Kurdî
سرد

عن بهيَّة وأغنية ورد التي كادت أن تشدو بها- سارة عبد العزيز

10 مايو, 2019 - 746 مشاهدات

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

سارة عبد العزيز – مصر

بدأت علاقتي بـ بهية  أيام ثورة يناير، أعطتني منديلاً أمسح به دموعي يوم رفض مبارك التنحي وأنا أبكي، وقبلها في يوم آخر نحن نراقب سوياً من شرفة حزب التجمع، داهمتني بروحٍ كلها أمل وكأنها تقول لي ستنتصر، لا تحزني أو تفقدي حماسك بينما كانت تغني شادية: “مشفش العناد في عيون الولاد”.. قالت لي سامعه!، ابتسمت و رحلت، تلك الأيام وبعدما تركنا الميدان    ببرهة وبعد نجاح ثورتنا، وقتها هاتفتها و كانت الزيارة الأولى  بمنزلها بالمهندسين لأعرض عليها سيناريو فيلمي:  “بيت ورد” الذي يحكي قصة مغنية من زمن قديم، أحبت شخصية ورد جداً وتملكت روحها، كانت ورد تغني وكانت بهية تغني ولم تفصح ابداً في أي عمل قبل ورد عن تلك الموهبة وعلى مدار أشهر تابعنا جلسات عمل وبروفات سبقها أحاديث جانبية طويلة عن تاريخها وذكرياتها، مثل حكاية فيلم اليوم السادس وكيف أن شاهين حجب عنها دور داليدا بعد وقت طويل من تحضير الدور، وكيف كانت تشعر بالأسى اتجاه علي  وكأنه ابنها حقاً وغيرها من الحكايات التي رسخت في ذاكرتي والتي ستظهر في فيلمي الوثائقي الذي اقترحته عليها في ذلك الوقت، ولكن كانت تسرقنا ورد بمفرداتها وأغانيها تارة وبهية بتفاصيلها تارة أخرى  وأهم تلك الذكريات. لم أرى نموذج لتدفق الحياة في شخص بسبب وهج الابداع الذي بداخله مثلما رأيته أول لحظةٍ قرأت بهية  دور ورد، قبيل أول بروفة، حيث تملكها الشجون كأنها صغرت عشرات السنين وتوهجت وجنتاها وتدفقت الحيوية بها، حيويةٌ من نوع آخر أشبه قليلاً لما رأيتها في الميدان، وفي نفس الوقت تختلف عنها، كان يضاف له ذلك الشباب الذي يتجدد مع العشق، نعم كانت تعشق التمثيل عشقاً حقيقياً ولم يتركها هذا العشق أبداً بالابتعاد.. التشابه بينها وبين ورد كان يخيفني، ورد التي كتبتها ولم تخرج للنور أبداً، كلاهما يغني كلاهما، رمزٌ لمصر بذاكرتها وتاريخها والتصدي لمحاولات هدمها، مصر التي رغم كل المنغصات كانت تصمد في مهب الريح، ريح الجهل والادّعاء، ريح البادية العاتية.. أثناء تلك اللقاءات اتفقنا على تسجيل ذكرياتها لي عبر الفيديو لفيلمي الوثائقي عنها تارة، ونرجع تارة إلى ورد التي كانت تحتضن كل تفاصيلها، بينما أنا أحتضن تفاصيل بهية، تفاصيلٌ أقرب كثيراً لحماس ذلك الشباب الذي انطفئ  داخلي في مقابل كل الإحباطات والتخبطات التي مررت بها، وكانت ورد أملاً كبيراً لي، كاد أن يغفو، أيقظته بهية بوهيجها على الأقل في ذلك الوقت، رغم أنها انسحبت بعد عامٍ من التحضير لأسباب مرضية، لكني أشعر أنها كانت تملك خوف وتردد العودة، كنت أشعر بها تماماً، هذا التردد كان له أبعاده، ربما التصدي لمناخ لم يعد ملائماً لها بقوانين لم تعهدها، تلك القوانين التي أبعدتني أنا الصغيرة، فما بالك بـ بهية وتاريخها. وبعد سنوات من لقاءات ورد وبهية، علمت أنها عملت مسلسلاً ما.. وأصبح اللقاء بيننا معلقاً.  ماما محسنة شكراً لكل شيء، شكراً لإيمانك بي وقت خذلني الآخرون.. وكنت أتمنى أن يظل هذا الايمان!.

الآن البيانو في ركن منزلك يشدو أغنيةً حزينة لفقدك.. أما أنا أو غيري لن يصدق هذا الصمت الذي لا يليق بحبك الشديد للحديث والحياة … وداعاً، لحقتي بكل من غرَّد خارج السرب، من ودّعنا قبلك قليلاً،  سلاماً لهم… أسامة فوزي .. محمد أبو السعود، والعم سيد سعيد.. هاني شكر الله.. بشير السباعي…. وداعاً.