Kurdî
سرد

صندوق الأحجار الملوَّنة – أسماء يس

29 أغسطس, 2018 - 675 مشاهدات
اللوحة للفنّان التشكيلي: أكرم زافى - سوريا

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

أسماء يس / مصر

عندي جثة حية،

أضيفها تلقائيًا إلى قتلى الحرب، وقتلى الكباري المنهارة في الحجاز كل موسم حج، وقتلى التظاهرات،

كلما حدثت مصيبة يزداد هؤلاء واحداً،

أضيفها إليهم وكأنها ليست لي!

كلما مررت بميدان رمسيس، أرجعت البصر، لأتأكد أن كل هذا حقيقي.

أحيانًا كنت أوقف المارة وأسألهم، يا عم ماذا أفعل هنا؟ أو يا ست ماذا أفعل هنا؟

مرة أوقفت طفلاً وسألته: ماذا أفعل هنا يا شاطر؟

لم يحدث أن أجابني أحد، كانوا ينظرون إليَّ نظرات مشفقة، ربما ظنوا بي خبلاً، قال الطفل لي: بس يا هبلة.

فلم أجد مفرًا من أن أنظر في مرآة صغيرة في حقيبتي وأسأل نفسي ماذا أفعل هنا؟

كلما صحوت من النوم، سواء في بيتي، أو في بيت أمي، أو في فندق بدائي، أقف أمام مرآة الحمام المربعة دوماً، وأسأل نفسي، ماذا أفعل هنا، أضيع الوقت في مكالمة تليفونية انتظاراً لأن ترد المرآة، لا ترد طبعاً، فأيأس وأسأل نفسي، لماذا تفضل الحمامات المرايا المربعة؟

كلما دفنت واحدًا من أصدقائي، السفلة، الذين يموتون ويتركونني، بشكل يكاد يكون دورياً، أعود فأخلع ملابسي السوداء، وأقف أمام المرآة عارية، وأسأل نفسي: ماذا أفعل هنا بعد؟

****

فككت المدينة،
وكأنها لعبة مكعبات بلاستيكية،
كنت أبحث في باطنها عن سبب عطبها،
استغرق الأمر وقتاً كان كفيلاً بضياع بعض المسامير،
لم أصل إلى شيء،
أعدت تركيبها دونها،
فظلت على تلك الحال، مفككة كوسط رقاصة آخر الليل،
مفككة أكثر من الأول،
تكاد أجزاؤها ترحل عن أجزائها،
إنها تخشى الاعتراف بالزمن، لذلك لم تعد تحتفل بعيد مولدها.
قلت لها: يا غبية، لن أرث أشياءَ، لن أورّث أشياء، لم أمتلك بيتاً أو ابناً أو حبيباً أبديّاً
حتى حبيبي القديم صارت له وجهات نظر مختلفة عني تماماً في السياسة،
وأنهيت كلامي بشكل درامي أضحكني كثيراً فيما بعد: ليس هناك أخف من كأس ممتلئة
ثم عدتُ وعدّلت الجملة وقلت: ليس هناك أثقل من كأس فارغة!
لكن المدينة، الفضولية بطبعها، لم يستهوها أن تتعرف إليّ،
لذلك فضّلتُ أن أجمع الحياة كلها في حقيبة قماشية،
يسهل تحضيرها، يسهل حملها، يسهل نسيانها على رف القطار.

****

وكأنما كنت طول عمري أحمل كرة زجاجية ثقيلة، تتشقق شيئاً فشيئاً، وكأن في داخلها ماءً مسموماً، أو حمماً، أو غاز أعصاب. كنت أتوخى الحذر كي لا تنفجر، إذ إنها لو انفجرت فلن أموت، سأُجنّ، ويتشوه وجهي، وسأظل هكذا إلى يوم القيامة، مجنونة، وشائهة، تمشي في الطرقات وهي تحمل هيكلاً معدنيَّاً كان في داخل كرة زجاجية، كانت ثقيلة لأنه بداخلها ثم خفّت.

****

وكنت كل مساء، قبل نومي، أضع تحت كل شق من شقوق الحوائط إناءً، وفي الصباح أفرغ تلك الآنية، التي تحوي مادة حمضية، في المواسير، أتحمم بها، وأخرج لمواجهة البلدة، بلسان قادر على الذبح، وقلب متحلل، أو لنقل قارَبَ على التحلل، لم يبق إلا يومان قبل أن يغمض عينيه نهائياً، ويترك للمادة الحمضية أمانة أن تأكل أرضية الغرفة، وبالتالي تأكل سقف الجيران الذين يعيشون في الدور الأرضي.

****

أنا والعالَم نشبه بعضنا البعض، أحياناً نركن للهدوء، ونذهب إلى الترعة، بجوار الأراضي المزروعة بالأرز، ونصيد القراميط، وأحياناً يصيبنا الملل من الهدوء، فنشعل حرائق هنا وهناك، ونجلس ملتذين، نستمع للطقطقة ونعدّ الألوان: أحمر، أزرق، برتقالي، هناك القليل من البنفسجي. وأحياناً نحكي الحواديت الصغيرة، مرة حكيت للعالَم عن رغبتي في أكل ساندوتش جبن أبيض، من التي كانت جدتي تعدها في البيت، ومرة حكى لي العالَم عن رجل حيّ، ليس تمثالاً قبيحاً في ميدان قبيح بمدينة قبيحة جديدة، يريد أن يأكل دون أن يضطر لغسل يديه، وأن يثمل ولا يصحو على صداع مؤلم، أن يصعد إلى قمة الجبل بلا لهث، وحين يصل إليها يجلس وتصفو نفسه، وربما يلتقط طيف الحقيقة، أو على الأقل يستخدم السماء مرآة يرى فيها نفسه. يريد أن يراني وأنا هنا وهو هناك.. قال العالَم: هذا الرجل غريب يا أسماء، غريب جدّاً، يريد أن يكون سعيدا!

مقالات ذات صلة