Kurdî
سرد

ساعة سايكو تعمل بنبضات القلب – أحلام الطاهر

22 فبراير, 2021 - 1219 مشاهدات

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

في حوار حول فيلمها الأخير un divan à tunis  للمخرجة منال العبيدي، تقول الممثلة الإيرانية غولشيفته فرحاني إنها مأخوذة برقَّة التوانسة، نساءً ورجالاً “حتى طريقتهم في الفكاهة في غاية الرقة.. يبدون مغلفين بالقطن”. وأتذكر الثانوية، كان المدير يجرنا كالكلاب من أجل مسابقات ماتيماتيك وعَروض وتفسير قرآن مع المعاهد الأخرى، يهجم علينا وسط الدروس ونحن على حافة النعاس كي لا نهرب. أحلام فاخر أمين هيا.. وكنا نذهب لنربح، لكن الاتفاق واضحٌ على الأقل بالنسبة لي: يظل هو مزهواً بالجوائز التي يحصل عليها، لكني لن أغنّي في حصة الموسيقى، إن غبتُ لن أُسأل عن شهادة طبية وإن رأيتُ من الشباك سيارة إسعاف تعرّج نحو بيتنا أغادر الدرس.. كانت جدتي كثيرة السهو وبسببها حتى اليوم لا تزال وساوس إطفاء الكهرباء وإيصاد الأبواب والنوافذ وإقفال اسطوانة الغاز تعذب عقلي. لكن الرقة؟ ماهي الرقة؟ هل كانت في السؤال، في الإشارة، في سهرة ما، عشاء عيد ميلاد؟ في ” يا بنية عندكم توت”؟ ..”رقيتك من عيون اللي يحبوك”.. أخرج لأتمشى في الليل على طريق العين فتتبعني أشباح من بعيد حتى تتأكد أنني عدت إلى البيت بسلام، وقبل أن أتجاوز قبور اليهود المنسيّة إلى كهف الحمام، يستوقفني أبناء خالات وعمومة “مش كإنو الوقت تأخر شوي؟” ” لا.. خليني نوصل للعين”.

 

لا أنام قبل أن ألمسَ الماء.

 

الرقة ربما في الرسائل التي تصل بشكل ما بين كتبي من أشخاص لا أعرفهم تقول:” مخبولة قلبكِ قاسٍ جئتِ من الساقية الحمراء أو من فاس؟”، تعقبها رسائل تهديد بسبب المسابقات “لو نمسكُ بكِ سَـ “..” لو نجدكِ سوف..”  أرد عليها بكلمة واحدة أكتبها على الأردواز وأبقيها على الطاولة قبل أن أغادر:”لـو”.

 

أليس لديهم أعداء؟ يعيشون على مفاجآت تأتي بحفنة من المال أو تأخذ إلى السجن؟ ألم يُطلّ بن علي من على شاشة التلفزيون بشعره المُصفّف بعناية المضمّخ بالزيت؟ هل أقول لهم الحقيقة؟ البرج يحتاج إلى ترميم من سيقوم بهذه المهمة؟ ماذا يعرفون عن الجنوب عن هذه المدينة التي هي مدينتي.. عن أهلي الذين تعفنت جثثهم في أقبية النظام؟ أنا أعرف كل حجَرٍ وكل رقعة عشب، دُرّبت على حفظ خرائطها الظاهرة و نقوشها الخفية، أحفظ الأنساب وأماكن المعادن وطرق التجار واللصوص والمسافرين ومهرّبي السكّر والزيت والشموع ومواد البناء، وفي جيبي مفاتيح مزارات الأولياء.. وسيأتي يومٌ يسمع فيه مهادنو السلطة، المخدوعون الرافلون في الراحة، صليل أسلحة قادمة من هنا، من الحوض المنجمي، من القرى الصغيرة القابعة وسط الخريطة وعلى أطرافها النائية أو على قمم الجبال.

 

لم يكن في بيتنا روايات أو قصص، فقط مخطوطات غريبة تضحكنا أسماء مؤلفيها “ابن ضربان الشرياقي” وكتب الأعشاب والطيور والتفسير وطبقات المتصوفة وترميم الفسيفساء ونسخة وحيدة من ملحمة جلجامش لخصتُها في ثلاث جمل واستغنيتُ عن الكتاب:

 

“في أوروك المنيعة فأس مطروحة تجمعوا عليها”

 

“تحلّق أهل أوروك بها”

 

“تدافع الناس إليها”

 

أعيد القراءة حتى تنفكّ الحروف وتمّحي الكتابة وتتأجج نار الفأس التي ستدكّ قلوبكم الفاسدة بالكراهية واللامبالاة. ستدكّ الفتور والكسل والتناوم.

