Kurdî
سرد

عوالم الخطاب الشعري في سيرة الطرقات، وظائف العلامة وتشكل المعنى- محمد شيكي

27 يناير, 2019 - 935 مشاهدات
اللوحة لـ محسن البلاسي
اللوحة لـ محسن البلاسي

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

محمد شيكي-المغرب
سيرة الطرقات” مجموعة شعرية صادرة عن مطبعة بلال عام 2018 في طبعتها الأولى للشاعر المغربي  عبد الحق بتكمنتي. بعد مجموعته الأولى ” كمسوترا البهاء الأبلق” الصادرة عام 2004 . وتقع المجموعة في 64 صفحة من الحجم المتوسط،تضم ثمانية عشرة قصيدة تتوزع على أربعة مداخل كبرى. ولعل قراءة  متفحصة لهذا المنجز الإبداعي تحتاج إلى إعمال فكر وتدقيق نظر للوصول إلى المتعة الثاوية بين ثنايا النصوص التي تؤثثها لغة متفردة  بشعريتها وإيحاءاتها وبناها التركيبية.

يبدو الشاعر عبد الحق بتكمنتي من خلال تجربته شاعراً مختلفاً ومغايراً، حاملاً راية الحداثة ومجدداً بما تجترحه مخيلته من دلالات مبتكرة يؤسسها على لغة مرنة ومنزاحة تتوسل بالإشارة والعلامة كي تبني عوالم خطابها الشعري. ويتوارى خلفه وعي عميق بأسباب الجمال وبمعرفة تؤطرها رؤية فلسفية أيضاً. انها رؤية أكسبت الشاعر قوة في المنطق ودقة في توظيف الدلالة. وهذا ما يبرر خيار المدخل الدلالي/السيميائي منهجاً للاقتراب من عالم هذا الخطاب الشعري.. فكيف تشتغل العلامة في بناء منطق الدلالة وتشكيل المعنى في هذا العمل الشعري الرصين؟

أسمي المداخل الكبرى لهذه المجموعة إبحارات، وعددها أربعة تندرج تحت كل منها عناوين فرعية ترتبط تيمياً وتنطوي على دلالات وإشارات لعلها تحيل على عناوينها المركزية (المداخل/الابحارات) التي يقدمها الشاعر على شكل متواليات هندسية تتعانق بدقة وإحكام.

الرؤية ومركزية العلامة:

تستند متواليات المجموعة (سيرة الطرقات/ آباء المدينة/ غياب وغاب / فصوص) على تصور نظري تحكمه رؤية مؤمنة بالشعر وسلطته باعتباره خطاباً فنياً تعبيرياً وموقفا من العالم والأشياء. فالعناوين الأربعة (الابحارات) التي يقترحها الشاعر، تلتقط العالم وأشياءه التقاطا وجدانياً باطنياً وتكشف عن علاقات متشابكة تحول النص إلى طاقة تعيد ترتيب الحقائق الحسية وتجعل منها عوالم تنصهر داخل بوثقة التخييل الذهني في التحام تام مع منظور الشاعر الذي يتميز بالتجاور والتجاوز: تجاور تاريخي ليس من حيث هو تحقيب للزمن أو تجل له، وإنما أيضاً من حيث هو أحداث ووقائع وأفعال إنسانية  شاهدة على حركية الحياة والضرورة. وتجاوز لسيرورة هذا التحقيب من داخل الزمن نفسه. حيث يترتب عن ذلك، انتقال بالوعي بالزمن، من الرؤية الحسية المادية إلى رؤية الرمز والمجاز. حيث يحضر الاشتغال على مستوى المعرفة والمتخيل الذهني .وتلك هي الرؤية التي ينسج خيوطها صاحب “سيرة الطرقات“. في إيهاب مخملي يؤثت سيرة الروح المشاءة بلا خرائط أو حدود جغرافية . ذلك أنه، يحتفي بحضور منارات بصَمت الزمن التاريخي وأضاءت بعض مسالكه بحضورها التراجيدي كأنه يستعيد تجاربهم من جديد  أو كأن تجاربهم ماتزال ممتدة في زمن لا ينتهي. ينبثقون في كل زمان أيقونات يرافقها قلق الوجود تماما كما يرافقنا ويمتدون فينا بأسئلتنا الماهوية، ومهما تباينت طرقاتنا فإننا نلتقي في سؤال الوجود الكبير. أين تمضي بنا الطرقات؟ أراضون نحن عنها أم مكرهون على السير في متاهاتها ومدنها وغاباتها وفصوصها ؟[1]

