Kurdî
سرد

(سَرْدِيَّةُ العِبادِ و الاسْتِبْدادِ) في “آخر الرعية ” لـ “أبو بكر العيّادي” – نزار غالب فليحان

25 سبتمبر, 2019 - 537 مشاهدات

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

كيف ينحتُ الديكتاتور صورتَه، كيف يتلاعبُ بالتاريخ ليمتدَّ أصلُهُ إلى الجبابرة الأولين، كيف تُزَيَّفُ الحقيقةُ وتُعْمى الأبصارُ، كيف تذعن الجماهير لإرادة طاغية حتى في تقرير مصير وطن، كيف تتيسر لطاغية بطانة همها الإعلاء من شأنه ما أمكن والحَطُّ ما أمكن من قدر الشعب.

ليست هذه أسئلة عصية بقدر ما هي حقائق عن مصائر موجعة، حقائق جعلها “أبو بكر العيّادي” جسداً لروايته، مسكوناً بكل رعب، مثقلاً بكل ذل، منهكاً تحت نير العبودية.

على بلاط الديكتاتور و في سراديبه، وفي ساحات العوز والفقر، وتحت سياط التعذيب في زنازين القهر، وفي حمأة حياكة المكائد والصراع على النفوذ، سَطَّر “أبو بكر العيّادي” حكاية “عربانيا” الاسم الذي اختاره لينطبق على كل حالة عربية قمعية تلغي الشعب حَدَّ الفناء وتعلي مقام السلطان حدَّ الألوهية عبر سرديات ثلاث لكاتب القصر والديكتاتور وآخر الرعية.

لا تبتعد سردية الكاتب كثيراً في مضامينها عن سردية الديكتاتور، فأحداث الاثنتين وقعت في فضاء واحد وبعناوين واحدة لذات الشخصيات، وقد تبدو سردية الكاتب أقرب إلى الاعترافات، في حين نجد الديكتاتور حراً طليقاً في حكايته، لا يخشى في وقاحته لومة لائم.

تصدرت الرواية سردية كاتب البلاط الذي كان شغله الشاغل تلميع صورة الديكتاتور وتبرير فعائله وتزيين ماضيه وامتداح حاضره واستشراف مستقبل ناصع له، فنجده يحضر رساماً محلياً ليرسمَ الديكتاتور ويُقْتَلَ بجريمة رسم الأخير كما هو، ليُسْتَبْدَلَ برسام فرنسي يوعز إليه أن يجمل الديكتاتور، فيفعل، ويرضى الديكتاتور ثم يأمر بأن ترسم صوره بأشكال متعددة تغطي كل الجدران والمؤسسات والبيوت والساحات بدعم مالي من الرعية، ويبلغ صلف الديكتاتور حدّاً سَوَّلَ له أن يمنع الرسام من السفر إلى بلد مجاور لرسم ديكتاتور آخر إلى أن يقضي في البلاط حبيس الملذات وإرادة السلطان.

يحتفل الديكتاتور بعيد ميلاده مرتين مرة هجرياً و أخرى ميلادياً، وفي كل ميلاد يقام مهرجان شعر وينشد الشعراء قصائد المدح والتبجيل فيغدق الديكتاتور على أفضلهم ويقربه منه. ويحدث أن ينسل شاعر في إحدى المناسبات ويلقي قصيدة يهجو فيها الديكتاتور على المنبر أمام الملأ، لتعزل الوزارة كلها مع الكاتب، وتحرق قرية الشاعر وتسمل عيونه ويقطع لسانه وتسد كل فتحات جسده ويترك في عراء الشمس حتى يموت، ويأمر الديكتاتور بفتح حمامات عامة باسم الشاعر الذي صار مجازاً للتبرز والتبول.

يتزلف الكاتب ويسترضي سيده حتى يعاد إلى القصر بمهمة مهاجمة الغرب المتآمر على الديكتاتور  والبلاد، ويأمر إعلامياً أجنبياً بتأليف كتاب وإخراج فيلم وثائقي عن الديكتاتور حاول عبرهما تلميع صورة الأخير، إلا أن ذلك أتى بردة فعل سلبية أكد الغرب من خلالها عدم شرعية الرئيس، فيطالب الديكتاتور بانتخابات لإقناع الغرب بأنه شرعي، الانتخابات التي مُسِخَتْ إلى اقتراع ثم بيعة، ومع ذلك يأتي الاقتراع بكارثة رفض الشعب، الرفض الذي استبدل بإعلان الفوز بنسبة مطلقة، ما بعث إلى سخرية الآخرين بهكذا حكم وبهكذا نتيجة، فيفشل الحاكم في غسل وصمة الديكتاتورية.

زاد بطش الديكتاتور وصار الجميع في مرمى غضبه، حتى “العرباوي” رجل القمع والبطش الذي أُقْصِيَ عن البلاط والحكم بسبب زلة لسان تندرت بنتائج الاقتراع. والذي هرب ليشن على الديكتاتور حملات نالت منه ومن حكمه عبر وسائل إعلام غربية، إلى أن يتمكن الديكتاتور من اختطافه وإعادته إلى البلاد وتصفيته في حفل تعذيب وتنكيل وتشويه وقتل ليس له مثيل.

