ الْمَال. ثَمَّ بيني وَبَيْنَك الَّذينَ قَالوا: ” وَراءَ كُلِّ ثَرْوَةٍ عَظيمَةٍ جَريمَةٌ3 لَمْ يخْطئواْ [5]

هكذا تتعالق الإحالتان وتتعانقان ويرتبط الشاهد بالشاهد ليكتمل البناء السردي فلا يبدو الزمن تائها ولا منفلتا رغم تشذره واقعيا وإنما يتسق بناؤه على مستوى الذهن. حيث تشحذ المفهمة آلياتها لتفكيك وتأويل العلامات المكثفة. وعلى مدى سيرورة الزمن وانبنائه تظل اللغة حاملا أساسيا ورافعة هامة لإنتاج الخطاب من حيث هو زمن داخل زمني. يرتق الفراغات بين زمن الحكاية والخطاب وينضحها بالامتلاء اللازم لشقوق البناء السردي وتصدعاته التي قد تشوش أحيانا على يقظة القارء فتمنحه دفقا جديدا ليحصل التوافق والانسجام. لذلك يلجأ الكاتب أحمد أولاد عيسى في معظم نصوص المجموعة إلى إقحام الواقع التخييلي في صلب الخطاب متسلحا بقدرته على تطويع اللغة وجعلها رهن سلطة المتخيل. ويمكن الاستدلال هنا بنموذج قصة: “وهب وسط الناس خطيبا”.[6] فالقارىءلايكاد يسمع حسا ولا صوتا  للفقيه المتهم ظلما بتنظيم إرهابي الا مرتين أو ثلاث،منذ نطق بعبارته في وجه المصلين: “أَيُّهَا النَّاسُ؛مَنْ كَانَ مِنْكُم وَسِخاً فَلْيَعْتَزِلْ مَجْلِسَنَا هَذَا.وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلْيُسَاهِمْ فِي نَظَافَةِ بَيْتِه[7]  وأربكتهم جميعا قبل أن يتطور الارباك إلى الشك والتأويل ليجد الفقيه نفسه معتقلا بتهمة يعلم أنه بريء منها.لكن تأويل خطابه انتهى به إلى ردهات الشرطة والمحققين.يتوارى زمن حضور شخصية الفقيه  منذ أن نطق عبارته في لحظة انتهاء الصلاة وعتابه للمترددين على المسجد في غير النظافة والطهارة المفروضة داخل بيوت الله. ويختفي زمنه صوتا وانفعالا، لكنه يظل الشخصية الرئيسية التي تبني زمن الحكي من بداية القصة حتى نهايتها.مهيمنا على حبكتها بقوة يستشعرها القارئ من خلال العلاقات التي ينسجها الحكي في ارتباط بالشخصيات الثانوية الأخرى. وبالرغم من خفوت صوت شخصية الفقيه، وحضوره من خلال تأويلات الشخصيات الأخرى، فإن تنامي الحدث دراميا لم يكن ليتحقق بدون   انتباه الكاتب إلى أن حالة كهانته لا يمكن أن يُبنى فيها الزمن بغير استرجاع داخلي interne يمكن أن نطلق عليه الاسترجاع المشهدي. فلا شيء أقدر على رتق الشرخ الحاصل بين زمن الخطاب وبين زمن الحكي أكثر من اللجوء إلى توقيف السارد وتعطيل تدخله مع فسح المجال لوصف الجزئيات الدقيقة، إنه وصف يملأ الفراغات بالمشاهد المرافقة للحدث. إن الكاتب في هذه القصة وفي غيرها من قصص المجموعة يلجأ إلى الكتابة بالمشهد فيجعل السارد إما في وضع الواصف المشارك في مسارات الحدث (الرؤية مع): ” ادّعَاءٌ خَطير وَمُحَاولَةُ بَئيسَةُ لِتَزْييفِ الْوَعْي. ذَلكَ مَا اسْتَشْعَرْنَاهُ نَحنُ المُصَلِّينَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الطَّويلَةِ حَرَكَةُ “المقَدمَ “غَيْرُ الْمحْسُوبَةِ دفَعَتْنِي أَنَا وَعَمِّي الْحاج المُعَلِّم المُتَقَاعِد لِنَهُبَّ واقِفين ننظُرُ إِلَيْهِ شَزْراصارخينَ في وَجْهه:الْبَيْتُ بَيْتُ اللَّه آلَمْقَدم. مَاشي ديالَك ولا حتَّى دْيَالْ المَخْزَنْ دَيالْك . [8]. وإما في وضع الواصف العارف المراقب لمجريات الأحداث (رؤية من خلف): «…وتعالت الأصواتُ واحْتَدَّتْ، وتَجَهَّمَتِ الْوُجوهُ واسْوَدَّتْ، فَتَهَارَجَ النَّاسُ وَتَهَارَشُوا حَتَّى كَادُوا يَفْتِكُونَ بِهِ    لَولا أَلْطَافُ الله. فلم يَجِدْ بُدّاً مِنَ الانْسِحَابِ قَبْلَ أَنْ تتطَوَّرَ الأمورُ لأشْيَاءَ لا قِبَلَ لَهُ بِهَا” [9]