إن هذا الترصيف المتوالي الذي ينحاز الشاعر إليه، هو أحد المظاهر الأولى التي تحكم رؤيته إلى “المدينة”، مدينة الطرقات الضالة/العالم التائه والمتشظي الذي تعبره الوقائع دون أن تتجاوزه كنظام ثابت وقار تتحكم فيه قوانين وسنن الطبيعة التي لا يطالها التغيير. يحضر هذا الوعي في ديوان الشاعر منذ صفحة التصدير: ” أما ما هو الطريق، فإن اللغة أعجز من أن تعبر عنه إذ لا اسم له، فالأسماء تشير إلى أشياء موجودة أما الطريق فهو ما نجده وراء التمييزات، وهو المسيطر فوق كل مبدأ، إنه طريق الطبيعة وطريق الحياة الفردية[2]. إنه طريق هايدغر الذي يفضي إلى العدم  هو الطريق الآبق دوماً المستعصي على القبض:

لم يعد لهذا الطريق مفترق،

سد في وجهنا

أغلقت نوافذ القلب

ضاق متسع الغاب

نبدأ الخطو لينتهي

والغابة ترفض سؤدد تيهنا

تفتح التشابه

تفتح المدى

مدى ماله مخترق ولا مبتدأ ولا منتهى[3]

ولئن كانت هذه الرؤية المجازية تحايثها معان سياقية، فإن صعوبة تجريدها وتخليصها من مقام القول  يحيل على غزارة الدلالة وعلى ممكنات تأويلية كثيفة لا تجد لها سندا في غير تطويع العلامة واستكناه أبعادها الوظيفية مادام النص حمال أوجه يتأرجح ما بين اللغة وحدود الكلام،لأن التعبير يمثل الجانب الخارجي للغة كغلاف صوتي  خطي لكنه يوحي على مستوى المضمون بعالم الفكرة الثاوية  في باطن الشاعر ووجدانه. وفي مرجعيته المعرفية .ولا سبيل إلى التفاعل معه غير اقتحام دلالة العلامة وإخضاعها للحس القرائي المستكشف .فما الذي يربط   بين ( طريق المرئي/ امرؤ القيس، وبين طريق ابن العبد/ طرفة، وطريق المتنبي، أو طريق الغجر )؟ ما العلاقة بين هؤلاء جميعا وبين ( طريق هايدغر) بأي معنى يمكن أن نفهم التقابلات التي يقيمها الشاعر بين هؤلاء جميعا باعتبارهم دوال في علاقتهم برمزية الطريق؟

إن الخطاب الشعري ليس مجرد نص مكتوب وإنما هو كذلك نسق ونظام لغوي ناتج عن مستويات مختلفة من تفاعل الشاعر مع ذاته والعالم. وكل قصيدة أو ديوان هو عالم مغلق ومتمنع يقتضي البحث عن المداخل الحاملة لأسباب الجمال.ولأن الأمر كذلك،فإن متواليات “سيرة الطرقات” تظل مرتعاً خصباً للكشف عن عمق الممارسة الشعرية عند بتكمنتي؛ إذ يمكن اعتبار الديوان فضحاً مقصوداً للامعقول الواقع وإزاحة للستائر التي تحول دون رؤية الأشياء بوضوح، لكنه فضح رمزي تحيل فيه العلامة على موضوعها إما عن طريق المشابهة أو عن طريق محاكاة الموضوع نفسه سواء كان مادياً أو ميتافيزيقياً. ولأنه من غير الممكن الانحباس داخل أي نص أدبي نظراً لكون المحايثة الأدبية تقوم على الاحتماء ضمن الحدود المقامة تاريخياً والتي تفترض مجموعة كاملة من العقود التاريخية بتعبير جاك دريدا؛ فإن الاشتغال على النص يستلزم التأمل في تلك الحدود للدفع بالقراءة المحايثة إلى أبعد مدى ممكن. وتأسيساً على ذلك نقترح السفر على متن مغامرة الكشف انطلاقاً من خطاطات الإبحار الأول نموذجاً كما يعكسه الجدول التالي:

تبين الخطاطة أن العلامة بعد مركزي ناظم بين حدود المتواليات الخمس،ويبدو ” الطريق” مصطلحا جامعا بينها تتقاطع حوله الحدود الأخرى فتغدو سلسلة من التراكيب البنيوية المؤسسة للصورة الشعرية  مصدرا تتناسل منه جملة من الامتدادات تقود القارئ نحو فيزياء المعنى المفترض. ولا يكون هذا المعنى بالضرورة هو افتراض الشاعر الذي جعل من الطريق موضوعاً بارزا تتراص داخله كل المقولات الأخرى. وتنطلق العلامة مقولة أولا،ثم تنتقل إلى هيئة رمزية متجسدة في اسم فعلي واقعي (هايدغر/ المُرْئي/ ابنُ الْعَبْد/ المُتَنَبي/الْغَجَر)، بحيث تؤدي سيرة المتواليات تبعا لذلك، إلى سلسلة أخرى من الإحالات والتمثلات Représentations المتعلقة بموضوع العلامة ،فاسحة المجال لتشكل الدلالة وانبنائها انطلاقا من اشتراك العلامات في تمثل إشاري موحد يطبعه التوتر المشترك بين العلامات الخمس  في إطار علاقتها بالوجود وبالحياة. فا”لطريق” طريق اشتغال وانشغال وقلق دائم تجسده بنية الأفعال الوظيفية التي ترتبط بمرجع العلامة وامتدادها الفيزيائي ( المعنى المفترض) [سُد/أُغلق/ضاقت/ عاج/خسرتَ/ربحتَ/ أسيرُ به إلى ضفاف حتْفي…]؛ أو بنية الجمل الاسمية [أنا القاطع البلاد/ الضارب في مناكب الأرض/ السائرون عصرا/ الراحلون إلى حدائقَ محلقة/ الزاحفون إلى غروب ما بعده غروب … ]؛ وكلا البنيتين عبور من زمن متوتر جريح إلى زمن مجهول يخترقه الشاعر ببصيرته عبر انتقاله من عُرْف العلامة  الناطقة المُتواضع عليها بين الناس، إلى مستوى التخييل أو النبوءة الشعرية .لكن الشاعر وحده يعرف أسرار منشئها .وتشتغل الدلالة في هذه المتواليات الشعرية المرصودة في الخطاطة على استحضار دينامية وحركية عجيبة في اقتفاء أثر المعنى وفيزيائه.

إن حضور الرمز والإشارة، بهذه الكثافة، يدفع المتلقي باطراد ملحوظ إلى عوالم معينة من الإشارات التصويرية حيث يتم تطويع اللغة وتحويلها إلى ومضات دالة تخضع في تفكيكها إلى متخيل ذهني ثان يختلف باختلاف تمثل المتلقي وقدرته على ملامسة المعنى التصوري والإدراكي[1]. واعتبارا لكون العلامة مسؤولة عن إنتاج الصورة والمعنى، فإن مفاصل المتواليات الشعرية في هذا المنجز” البتكمنتي” تقوم في جانب مما تقوم عليه، على مفهومي التزامن والتعاقب بالمعنى الوارد عند  “بيرس” أحد أقطاب السيميولوجيا، حيث ينزع الشاعر عبد الحق بتكمنتي نحو توظيف التقابل على مستوى الوصل والتجانس والتعارض والتضاد على مستوى الفصل على النحو التالي:

بالنظر إلى  أن الشرط في العلامة ليس شرط استبدال التركيب التقابلي بتركيب آخر، بل هو شرط وجوب التأويل المحتمل[1] ،فإن اعتماد الشاعر على الدال/حامل الإشارة يفضي إلى ممكنات تأويلية [محو/توازي/ضياع/مماثلة] تصب في مرجع التركيب التقابلي وتشحذه بالدهشة والوهج التخييلي، وترفع الصورة إلى مستواها “الأسطوري” بما تنتجه من أيقونات حسية  وتخييلية تسكن اللغة وتحولها إلى ألفاظ تقنية يقوم عليها النسق الاستدلالي العام الذي يثير العقل ويدفع به نحو ضبط التشابك العلائقي و التأويلات الممكنة. نظراً لكون النص الأدبي يقوم على تعددية أنظمة الدلالة ويخضع لتأويلات كثيرة تمنحه  التعدد دون أن يتغلب تأويل على آخر .وانطلاقا من الجدول السابق لنماذج التراكيب التقابلية (نموذج قصيدة المرئي) نلمس تعانق التعبير والمضمون أي الدال والمدلول ليشكلا معاً نظامين متداخلين. غير أنهما يتمتعان  بانفصال نسبي يتأرجح قرباً وبعداً حسب طبيعة العلاقة التي ينشئها الشاعر حرصاً منه على وفاء العلامة لوظيفتها وحمولاتها الاشارية:

 

فإذا كان المستوى التعبيري يمثل الجانب الخارجي/اللغوي، فإن المستوى المضموني يوحي بعوالم الأفكار الثاوية في الذهن. وهذا التقابل الثنائي ( ذهن / داخل  ؛ واقع/خارج)  لا تمر العلاقة بينهما إلا عبر أنظمة دلالية لا تكون دائما لغوية بالضرورة وإنما تمر عبر رموز ثقافية لها حضورها الذهني والتاريخي. وهذه القدرة التي يمتلكها الشاعر عبدالحق بتكمنتي على صياغة هذه البنى التركيبية التقابلية، يعززها إدراك واع بضرورة النحث على صخور اللغة لتطويعها واستمالتها إلى ما يناسب حسه الشعري المرهف حتى تحتضن ضغطه العالي وتوتره المرتفع بانسيابية وتدفق وسلاسة.علما أن القصيدة النص، لاتؤسس ذاتها من خلال استمداد عناصر حياتها من مقومات الشاعر الفكرية والمعرفية والوجدانية فحسب، بل من فرادة أسلوبه وتميز لغته ووضوح إشراقاته كذلك. فما الذي يميز مجموعة “سيرة الطرقات” لغة وأسلوباً وتقنيات جمالية

بلاغة العَلامَة واشتعال الومض:

  يمكن القول إن رؤية الشاعر للحياة عموماً ولمجتمعه خصوصاً هو ما يحدد وظيفة اللغة لديه بتعبير فلوبيرFlaubert G. ولعل هذا المعطى يبرر المنحى الأسلوبي الذي يميز الابحارات الشعرية الخمس في مجموعة “سيرة الطرقات” خصوصاً عندما نربط هذا الأسلوب بمحاولة فهم خاصتي التجاوز والإيجاز. إن الظهور الدائم لفراغات افتراضية تملأ امتدادات الجمل الشعرية متخللة أسطرها يوحي للمتلقي بإمساك الشاعر عن الخوض في كل ما يعن له لحظة الكتابة. ربما احتراماً منه لأفضلية التلميح واعتماداً على أولوية الجوهر و تعبيراً بالكلمة الجامعة والومضة الدالة دون الاهتمام بالملابسات والاستطرادات، حيث النص الواحد لا يتجاوز عشرة أسطرفي أغلب الحالات:

يسري دبيب الراح

روحا في الجسد

يتهادى الفتى

يتهاوى

كومة فجل

في زقاق البلد  [1]

………………..

