Kurdî
سرد

حول «جوائز الرّواية العربيّة».. سؤال القيمة وعوامل التاثير وانتشار الأعمال الفائزة على مستوى التلقي؟-   عادل آيت أزكاغ

25 نوفمبر, 2019 - 279 مشاهدات

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

   عادل آيت أزكاغ- ناقد أدبي مغربي (تحقيق ودراسة)

 

يسلّط هذا التحقيق – والدّراسة في آن- الضّوء على قضيّة تخُصُّ “جوائز الرّواية العربيَّة” لمعرفة، إن كانت ولا تزال تعطي أهميَّةً ما للعمل الروائي؟ حتى إذا سلّمنا بوجوده، فما نوعيّة هذا العطاء المُصرّح به ضِمْناً، وما هي سِماته ومِرقاته وعلاماته المميزة بالضبط؟ وهل تساهم الجوائز في ارتفاع نسب المبيعات للأعمال الروائيَّة والتّرويج لأسماء كُتّابها وتكريس الحضور لهم ولإبداعاتهم اللاّحقة؟ وكيف تساهم أو لا تساهم في ذلك؟.. كانت هذه الأسئلة موجّهة لتشكيل الملامح العامّة لهذه الدراسة التي أضيفت إليها أسئلةً أخرى انبثقت من رحم ما أثاره موضوعها هنا من قضايا، حيث نُقدّمها إلى القارئ الكريم، مُستقلّة بذاتها لأجل كل غاية مُفيدة مرجوّة منها، باعتبارها تحقيقاً فرديًّا خاصًّا ضمن تحقيق أعمّ يمكن أن تنفتح عليه، في محاولتنا لمقاربته والإحاطة به جواباً على الأسئلة المذكورة وأسئلة مُغايِرة من قبيل: من تستهدف جوائز الرّواية العربيّة؟ وإلى أين تتّجه؟ أين تكمنُ قيمتها أصْلاً؟ أتمنح حقًّا هذه القيمة – المُفترضة- الأهمّية المستحقة للأعمال المُتوّجة بها؟ وهل تصل الرّوايات الفائزة بها إلى جمهور واسع من القُرّاء؟ كيف ذلك، وما درجته وكيفيّة قياس نسبته؟ وهل هناك عوامل ووسائط وآليات أخرى مساعدة ومؤثرة أكثر من الجائزة؟ فما هي وما طبيعتها إنْ وُجِدت؟ وكيف تُسهِمُ مُجتمعةً هي الأخرى في وصول الرّوايات وغيرها من الكتُب إلى أكبر نسبة مهمّة من القراء المُحتملين، وفي تحقيق مبيعات جيّدة ومُرتفعة لها في أماكن عرضها؟.. هذه الأسئلة وغيرها، جزءٌ ممّا نسعى إليه في طرحها عسى أن يتمّ الفكير فيها والعثور على إجابات محتملة لها.

تمهيد

تعني الجائزة في أبسط  معانيها المتعددة – حسب تصوّري- المكافأة، وثمرةُ الجهدِ والأخذ بعد العطاء، والنتيجة الإيجابية، والعلامة الحسنة الممتازة. أمّا حين نربط هذه الجائزة بميدان الثقافة وفنّ الأدب وأصنافه النّوعية، فإنّها تدلُّ على الكشف المفاجئ للطاقات الإبداعية الخلاّقة، الحاملة لملكات ذهنيةٍ استثنائية، تتجاوز من سبقها ولا تكرّر نفسها كما لا تجترُّ غيرها، بوصفها مواهب مُتطلّعة إلى العُلا، واعدة لا تكون إلاّ مُجدّدة بالتاكيد، تغيّر بالضرورة كذلك وتطوّر بالمهارة في مجال إبداعها الكتابي. وهو كشفٌ يتمُّ من ذواتٍ/ ذاتٍ خالية من الأهواء الهوجاء، ولا تميل أبداً إلى حيث هبّت كل ريحٍ ولا تسير معها أنّى تميّدتْ ومالتْ، بقدر ما يُرجى منها أن تتسم (كما ينبغي لها) باستقلالية في النّظر والتفكير والتعبير، وبالخبرة الثقافية والفنيّة، والتجربة الذوقيّة الأدبيّة الجماليّة الرّفيعة، فالنقد السليم، ثم بالرّأي السّديد الحكيم الذي يصيب الجائزة في جوهر معناها، وفي دلالتها العميقة المؤشرة على الاِستحسان الجميل والجزاء المعقول المُنصف والنبيل، لقاء عملٍ تستهدف الجائزة غايتها منه، لأنّ فيه خيالاً مُشرِقاً، وإفادة تُرى، وقيمة رمزية تُستشعر ولا تخلو من وجاهةٍ أصيلة يكتسبُها كشُغل إنسانيٍّ طريفٍ غدت له أهمية حقيقية، وظيفية ودلالية، يكتسِيها كخلقٍ مُنجز على غير مثال، مبتكر على منوال مُدهش، مهيب وعجيب، جديد وممتع وفريد. لذلك فإنّ صاحبها ينالها بناءً على هذه التقييمات والمعايير التي يتلّقى وفقها منحاً، داعياً إلى التنويه والإشادة والتشجيع والإعتراف الجدير باستحقاقه لها.

