Kurdî
سرد

“صَبَوات ياسين” لـ خيري الذهبي المُثَقَّفُ من التَشَتُّتِ إلى العَدَم والحاكم من العَدَمِ إلى التَّأْليه- نزار غالب فليحان

25 مايو, 2019 - 990 مشاهدات

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

نزار غالب فليحان

لأن العادة والمنطق يفرضان عليك أن تقرأ الرواية تبعاً لتوالي عرضها من الصفحة الأولى حتى نهايتها بترتيب لا يمكن الإخلال فيه، فإنك تفعل ذلك بتلقائية لا تردد فيها  ولا إعادة نظر ، لكن يحدث -حين تود كتابة قراءتك حول نص روائي- أن يمنحك هذا النص الحرية كاملة في تناوله من كل لحظة فيه، و من كل فكرة، و من كل انعطافة أو تحول في سير الأحداث أو في تدفق السرد.

هكذا “صَبَوات ياسين”، نصٌّ كتبه “خيري الذهبي” كما ينسج العنكبوت مملكته متيناً كفاية ريح شفيفاً كفاية نور، كخياط بإبرة واحدة وبألف إصبع وألف كشتبان، انطلق في حبكته من القطبة الأولى -لا بد من بداية- ومع كل قطبة كان يعود ليتفقد ما أنجزه بلهفة، حتى أنجز آخر القُطَبِ واستراح وهو ينظر إلى النص نظرته إلى إيناع “كَبَّادةٍ” جديدة في فناء البيت الذي ولد فيه في “قنوات” دمشق التي رحل عنها جسداً  وأسكنها القلب.

“خيري الذهبي” كان الرواي في هذا النص، الراوي العليم، على الرغم من ثقافة ووعي الشخصية الرئيسية “ياسين” وإمكانية أن تكون هي الراوي، لكن – ربما-  فضل الكاتب أن لا يشغل “ياسين” برواية النص، وتركه لصَبَواته وتشتته وانكساراته وحرماناته وتشظيه، وترك للقارئ متعة متابعة الصراع الداخلي المعتمل داخل “ياسين” وحرقة ترقب المآلات التي سيؤول إليها، وهنا لا بد أن أسجل أن “خيري الذهبي” يصف هذه الحالة بأنها “شيزوفرينيا المثقف“.

فبين سيرة الحاكم الجديد وتاريخه الذي يجب أن يُكْتَبَ أمامه وتحت إشرافه كي يستمتع به حيّاً ويخنق البلاد والعباد به مَيْتاً، وبين سيرته التي كتبها خلسةً، يضيع “ياسين” في متاهة أن يبقى مخلصاً لمبادئه وما جبل عليه حين كان واحداً من مجموعة مثقفي الماضي في زمن ما قبل انقلاب الحاكم الجديد، أو أن يكون شاهد زور يشوه تاريخاً مضى وشاهد زور مرة ثانية يجمِّل تاريخ الحاكم الجديد.

وكلما أشرف “ياسين” على السقوط في منزلقات السلطة، كانت كلمات “دلال” – صديقة العهد الجميل – تحضر:

“أنت آخر من نتكل عليه -ياسين- إكراماً لكل الأيام الماضية، لا تسقط! لا تعبث بالتاريخ! ياسين … أنا أعرف ما يجرُّونك إليه: أن تكون الشاهد من الماضي والرسالة إلى المستقبل على عدالة ما يفعلونه… ياسين… لا تسرق حلم الغد من أبنائنا!”

ولا يطلب الحاكم الجديد سيرة أقل من أكثر سيرة تأثيراً في الذاكرة الشعبية للبشر، هذا ما يطلبه السلطان الموعود بالحكم، وهذا ما أسماه ياسين “سيرة مولانا عنقاء الزمان”.

“ياسين” الذي لو سمع نصيحة زوجته “أسيمة” وقفز من قطار السلطة المُنْقَلَبِ عليها لكان نجا من إقصاء السلطة المُنْقَلِبَةِ وتجريدها إياه من حقوقه المدنية والسياسية عبر خطاب ثُبِّتَ بدبوس على باب بيته.

هي خيبة أخرى تضاف إلى خيبات “ياسين” ابن الأرفعي، الأب المقامر والبورصجي السكير الذي ترفض زوجته أن تصرف على أبنائها من ماله الحرام معتمدة على ما يصرف لها من وقف لأحد الأقرباء، لينتهي الأمر بها في بيت أهلها حيث أمها و أخيها، هناك تتعزز خيبة حرمان “ياسين” من حضن الأم لأن اللثم و اللمس هناك حرام، ثم تحضر خيبة عدم الالتفات لإبداع “ياسين” في الكتابة و تفضيل التزام خاله وعبادته  وإمامته، إلى أن ينتهي به الأمر ناقداً لاذعاً بعد أن ترك كتابة القصة، أراد أن يكون المستبد العادل في عمله كناقد، فاصطدم بـ “أسيمة” التي هاجمها بأكثر من مقال بعد أن لفتت نظره على المسرح دون أن تعيره اهتماماً قبل أن ترد عليه بلكمة ترج مخه فيقعا في حب بعضهما ويتزوجان.