يشعل مبخرة الند

يصعد الأدراج إلى القبة

إذ يغشاه

خوف الله [2]

……..

يذيب

سبائك من حليب اللجين

وشمس الركاز

يرصع الصدور

ينضد الاعجاز

ينظم عقيق الحروف

بخيط اللبان

يصوغ القلائد

بماء المجاز. [3]

يتضح من خلال النماذج أعلاه أنها توغل في التجاوز والإيجاز وتحبل بالتكثيف ودينامية اشتغال العلامة في بعدها الدلالي وأفقها الرمزي، حيث يحتفي الشاعر في نصوصه القصيرة بنفَسه (بفتح الفاء) الثري في استنطاق العلامات (أبو نواس/ أبو العتاهية/أبو تمام…) وتهجيرها من سياقها التاريخي إلى سياق زمن الشاعر، (من زمن التوتر والمفارقات /إلى/ زمن التوتر والمفارقات) كأنما يستجير من الرمضاء بالرمضاء أو كأنما ينصب هذه العلامات نصُباً شاهدة على أزلية الشقاء وسرابية المعنى. وهو في كل ذلك يتوسل بالعبارة الوامضة والتركيب القصير. ولئن كان الإيجاز مبحثاً من المباحث القديمة لعلم المعاني، فإن الشاعر بتكمنتي يكاد يجعل منه في ديوانه ظاهرة من ظواهر ورشته الشعرية أساسها الاقتصاد اللغوي بتعبير علماء اللسان. حيث ” …يتحقق الإيجاز حين يحصل المعنى من دون الالتفات إلى أصل اللفظ  ويتم أداء المقصود من الكلام بأقل العبارات[4] أي باعتماد الغرض دون تشعب. ولن يجد المتلقي على سبيل المثال عنتا في الربط بين العلامة بين (مدينة أبي نواس) والدلالات المحيطة بها باعتبار شرطها التاريخي، وبين (زمن مدينة الشاعر) ليس بالمعنى الجغرافي وإنما بمعناها الزمني. وكأن”.. الشاعر ينطلق من الجزئي ويرنو إلى اللحظة والتجربة المعيشة بحثا عن علاقة جديدة بالوجود من حوله[5]. وبالرغم من سياقات الحذف البارزة بجلاء،تحقق الرسالة غرضها،وتؤدي وظيفتها بفضل الدقة في اختيار العلامة/ الشاهد.لأن حضورها الرمزي والثقافي يجعلها ترتقي إلى مقام التوظيف الجمالي بفضل إستراتيجية الومض والاستعمال المحكم لها. وتتسم هذه الاستراتيجية بالتنوع في صناعة  بنية (تقابل/تضاد/تجانس/ ….) وفق تراكيب تنأى عن الإطناب والاستطراد وتتخذ شكل معادلات ضدية أو تماثلية تلعب الكناية والاستعارة  فيها دوراً أساسياً يمنح المتلقي إمكانات عديدة للاستغراق في التأويل. لأن المعاني السياقية التي يعسُر تجريدها وتخليصها من مقام القول، يؤدي إلى غزارة الدلالات وتعدد القراءات وتنوع التأويل. و “القوة الشعرية تتأتى من التركيب المضيء الذي يتخذ من الومض والإيجاز مذهبا وأسلوباً[6].