من هذا الباب (أو المُنطلق)، يمكن القول بأن لا أحد ينكر الدور المهم الذي تلعبه الجوائز عموماً، والتي منها خصوصاً «جوائز الرّواية العربيّة»: (البوكر- (الإمارات)/ كتارا (قطر)/ جائزة نجيب محفوظ (مصر)، جائزة الطيب صالح (السودان)، وراشد بن حمد الشرقي (الإمارات)، ثم جائزة الرّوائي اسماعيل فهد إسماعيل (الكويت- دار “العين” للنشر- مصر)…)؛ سواء – من جهةِ- خدمتها للغة العربية والسّموّ بها، أو – من جهةِ- حفزها للكتاب الروائيين بدعمهم مادّيّاً- ومعنويًّا، كي يكتسبوا الثقة في أنفسهم، وتتهيّأ لهم الظروف المواتية المساعدة والمناسبة لمواصلة الإنتاج والإنجاز دون توقُّف؛ أو – من جهةِ- دفعها، صراحةً أو ضِمنًا، لقاطرة الثقافة العربية كي تتقدم حثيثا إلى الأمام، في سياق التنافس الشريف المحمود بين هذه الجوائز المتباينة ورعاتها الساعين إلى التحوّل إلى مراكز اهتمام واستقطاب وجذب ثقافيٍّ إبداعيٍّ عربيّ.

 

  الجوائز الرّوائيّة العربيّة وصِلتها بأهمّية العمل الرّوائي

بينما السؤال عمّا إذا كانت هذه الجوائز تعطي أهمّية مّا للعمل الروائي؟ فالإجابة عليه، ستفسّر – من زاوية أولى- أنّها تمنح بالطبع أهمّية للعمل المُتوّج بها، من خلال التعريف به وتقديمه على أنّه الأفضل والأمثل، الذي يعكس شهادة أعضاء لجنة التحكيم واختيارهم له واتفاقهم حوله كعمل مهم وجادّ، من بين جميع الأعمال الروائية المختلفة المُرشّحة للجائزة والتي يبلغ عددها حيناً (200- مؤلّفاً)، بل وتتجاوز هذا العدد في أحيان أخرى بكثير على الأغلب.

لكن من – زاوية ثانية-، وبالنظر إلى ما يصاحب عادة (واستثناءً- قليلاً أو كثيراً) الإعلان عن الفائز وعمله الإبداعي، مِن همسٍ وهمزٍ ولمزٍ، سرعان ما يتحوّل إلى ضجيج مثير للغطٍ ونقدٍ وجدلٍ مسموع من نُقّادٍ وكُتّابٍ مُبدعين وروائيين؛ وما يُرافق الإعلان ذاته، مِن ارتباكات تطال أحياناً لجنة التحكيم والجائزة معاً، وما يعتمل وراء ذلك من ظروف بدتْ للغير، ربما مشوشة لبعضٍ دون آخر، استدعت – في نظره- منحها على طريقة مّا، بشكل داعٍ إلى التشكيك في مهامها، كما حدث أخيراً في “جائزة البوكر” فور فوز رواية «بريد الليل»[1] – دورة (2019)- للكاتبة اللبنانية “هدى بركات” (1952) بها، وما حدث أيضًا قبلها كما هو الحال بالنسبة للفلسطيني “ربعي المدهون” (1945) عن روايته «مصائر؛ كونشرتو الهولوكوست والنكبة»[2] – دورة (2016)، والتونسي “شكري المبخوت” (1962) عن روايته «الطلياني»[3] – (دورة 2015).. إذ كلاهما أُثير أيضًا نقاشٌ حولهما، وطالهما نقد سلبي في عملهما، هذا من دون أن نغفل ما كُتب عنهما من نقد إيجابي كذلك، وما انطبق على آخرين من الفائزين كانوا على مرتبة مّا مُماثلة ومُشاكلة لهما.