عندما نتأمل نماذج من مشهدية نصوص المجموعة، ندرك أن لجوء الكاتب اليها يتم بواسطة توظيف سرد “إنشائي” يعتمد فيه على سلسلة من العلامات التقابلية (سُكون الليل، سكون الصحراء،/حركة السيارة، صرير العجلات…)  وهو تقابل يرتقي بالإنشائية السردية إلى مقامات مشهديه سينمائية يتحاور فيها المتحرك والساكن فتنهض من هذا التقابل شخصية وسيطة تعطي للسياق معناه السردي. إن توظيف المشهد يظل آلية درامية لصيقة بفن المسرح والسينما أي بزمن اللقطة والصورة والحركة الركحية، غير أن ذلك لا يمنع من الاستفادة منها داخل الأشكال السردية. ويمكن اعتبار مجموعة فاكهة الفصل المر نموذجا لتجسيد هذه الهجرة المشهدية من السينما والمسرح إلى الكتابة السردية، حيث يتوسل الكاتب بتوظيف متواليات فعلية يوحد الزمن بينها (أدارَ/أعَادَ/نَظَرَ.)أَدَارَ الْمِفْتَاحَ أَسْفَلَ الْمِقِوَد…./ أعَادَ المحاولة مرة أُخْرَى / نَظَر/َ إِلَيَّ باسْتِغراب/اسْتَشْعَرْتُ حَجْمَ الْخَيْبَةِ/لَمْ أَرَ أي مؤَشِّرٍ للْحَيَاة….” [10]

إن “فاكهة الفصل المر” مجموعة قصصية، لم تنفلت من أسر تقنيات الكتابة الروائية ولكنها قدمت منجزاً نجح الكاتب أحمد أولاد عيسى إلى حد كبير في معالجة القضايا التي يطرحها بتخييل غني متوسلا بحسن توظيف الزمن في البناء السردي العام للمتون المحكية من جهة وبإبداعية موفقة من جهة ثانية في توظيفه لتقنية التذكر والاسترجاع عن طريق استدعاء ذكي لتقنيات أجناس فنية أخرى كمشهديه المسرح والسينما.  إنها الكتابة بالمشهد القادرة على تطويع ما يمده بها دفق الواقع ومجازات الخيال. [11]

الهوامش:

أحمد أولاد عيسى، فاكهة الفصل المر،منشورات مؤسسة الموجة الثقافية ط1  2019

2 أحمد أولاد عيسى، سارق الجمر، رواية ، دار روافد ط1، 2016

3  عبد الله الغدامي، الخطيئة والتكفير من البنيوية الى التشريحية، الهيئة المصرية العامة للكتاب ط4 ، ص14 1998

4   أحمد أولاد عيسى ق المهندس، فاكهة الفصل المر  مؤسسة الموجة الثقافية  ص 12 وما بعدها.

5    المرجع نفسه ص 12

6  ( المرجع نفسه ص 19

7  ( المرجع نفسه ص 57

8 المرجع نفسه ص 61

9 المرجع نفسه ص61

10 المرجع نفسه ص 103

11 مجيد عبد الحميد ناجي، الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. ط1. 1404. 1984. بيروت

 

[1]

[2]

[3]

[4]

[5]

[6]

[7]

[8]

[9]

[10]

[11]

مقالات ذات صلة

محسن البلاسي
فاطمة بن هنية

فاطمة بن هنية

24, أبريل, 2019

اللا شيء الذي تعيشه – فاطمة بن هنية

لم أحب ذلك العبث والفوضى لم أتمكن من فهم الغاية من تواجدي

المزيد