 

ماذا أنتظر؟ الوقت منفلت في الجنوب، ولكلٍّ زمنه الذي يحيا فيه، ولكلٍّ زمنه الذي لا يلتقي مع أزمنة الآخرين.. أنتظر وعيناي مفتوحتان بدون أن أعرف ماذا أنتظر. كما لو كانت تلك الفأس مختبئة هنا وهي على وشك أن تظهر. لكن لا أحد يصنع مصيره بإرادته، انطفأت عينا أبي الخضراوين فجأة من حياتي وحولّني موته إلى شخص لا يستجيب كثيراً للألعاب ولا يصفق لأحد، كنت أنمو مثل غصن أعوج، لا أستأنس إلا بمداعبة أسماك السواقي ومراقبة ساعة تركها لي. ساعة سايكو تعمل بنبضات القلب لا تزال عقاربها تشير بدقة إلى ساعة موته. احتفظتُ أيضاً ببيجاما ضيّقة أهديته إياها ورفض أن يستبدلها، وكان يتعمّد أن يلبسها ويمشي أمامي كعارضات الأزياء.

 

ليست المنامة الضيقة.. الصخرةُ التي هشّمت عظامي، كانت تلك الساعة، تعلو أكثر في كل مرة لتهوي عليّ بقسوة أشد.

 

لكن الرقة تحدث يا غولشيفته حتى وأنت تشاهدين قطيع ذئاب يهاجم قطيع غزلان على التلفزيون بعد مداهمة يُجر فيها الشباب من أبواب المسجد الكبير فجراً بتهمة الإخونجية. ثم يحلفون أمام البوليس بالله العلي العظيم إنهم مش إخوان.

 

في أحد الأيام أرسلوا لي شخصاً كي يهدِّدني أو يضربني ربما، معضلة تلك المسابقات الغبية مجدداً.. وقف أمامي في طريق ترابي ضيق: “أنتِ أحلام؟”

ضراوة الرياح الشرقية كانت تحجب الرؤية. نظرتُ إلى الأزقة الخالية، إلى الجامع القريب، الأبواب مُغلقة مطارقها تشكّلت من أيد حديدية ورؤوس أسود وأفاع ملتوية.. لا اتجاه لي، لا مكان للاختفاء. رفعتُ رأسي ورأيت جمالاً شفيفاً يتفوق على جمال النساء في كليبات تلك الأيام، كان جمالاً مؤذياً شعرتُ نحوه بالأسى وفكرت: وأنت لأي شيء تريد أن تثأر؟ هل كان أجدادكَ مع قتيبة وأجدادي مع الكاهنة؟ جئتَ لتُكمل بقية الحكاية؟ لعله فراغ القلب وفراغ الروح وفراغ المدينة وفراغ العالم.. تحب أن تمنح هذا الفراغ شيئاً من المعنى؟ هل يخطر على بالك البرج؟  كان يرتجف بانتظار الجواب ولو قلتُ “لا” لأنقذتُه قبل أن أنقذ نفسي، لكني قلت “آنا أحلام وإنتَ؟ سيدنا يوسف؟” فخطا خطوة إلى الأمام ثم إلى الوراء وانفجر بالبكاء.

هذه هي الرقّة إذن.. رقّة أولئك الذين تجرحهم الرقّة، رغم أنهم لا يشبهوننا ولا يعرفون الأوقات السيئة حين يتوجب عليك أن تضرب وتتلقى الضربة.

احدث المقالات

أحلام الطاهر

أحلام الطاهر

22, فبراير, 2021

ساعة سايكو تعمل بنبضات القلب – أحلام الطاهر

في حوار حول فيلمها الأخير un divan à tunis  للمخرجة منال العبيدي، تقول الممثلة الإيرانية غولشيفته فرحاني إنها مأخوذة برقَّة التوانسة، نساءً ورجالاً “حتى طريقتهم في الفكاهة في غاية الرقة.. يبدون مغلفين بالقطن”. وأتذكر الثانوية، كان المدير يجرنا كالكلاب من أجل مسابقات ماتيماتيك وعَروض وتفسير قرآن مع المعاهد الأخرى، يهجم علينا وسط الدروس ونحن على […]

المزيد
العمل لـ غادة كمال
رائد سلامة

رائد سلامة

03, ديسمبر, 2020

رائد سلامة يكتب \سبعة

المزيد

مقالات ذات صلة

الشاعر العراقي: ناجي رحيم
ناجي رحيم

ناجي رحيم

24, مايو, 2019

Rê تحاور الشاعر العراقي: ناجي رحيم: العالم أرجوحةٌ من فَقد

سأخرمش وجه العالم كما يفعل أيّ قط. قد يكون هذا هو العبث

المزيد