أمّا إذا أُريد للمسألة التبسيط بدل التّعقيد، – من زاوية ثالثة- بالنّظر إلى ما سبق – وفي اتصالٍ معه-، فستتجلّى عادية إلى هنا، لأنّ ذلك الواقع أمس، وهذا الذي سيقع اليوم، وغداً، مِنْ طبيعية الأدب خاصّة والفن عامّة، بحيث إنّ مجالهما نسبيّ، مدعاة هو لتعدّد الرّؤى وللِانفتاح والتّنوّع وللاِختلاف الدّائم، ليس مُطلقاً، ولا اتفاق كُلِّي أو التفاف شامل مُحتمل فيه. فالأذواق والأحكام النّقديّة والجمالية كما يعلم كثيرون، تحكمها الخصوصيات الثقافية والفكرية والنفسية والمزاجية، والمُيولات أيضاً والاِنطبعات والتفضيلات الفرديّة، وتختلف وتتوزّع، مستقرّة في عيون الأذهان وخبرتها، إذ هي تُكتسب، وتُصقلُ، وتُنمّى باستمرار، ولا تُتعلّم على النقيض من ذلك، ولا يمكن للاِتفاق أو الإجماع أن يقع إطلاقاً حولها. وبالسير تبعاً للمثل سنجده كما يقول: «لو تشابهت الأذواق لبارت السّلع!». وغير بعيد عن دلالة المعنى نفسه في إطاره العام، سيؤول بنا الأمر إلى تخصيصه في هذا الصّدد باستحضار مقولة الناقد ومُنظّر الأدب الفرنسي “رولان بارث” حيث أشار بإيماة خفيّة تومئُ إلى حاسّة “الذوق” المعنوية وتقدّمه كأنّه “سلطان”، مثلما توحي باحتمال ممارسة تجربة الناقد الذوقيّة المُتراكمة، سُلطة عليه، لا شعوريّة، من حيث لا يحتسب، ولا يدري، ولا يُدرك، وهو ينفي عنه فرضيّة أو إمكانية تجرّده من ذوقه المُوجِّه كما لو كان عاملاً مُهيْمِناً مؤثرّاً ضابِطاً لإيقاع حركته ومُتحكّماً في رؤيته وإبداء رأيه، مُعتبِراً في هذا الاِتّجاه بأنّ: «الناقد لا يبرأ أبداً من ذوقه».

 

 

هكذا إذن، وبالقياس على هذا الكلام، قد يصحّ القول من هذه الوِجهة، إنّ الرواية المُتوّجة بالجائزة، لا تحمل في الأخير غير تعبير عن رأي لجنة معينة وانعكاسات خياراتها القرائية والذوقية والجمالية عليها. لكن مع ذلك، يظل هذا الرّأي والتعبير معاً في نهاية المطاف، مقبولين إلى حدود نسبية، بما أنّ عضويّة أيّ فرد تحت يافطة لجنة مُحدّدة، سرّية أو علنيّة، لجائزة مّا أيًّا كانت، تعتبرُ حِملاً يُلقى على عاتقه، وتكليفاً بدرجة أولى أكثر مِمّا هي تشريف وثِقة ممنوحة، بل واختباراً صعباً يضعه أمام مسؤوليّة حقيقيّة في حدّ ذاتها بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى؛ لهذا نجد أنفسنا حيال لسانِ حالٍ ومقالٍ يتساءل هنا: إنْ كانت تتمّ فِعلاً قراءة واقعيّة تامة للمؤلفات الكثيرة المتقدمة إليها (الجائزة) من اللّجان؟ كيف ذلك، وبأيّ معيار وعلى أيّ أساس تقرأ؟ وهل تحلّت تلك الهيئات المُحكّمة بالأمانة والصّرامة النّقديّة وبالعهدة وقدر من الكفاءة العالية وبالمصداقية والنزاهة الفكريّة الكافية وهي تحكم؟ ثم هل تُوفّر دائماً – اللجان نفسها- للقرّاء المواكبين ولجمهور المُثقّفين المُهتمّين، مُبرّرات موضوعية مُقنعة تُعلّلُ بها اختيارها للعمل المُوشّح بالجائزة؟ هذا بلا صرفنا للنّظر للاِستفسار عمّا يطلب الإفادة: إنْ كانت تلك اللّجنات مُتحررة من مُطوّقات إيديولوجية وتوجّهات سياسية، وإنْ تخلّصت من أعراف العمل بحلول التراضي والبحث عن مُخرجاتٍ ترقيعيّة لجبر الخواطر؟ وإنْ تخفّفت كذلك من منطق التبعية وأعباء الشللية، مُنفصلة عن الزبونية والعلاقات الحزبية والشخصية بين الكتاب، وفكّت بالتالي نفسها حُرّةً، وتملّصت من الأخذ بأقدمية هذا الكاتب، أو شهرة ذاك الاِسم، وإملاءات دور النشر والمراكز والشخصيات؟!