يمكن القول ختاماً، إن عوالم الخطاب الشعري في مجموعة “سيرة الطرقات” للشاعر عبد الحق بتكمنتي، عوالم تحاول فيها الذات قراءة العالم بشكل مختلف بحثاً عن الحقيقة الهاربة، حيث يقترح علينا نظاماً لوجود آني قلق ومتوتر. ومهما اختلف الزمان والمكان فإن تلاقي الأفكار وتقاطعها يدفع نحو الابحار في المتضادات والمتناقضات. لعل الذات تصل إلى اليقين المفقود بحيث تبقى هذه الذات متعلقة بأي حال من الأحوال بأحد طرفي النقيض ولا يمكن أن تحتوي الاثنين معاً، ما دامت الحياة تمضي على نحوها. ثم إن العالم الشعري في سيرة الطرقات، هو رؤية للعالم من خلال نوافذ اللغة باعتبارها وسيلة لتحليل مكونات العالم والانتقال بها -حسب تصور فتجنشتين – من ثنائية اسم/وجود إلى ثنائية اسم/معنى، مادام القصد أولاً وأخيراً هو البحث عن المعنى لأن القارئ حين يشتبك مع النص لا يضع في خلده أن يتقن منهجاً للقراءة أو أن يستمد خلفية فلسفية وإنما هو باحث عن معنى يتيح له فهماً أفضل للإنسان والعالم ليكتشف جمالاً يثري وجوده. وقد شكلت العلامة في فضاءات ديوان الشاعر بتكمنتي ورشة حقيقية للاشتغال بوصفها وعاءاً شاملاً لنواحي السلوك البشري تأخذ دلالاتها من استدعاء موفق لرموز الماضي لتكتب كيانها الجديد داخل شروط اجتماعية وثقافية مغايرة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  المراجع

[1]   الاشارة الى عناوين الابحارات الشعرية في مجموعة سير الطرقات

2   سير الطرقات ص 3

3  .المرجع السابق ص 7

4  أحمد مختار عمر، علم الدلالة، دار الإحياء، التراث العربي، القاهرة، 1988 ص.86

5  .امبرتو إيكو، السيميائية وفلسفة اللغة، ترجمة أحمد الصمعي، المنظمة العربية للترجمة،ط1 بيروت ،2005،ص109

6  .عبد الحق بتكمنتي، سير الطرقات، الابحار2 ،آباء المدينة، ص 21

7  .المرجع السابق، ص 21

8  .المرجع السابق ص 25

9  .السكاكي، مفتاح العلوم،دار الكتب العلمية، ط2، بيروت،1987،ص277.

10 .د أمجد ريان،  قراءة في التجربة الشعرية  الحديثة، مجلة الكتابة الأخرى،القاهرة، ع2،فبراير،2009، ص102.

11  .د مصطفى عطية، عالم الفكر، عدد 3 يناير /مارس،2015، ص 144

 

[1]   .عبد الحق بتكمنتي، سير الطرقات، الابحار2 ،آباء المدينة، ص 21

[2]   .المرجع السابق، ص 21

[3]   .المرجع السابق ص 25

[4]   .السكاكي، مفتاح العلوم،دار الكتب العلمية، ط2، بيروت،1987،ص277.

[5]   .د أمجد ريان،  قراءة في التجربة الشعرية  الحديثة، مجلة الكتابة الأخرى،القاهرة، ع2،فبراير،2009، ص102.

[6]   .د مصطفى عطية، عالم الفكر، عدد 3 يناير /مارس،2015، ص 144

 

[1]   الاشارة الى عناوين الابحارات الشعرية في مجموعة سير الطرقات

[2]    سير الطرقات ص 3

مقالات ذات صلة

العمل لمحسن البلاسي
فتحي مهذب

فتحي مهذب

08, أبريل, 2020

فتحي مهذب – القطة السوداء

المزيد
اللوحة لـ محسن البلاسي
نزار غالب فليحان

نزار غالب فليحان

27, أكتوبر, 2019

كَإنُّه نْبارِحْ … نزار غالب فليحان

المزيد
اللوحة: محسن البلاسي
عبدالحي عيادي - المغرب

عبدالحي عيادي - المغرب

11, مايو, 2019

الوجهان – عبدالحي عيادي

أهي وجوه حقيقية أم أنها مجرد علامات توحي بمخلوق بشري!؟
فجأة سمعت

المزيد