Kurdî
سرد

صرخة نهد – زينب هداجي

05 نوفمبر, 2018 - 825 مشاهدات
اللوحة للفنّان التشكيلي: أكرم زافى - سوريا

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

زينب هداجي

تحاول حشري يومياً في حمالة صدر اسفنجية حجمها يفوق حجمي مرتين ثم تضع فوقهما أخرى قطنية ضيقة حتى يكون المظهر أكثر تناسقاً، ليصر عملها نحتاً مرمرياً متقناً … تقف أمام المرآة لتنظر إلى منجزها الفني والفخر يفوح من ابتسامتها المقتضبة.  ترتدي قميصاً حريرياً رقيقاً … تأخذ موقعها أمام المرآة مجدداً لتصادق نهائياً على مظهرها  لهذا اليوم …
تتوجه إلى عملها مترجلة وتنسى ضجيج الشارع وصخب الناس في الطريق إلى أن تفيق فجأة على صرير الفرامل … يخرج السائق رأسه من النافذة ليشتمها لعدم انتباهها. أحس بالانكماش تحت الحمالة، كأنني بدأت أتقلص شيئاً فشيئا كأن الاسفنجة تتشربني لأختفي داخلها …

تندم لأنها فكرت يوماً في تحوير الهيأة التي جاءت بها إلى هذا العالم … أحس بأنني تحررت من سجن الاسفنجة وأن قضبان الحمالة تفككت فجأة … لم أعد أشعر برغبتها اليومية في وأدي … توقفت أمام كشك ليع السجائر اقتنت علبة من النوع الفاخر وولاعة رغم أنها لا تدخن، رمتهما في حقيبتها اليدوية وواصلت طريقها نحو وجهة لا أعلمها … إن ذلك يثير قلقي … سلوكها يزداد غرابة يوما بعد يوم. لقد نسيت أنها تقصد ذلك المكان المليء بأناس لا يعون بوجودها بينهم وإذا وعوا بوجودها فإن وعيهم لا يتجاوز بعد الاستنكار أو الاستهجان أو المحاسبة … نسيت أنني من المفروض أن أذهب إلى ذلك الركن الخانق بكراسيه الشوكية وإضاءته الحزينة ورائحته العفنة … حيث أتعرق بشدة و أحس بأن رأسي سينقطع في أي لحظة لأنها تحكم شدَّ الحمالة من حين إلى آخر … أصبحت تقوم بذلك الفعل التعذيبي بطريقة ميكانيكية خالية من كل شعور … كأننا انفصلنا عن بعضنا البعض … أي لعنة ألحقت بها من برزت بكل وقاحة عند سن البلوغ ثم توقفت عن النمو فجأة … لقد انتظرت مني الكثير و صبرت طويلاً ولم تنل شيئاً … إنني حمل ثقيل يقيم على صدرها منذ سنوات … انى ستبدأ بالتدخين الآن … فأصاب بذلك الداء الخبيثو أقضي على حياتها …

وصلت إلى المكتب.  سمعت توبيخ مديرها المعتاد الذي لم تعد تشعر به كما لم تعد تحس بي. جلست إلى منضدتها تحاول تنظيم الملفات التي تشابكت تشابكاً خانقاً… حتى تبادر إلى مسمعها صوت إلى الزملاء يطلب وثيقة ما ويضع في فمع سيجارة غير مشتعلة كأنه لم يجد ولاعة … مدته بالوثيقة وفي نفس الآن أخرجت الولاعة من حقيبتها و تجاسرت لتشعل سيجارته و هي تنحني قبالته محاولة تقليد نجمات الإغراء … أتعرَّق بشدة تحت وطأة تلك الجرأة المفاجأة … انزلقت الحمالتان وسقطتا تحت القميص الحريري … ضحك الرجل منها بعد أن سحب نفسا عميقا من سيجارته … تركها تتخبط في خجلها القاتل … أحاول تمزيق تلك الشرايين والأوردة التي تربطني بها.

مقالات ذات صلة