لكن “ياسين” يصبح ذات انقلاب طريد السلطة الجديدة، فيهرب إلى بيت جده حيث يخبئه الخال -الند على مستوى العائلة و الند على مستوى الفكر- في مزرعته، ليهرب ثانية بعد اكتشاف مكانه من قبل عسس السلطة الجديدة إلى جزيرة نائية عن المدينة محاطة بنهر “قليط” الذي تقذفه المدينة بكل فضلاتها، هناك تنقذه “ليلى” من النهر وتعمِّده من ماء “قليط” الآسن بماء نظيف و تتخذه زوجاً، فيجد فيها الخلاص من كل خيباته، إمتاع ومؤانسة وحب وتفانٍ في منحه الدلال الذي يشتهيه، أحيت “ليلى”- التي تعمل وأهل بلدتها بفرز نفايات المدينة و بيعها- جسد “ياسين” بعد أن كان رميماً وأيقظته بعد أن كان في سبات عميق وأعادت إليه لذة أن يحيا مع امرأة منعتقة من الرتابة نحو الحياة كما يجب أن تعاش بلا صراعات ولا دماء ولا قتل، نزوع نحو الحياة ليس إلا.

لكن نداء المدينة يعلو في رأس “ياسين”، يأبى إلا أن يترك “ليلى” ويعود ثانية إلى “أسيمة” حيث تتلقفه أذرع السلطة وتُكْرِهُهُ على كتابة سيرة الحاكم الجديد، فيذعن وينكب على كتابتها، إلى جانب كتابة سيرته السرية، ويحاط بمغريات السلطة من المناصب والعيش الرغيد والمحاباة، ليتصاعد الصراع المرير بين أن يخضع لمشيئة السلطة أو أن يثور عليها، الصراع الذي لم تكن ثمة ضرورة له أو لمرارته لو أن عواقب أن تقرر ما تشاء بحرية مطلقة لا تبدأ بالتصفية.

طيلة النص يبحث “ياسين” عن ذاته، يخلق من نفسه “ياسيناً” آخرَ، يجهد في الوقوع على ملامحه، يضيعها، يلملمها، تضيع من جديد، ظل رهين صراع النقيضين، الالتزام والخضوع، حتى اقتنع نهاية الأمر أنه العدم حين لم يعثر لوجهه على أثر في المرآة.

“ياسين” في “صَبَوات ياسين” يفعل فعل “دويدار” و “الدينوري” في كتابة سيرة “الظاهر بيبرس” على فصول متوالية يوافق عليها “الملك الظاهر” ليعتمدها، وكما جُعِلَ “الظاهر بيبرس” بمنزلة الإله، طُلِبَ من “ياسين” أن يصل بالحاكم الجديد إلى منزلة الإله.

في لقاء تلفزيوني معه، يقول “خيري الذهبي” لـ “أحمد علي الزين”:

“هناك ظاهرة في بلادنا غير موجودة في بلاد أخرى، هي أن تشتري عبيداً وتجعلهم ملوكاً، أي النظام المملوكي، ويتطرق “خيري الذهبي” لسيرة “الظاهر بيبرس” ويقول: إنها ظلت سيرة شعوب المنطقة ثمانمائة عاماً، ثم يستأنف: لدينا قادة أعظم من “الظاهر بيبرس” ألف مرة، لكنهم دون سيرة، ومن كُتِبَتْ سيرتهم هم من تركوا وراءهم هذا التاريخ الذي وصلنا إليه الآن، الحاكم يملك الأرض وما عليها وما فوقها وما تحتها ويملك رقاب الناس جميعاً”.

مقالات ذات صلة

محسن البلاسي-من مجموعة: دمية تلعق الخيط الساقط من أعلى
Rê Platform

Rê Platform

10, أبريل, 2019

الجثثُ الآليَّة – مصفوفة جماعيَّة

سيوجهون إلي تهمة الإخلال بالآداب العامة.
في السجنِ سأبصق على  باب الزنزانة

المزيد
اللوحة للفنّان التشكيلي: أكرم زافى -سوريا
حسن عبد الموجود

حسن عبد الموجود

30, سبتمبر, 2018

السهو والخطأ – حسن عبد الموجود

كانتا ترتديان بلوزتين وتنورتين قصيرتين، وأعطتني إحداهما ورقة بها جملة واحدة “لا تَقُل رأيك قبل أن نسكر”.

المزيد