ولو تمّ عكس ذلك، فالظّلم واقعٌ على الكاتب بلا مندوحة، أنّى حصل الأمر على حساب قيمة العمل الجوهرية، المشروطة والمفروضة، التي لا مناص لها من أن تمثل إضافة جديدة حقيقية، لافتة ورائعة للأدب والفنّ وللثقافة والحياة والفكر الإنسانيّ. وأرى – شخصيًّا- بأنّ هذه الشروط والتي سبقتها في مقدمة تمهيدنا للموضوع، أساسية في أيّة لجنة كيفما كانت وأصبحت وستكون عليه غداً. وفضلاً عن ذلك، تجدر الإشارة إلى التنبيه في هذا السّياق، بأنّ العمل الفائز في أيّ جائزة الآن، ليس سوى تفضيلاً جماليا مؤقتا من اللجنة، لا يُرى على أنّه الأرقى والأروع، ولا الأجمل أو الأكمل في الساحة العربية، حيث إن بعض الأعمال المهمة بالطبع لا تشارك أصلا في بعض الجوائز؛ إمّا لأنّ أصحابها – أوّلاً- على موقف منها أو يتعففون من حيث المبدأ عن الدفع بها رغم إغراء الجوائز المادي وغيره. وهناك أسماء غير غائبة في هذا المنحى، تخص هؤلاء ولا داعي لذكرها؛ أمّا الاِفتراض – الثاني- الذي أطرحه ضمن هذا المضمار عن عدم وصول جزءٍ من تلك الأعمال إليها، فهو راجع إلى مواقف ثلة من مُدراء النشر ورؤسائه تجاه هذه الجائزة أو تلك، لهذا فهم يمتنعون عن المشاركة فيها ببضعِ رواياتِ كُتّابها مع أهميتها، وعلى الرغم ممّا قد تتوفّر عليه الدّار من ثقل ومن تواجد قويّ على مستوى الساحة الثقافية العربية، وما تتحلّى به أيضًا من صرامة في نشر الأعمال الجادّة والهادفة، مثلما هو الشأن بتمثيلنا هنا ل”دار نشر”- مصرية، ينال كتابها جوائز مختلفة، لكنها لا تشارك في جوائز “كتارا” الروائية- القطرية، وهو موقف له أسبابه ودوافعه التي ينطوي عليها، لكننا لا نملك إلا أن نحترمه رغم جهلنا بالحيثيات والأسباب الخافية من ورائه.

من الورق إلى الشاشة

أما بخصوص ارتفاع نسبة الأعمال المتوجّة، والتساؤل عنها: هل تساهم الجائزة في الرفع من نسبة مبيعاتها، وكيف؟.. فأتصوّر أن هناك عوامل أخرى مختلفة تندمج هنا وتتفاعل لتفعل ذلك بالإضافة إلى الجائزة، منها – في اعتقادي- ما يدخل ضمن لغة أو – ما بات يُعرف بموضة “البست سيلر”، أو الأكثر مبيعاً، وهي لا تعكس الحقيقة دائما لأن ثمة حوافز ودواعٍ خلفها مُحرّكة لها، كانحيازها لدورٍ نشر مّا ولكُتُبٍ وكُتّابٍ دون آخرين، والرغبة في الإشهار للأعمال والترويج لها وإثارة القرّاء وتوجيههم قرائيا. أظن أن هذه الطريقة أو الموضة، أو الآلية العصرية، تساهم بدرجة معينة في ارتفاع نسبة مبيعات الكتب في السوق القرائي المتبدّل وفق متطلباته، لاسيما عندما تقوم بها جهاتٌ تتقنها، ربما أكثر ممّا تفعله الجائزة بما لها من درجات مُتاحة في التأثير.