بات الديكتاتور نفسه يشكو ذل رعيته ووضاعتها، يراهم لا يتفوهون وإن تفوهوا لا يتحملون وزر ما يقولون. ليصير إذلالهم سلوته، مرة يجعل من “شهرزاد” قاصة مبدعة ساهرت “شهريار” ليس لإنقاذ بنات جنسها إنما لأنها أديبة فذة، ومرة يجعل من “شكسبير” الشيخ زبير ذا الأصل العربي، وفي كل مرة كانت الرعية ليس فقط تصدقه وتؤيده، بل تعقد المؤتمرات والندوات والمهرجانات التي تتدارس أفكاره “الخلاقة”، يتعاظم عبث الديكتاتور فيجعل المفتي يشرب الخمر، ويتمنى سماع صوت الحقيقة الذي حين سمعه من “المهدي” المعتقل السياسي استشاط غضباً لأنه لم يتخيل أن تصدح كلمة حق في بلاطه المثخن بالاستبداد.

في الأثتاء كانت ثمة حرب بين ابن الديكتاتور والكاتب عنوانها الصراع على النفوذ، انتهت بمكيدة أعدها الكاتب ليوقع بين الأب وابنه بتقريب الأخير من مغنية القصر البوسنية الفاتنة التي يعشقها الأب والتي تنتحر تالياً لأن الابن اغتصبها. فيأمر الديكتاتور بإخصاء كل رجال القصر حتى الكاتب الذي كان بدوره قد تخلص من أعوانه في مكيدته تلك.

ينشغل الديكتاتور عن الحكم في حزنه على المغنية، فيبدأ الشعب بالتململ و ينذر بحراك مناوئ للسلطة، ثم يعود الحاكم أقوى، ويقترح الكاتب إطلاق سراح المساجين وجعل غاية الشعب الحصول على لقمة العيش، فيولى الكاتب رئيساً للحكومة، يلهي الشعب بالفنون والرياضة وكل ما من شأنه عدم الالتفات إلى أي حراك سياسي، لكن الكاتب ينتحر بعد أن يكتشف الديكتاتور المكيدة وتنهار الدولة وتتكالب عليها أعداؤها وتتفتت البلاد بانشقاق الولايات عنها، ليهيم الحاكم على وجهه في بلاده الخَرِبة.

وتبلغ الرواية ذروتها في سردية “المهدي” آخر الرعية، حيث تتسع مساحة الحكاية ويتراجع رصد الوقائع المتصلة بالحكم والحاكم وتنزل الحكاية من القصر إلى الشارع وأطراف البلاد والأزقة المدمرة وزواريب الفلتان والتشرد والجريمة، هناك يتسنى لآخر الرعية “المهدي بن جابر” المعتقل السابق أن ينتقم من الديكتاتور الذي بلغ أحطَّ حالاته و أضعفها، أن ينتقم ليس فقط لما ناله من الظلم والتعذيب وليس فقط لرفاقه المعتقلين ولكل شعب “عربانيا”، بل لحبيبته “شامة” أخت صديقه “عبدون” الذي قتله الديكتاتور بعد أن حَرَّف كلمات الأخير لتصبح هجاءً، حبيبته “شامة” التي سباها الديكتاتور وتزوجها ليلة واحدة، ليطفئ فيها بهيميته – كما اعتاد أن يفعل مع عذراوات “عربانيا” – ويرميها لضباطه ومعاونيه في القصر، لكن “المهدي” لا ينتقم، بل يترك الديكتاتور في عرائه بعد أن خُلِعَتْ عنه دعائم السلطة، يتركه نهب جنونه وتشرده بعد صلف وغي لم يفارقاه حتى وهو في قاع الذل والعزلة حين راح يبحث عمن يكاثر له رعية يحكمها من جديد.

تلك الذروة انتهت بولادة جديدة في “عربانيا” تمثلت بحمل “شامة” من “المهدي”، وولادة جِراءٍ لـ “مسرور” كلب “مهدي” الوفي من كلبة عثر عليها في الخلاء، وولادة ديكتاتور جديد هو “صالح الإمام” أحد أعداء الديكتاتور الأول، سيسير على نهج سلفه يخضع الناس ويذلهم ويسرق البلاد ويبني لنفسه سلطاناً على دماء شعب عاش مقهوراً ومات ذليلاً.

أتقن “أبو بكر العيّادي” عرض حال “عربانيا” عبر سردياته الثلاث التي -رغم الفصل بينها – تتضافر حول فظاعة استبداد الحاكم وفظاعة السكوت على استبداده بلغة منسابة متماسكة دَبَّجَها ببعض المفردات الاستثنائية التي ربما اضطرت القارئ إلى مراجعة قاموس أحياناً.

“آخر الرعية” – وهي رواية أولاً – وثيقة للتاريخ تقول : إن ظلماً مَرَّ من هنا ، و”آخر الرعية” – وهي وثيقة تالياً – رواية شقيقة لكل الروايات التي فضحت الاستبداد.

مقالات ذات صلة

اللوحة للفنّان التشكيلي: أكرم زافى -سوريا
حسن عبد الموجود

حسن عبد الموجود

30, سبتمبر, 2018

السهو والخطأ – حسن عبد الموجود

كانتا ترتديان بلوزتين وتنورتين قصيرتين، وأعطتني إحداهما ورقة بها جملة واحدة “لا تَقُل رأيك قبل أن نسكر”.

المزيد
اللوحة للفنّان التشكيلي: أكرم زافى -سوريا
نوال العلي

نوال العلي

14, نوفمبر, 2018

أحاول أن أكون طبيعيَّة – نوال العلي – يوميات

في شتاء 2013 قضيت وقتاً طويلاً في إحدى المستشفيات في بريطانيا، ومن شدة الملل بدأت في كتابة رسائل إلى..

المزيد
اللوحة للفنّان التشكيلي: أكرم زافى -سوريا
إعداد واختيار: كرمل علي

إعداد واختيار: كرمل علي

01, أكتوبر, 2018

دفترُ القارئ -مختارات – كرمل علي

أنت لست الجواب
أنت لست المشكلة
ولا القصيدة
ولا اللغز

المزيد