Kurdî
سرد

شعر الطهارة الروحية… !! – عمر ح الدريسي

03 سبتمبر, 2019 - 750 مشاهدات
العمل لـ: محسن البلاسي
العمل لـ: محسن البلاسي

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

عمر ح الدريسي

يُعد البوح أهم شيء يمكن لإنسان أن يسهب فيه، يتحدث الكاتب دوستويفسكي، عن صعوبة تقبّل فرد ما،  للوجود بين عائلته ولا يمكن له التعبير عما يعانيه ولا هم قادرون أن يعرفوا ما به. وهذا ما جعل الشاعر بودلير يقول:”إنني أود أن أرقد على مقربة من السماء كعلماء الفلك، لكي أنظم قصائدي الروحية في جو من الطهارة. وأن أكون راقداً بجوار أجراس أصغي إلى أناشيدها المهيبة التي تحملها الرياح، سابحاً في أحلامي”. “حين أطل من علِّيتي، وقد ذقنت على راحتي، سأشاهد العمال في مصنعهم ينشدون الأغاني ويلغطون، وسأرى المداخن والأجراس، وصواري المدينة، والسماء المترامية الأطراف التي تجعلنا نفكر في الأبدية.”.

 

عندما تنضج في عوالم الإنسان النفيسة حكاية ما، كما ينضج الثمر على أغصان الشجر، فإما أن يُقطف في حينه، أو يُترك ليجف حتى يسقط كأعشاب الخريف مهملا،فتحمله الرياح أنّا كانت وجهتها. كذلك الأمر حين تنضج حكاية حزينة في نفس الانسان ولم يجد لمن يحكيها، حكاية كأنها بحكيها تكون الوسيلة الأخيرة، التي حينما يُعبَّر عنها، تُرجع صاحبها للإيمان بالوجود مرة أخرى، أو تعطيه بريقا آخرا،  بولادة حياة جديدة، لكن و يا للأسف، لا يجد أحداً من يحس به، فكيف لمن يُصغي له ويُنصت لما يحكيه.

 

للأسف، فالوجود بين أُناس وجموع لا يرون إلا ما يمكن ان يُسقطهم في الحفر، ولا يسمعون الا ما يُركنهم إلى اقتيادهم للسيطرة على تفكيرهم والاستيلاء على اهتمامهم وتدجين فهمهم.  يقول الشاعر بودلير:

– “يا كلبي الجميل، يا كلبي الجميل، تعال يا عزيزي توتو! اقترب، تعال استنشق هذا العطر الممتاز الذي ابتعته من أجود بائعي العطور في المدينة.” “اقتربَ الكلب، وهو يحرّك ذيله، وهذه علامة على ما أظن، عند هذه المخلوقات المسكينة، تدل على الضحك والابتسام، ووضعَ بفضولٍ أنفه المبلل على القنينة المفتوحة، ثم أخذ، وهو يتراجع فجأة فزعاً، ينبح نحوي بأسلوب عتابي”.

 

– “آه، أيها الكلب التعيس، لو كنتُ قد أهديتكَ علبة غائط، لشممتها بلذة ولربما لا التهمتها. وها أنت، يا من ليس جديرا بأن يكون رفيق حياتي، تشبه الجمهور الذي لا ينبغي أبداً أن تُقدَّم له العطور الرقيقة التي تغيظه، بل قاذورات اُنتقيَت بعناية.”.

 

فعندما يصبح البشر على كثرة رغباتهم وتنوع مُبتغياتهم، إلا أنهم لا يمثلون شيئاً لمن لا يمكنهم فهمه، ولا قدرة لهم للإنصات ولا للتروي، إذ هم غارقون في الحسابات التافهة التي تنتج تجاذبات فارغة، يصبح أنين الكره الضمني بشتى ألوانه الكئيبة هو السائدبينهم والتّوجّس هو المُعتاد البائن ذاتياً وبينياً واجتماعياً حولهم، مما يفرض  على مُرهف الاحساس بينهم، صادق المشاعر على غير  أنانيتهم، أن يكون متوقد البديهة بخلاف ضعفهم،  نشيط العقل  مُتخطي لكسلهم، حاضر الوعي مستنير على غبائهم، حيث أوردالشاعر آرثر رامبو: “إن بودلير لهو أمير الشعراء.. إنه إله حقيقي للشعر.”.

وُجد الشاعر بودلير في فترة تحول اجتماعي أوروبي، كانت حبلى بالصراعات القيمية والفكرية والاجتماعية حيث عايش جيل العظماء في الفكر والفلسفة والعلوم والآداب، أمثال: شوبنهاور، داروين،نيتشه، هيجل، كانط، ماركس، هوجو، فلوبير، أوغست كونت وغيرهم)، مما صقل شخصية الشاعر الفذ فيه، ومارس حريته في القول والفعل والإرادة في التعبير، حتى أمكنه تصوير ما يختلجه بأرقى وأعمق ما يمكن أن يتذوقه الإنسان بذائقته الواعية والثرية المتشبعة بالقيم والمثل العظمى.

 

فليست قساوة الظروف التي صادفت بودلير الابن في العائلة غير المستقرة، ولا قساوة الظروف الاجتماعية نفسها التي كان يتمخضها المجتمع الفرنسي حينها ولا قساوة زوج الأم داخل البيت ذي الطابع السلطوي الفظ والجاف، كل ذلك وبودلير له ما له من نفس شاعرية وروح خفاقة كطائر لا يهفو إلا إلى الحرية والشدو، غير آبهٍ بالعواصف ولا بالأمواج ولا ما بما يُقال عن تقلب الفصول وقساوة الطبيعة وغدر الزمن، ولا بما يُحكى عن تقلبات الدهر وتخلي بني البشر وقت المحن، وبما تأتي به تصرفاتهم الأنانية وقت الحاجة في الحق بالثروات المشتركة وتقاسم الموجود بعدل. ولهذا يقول بودلير: “عليكم بالثمالة إلى الأبد. هذا كلُّ ما هناك: إنّها المسألة الوحيدة. وحتّى لا تشعروا بأوزار الزمن الفظيعة التي ترهق كواهلكم وتحني ظهورَكم، عليكم أن تسكروا بلا هوادة. لكن بمَ؟ بالخمر، بالشِّعر أو بالفضيلة على هواكم. لكن اسكروا”.

 

ظروف لم تَرُفْ ومجتمع لم ينصتْ، مما أثر في نفسية الشاعر الذي لا يمكن له إلا أن يعبر لا أن يخنع، لا يخنع، لا يتدنى أو يتنازل عن إنسانيته. فمهما علا صوت القوي، لتحجيم صدى الشاعر، وانتشر دوي الرعب والتخويف والدفع بالجميع للتكالب عليه باستغفال العالم واستغبائه بكثرة الضجيج مثلما تكالبت على الشاعر كل الظروف، هكذا سرى أنين الظلم يتسلل بين الأعراف والتقاليد إلى أن صدح صوت الشاعر على عكس كل الأصوات، يعم صداه كل الآذان، يُنذر  بالسؤال عن قيم وكرامة الانسان.

 

ذاك ما كان عليه الشاعر بودلير، حيث أتى ديوانه أزهار الشر، بتقديم الكاتب الوجودي أو الأستاذ كما يلقبه صاحب الحفر المعرفي ميشيل فوكو، الذي قال عن بودلير: إنه يشعر بالضجر وهذا الضجر: “تلك العاطفة العجيبة التي هي أصل كل أمراضه وكل نجاحاته البائسة”، ليس حالة عارضة أو كما يدّعي هو أحياناً ثمرة عدم فضوله القرف: إنه “الضجر النقي من الحياة” الذي تكلم عنه الشاعر فاليري، إنه الطعم الذي يملكه الإنسان لنفسه بالضرورة إنه طعم الوجود:

أنا غرفة انتظار عتيقة
مليئة بالورود الذابلة
يملؤها خليط عجيب
من أزياء فات زمانها
ولا يتنفس فيها عبير عطر مسكوب
إلا الرسوم النائحة
ولوحات بوشيه الشاحبة.

ويضيف سارتر في قوله عن شعر بودلير، “هذا هو المنظر الداخلي لبودلير والمادة الأزلية التي صنعت منها أفراحه وغضبه وأحزانه.  وها هو تناسخه الجديد: بعد أن سدّ عليه حدسه، بتفرده الصريح، المنافذ كلها، يدرك أنه وقف على كل إنسان. فسار في طريق الوضوح ليكشف عن طبيعته المتميزة وعن مجموع الملامح التي تستطيع أن تجعل منه الرجل الذي لا يمكن تعويضه. أما، ما وجده في طريقه، فلم يكن وجهه هو، لكنه الأنماط الغامضة للضمير الكوني. فالكبرياء والوضوح والسأم كلها واحدة في نظره. ففي داخله وعلى الرغم منه، يصل ضمير المجموع إلى ضمير الفرد ويتعارفان.”.

الضمير الحي، الذي غالبا ما جعل بودلير متوقدا، يحترق باستمرار، غير انه لا يجد ضالته إلا في العبارة وهو غارق في التأمل حتى الثمالة، كالعابد الناسك في محراب معبده، يقول بودلير:”وإذا حدث أن استيقظتم، مرّةً، على دَرَجات قصرٍ، أو على عشب مجرى ما، أو في وحشة غرفتكم الكئيبة، وقد خفّت النشوة أو آلت إلى الزوال، اسألوا الريحَ، الموجَ، النجمَ، الطيرَ، ساعةَ الحائط، كلَّ ما يجري، يعول، يدور، ينطق، اسألوها كم الساعة وستجيبكم الريحُ، الموجُ، النجمُ، الطيرُ، ساعةُ الحائط: “إنّها ساعة السّكر ‍وحتّى لا تكونوا عبيدَ الزّمن المعذّبين، اسكروا، بالخمرة، بالشِّعر أو بالفضيلة، كما تشاؤون”، لتتطهروا وتتخلصوا من كل ما يثقل صدوركم ويؤرق ضمائركم.

مقالات ذات صلة

اللوحة للفنّان التشكيلي: أكرم زافى -سوريا
نوال العلي

نوال العلي

14, نوفمبر, 2018

أحاول أن أكون طبيعيَّة – نوال العلي – يوميات

في شتاء 2013 قضيت وقتاً طويلاً في إحدى المستشفيات في بريطانيا، ومن شدة الملل بدأت في كتابة رسائل إلى..

المزيد
محسن البلاسي-من مجموعة: دمية تلعق الخيط الساقط من أعلى
Rê Platform

Rê Platform

10, أبريل, 2019

الجثثُ الآليَّة – مصفوفة جماعيَّة

سيوجهون إلي تهمة الإخلال بالآداب العامة.
في السجنِ سأبصق على  باب الزنزانة

المزيد