وزيادة عليها فهناك معها إسهامات الوسائط التكنولوجية والمواقع الاجتماعية والإلكترونية. دون أن ننسى بالطبع الوسائل والوسائط الفرجوية الجماهيرية المسموعة والمرئية كالإذاعة والبرامج التلفزيونية الثقافية، وفنون العرض والأداء، كالمسرح والسينما والمسلسلات، التي تساهم من واقعها وموطنها في تقريب المؤلّف من الجمهور والرفع الكبير جدّاً من عدد مؤلّفاته وظهورها في طبعات كثيرة، عندما تحتضن عملاً أدبيا وتحوّله إلى فيلم – مثلاً- كما حصل مع الكتابات السابقة ل”إحسان «عبد القدّوس» و«نجيب محفوظ» وغيرهما، وحصل لاحقاً وحديثاً مع كُلٍّ من الكاتب المصري الطبيب “علاء الأسواني”- (من مواليد 1957)، الحائز على جوائز غربيّة تعييناً عن مُختلف روياته المُترجمة، والذي تحوّلت روايته «عمارة يعقوبيان»[4] – مثالاً- إلى فيلم ناجح مشهور معروف شارك فيه أبرز نجوم التمثيل والفن والسينما المصرية. وهناك إلى جانب “الأسواني” كذلك المصري السيناريست الروائي والمؤلّف السينمائي الشاب “أحمد مُراد” (من مواليد 1978)، الذي تحوّلت ثنائيته الروائية – مثلاً- «الفيل الأزرق- (1)/ (2)- (ط1، 2012)»[5] – المرشحة في القائمة القصيرة لجائزة «البوكر الروائية العربية» لعام (2014)- إلى فيلم سينمائي بالعنوان عينه، مع روايته «فيرتيجو»[6] التي ظلت باسمها كما هو، لمّا تحوّلت هي التالية إلى مسلسل تلفزيوني (2012)، كانت قد تُرجمت قبله إلى لغاتٍ مختلفة، وظفر الكاتب بعده بجائزة “البحر الأبيض المتوسط للثقافة”- (2013). ثم أضيف إلى صفّهم تمثيلاً أخيراً، غير حصري، مُتجلّياً في حالة الكاتب الكويتي الشاب “سعود السنعوسي- (مواليد/ 1981)” الذي نقدمه مع هؤلاء، بحيث تحوّلت روايته «ساق البامبو»[7] إلى مسلسل تلفزيوني كويتي أُنتج في سنة (2016)، بعدما نال عنها «جائزة البوكر الروائية العربية» في دورتها السادسة (2013)، ونال عنها كذلك “جائزة دولة الكويت التشجيعية” لعام (2012)، مثلما نال جوائز مختلفة أدبية متعددة عن جُزءٍ من أعماله، وهو ما كان له دوره المهم في زيادة التعريف به روائيّاً والرفع من طبعات رواياته و نسبة مبيعاتها كما هو شأن المبدعين المذكورين هنا معه، وحدث مع آخرين غيرهم لا تسعهم مساحة هذا المقام لذكرهم جميعاً.

 

 موضوعات جذابة للشباب

هكذا إذن، يتبيّن كيف تصل هذه الأعمال إلى الجمهور على هذا النمط، ووِفقه، فتحقق الرواية انتشاراً واسِعاً وترفع من نسبة مبيعاتها عالياً، بهذه العوامل والخلفيات والأسباب ومثلها مُختلف ومُتغيّر، كاهتمام كُتبٍ مُحددّة بموضوعات مُعيّنة جذابة للشباب وهي تتناولها برشاقة بديعة في الأسلوب، مثل مشاعر الحب وعلاقات الصداقة والعاطفة، وما تبثه في النفس من حالات التردد والحيرة والفقدان والغياب، ومن مشاعر القلق والحنين وأسئلة الهوّية، والذات وهواجسها وآمالها، وغيرها من انفعالات الخوف والفرح والحزن، جنباً إلى جنب مع استحضارها لثيمات الخيال العلمي وما تستثيره أيضاً من إحساسات دراميّة مُفعمة بمظاهر الغرابة والفانتازيا وخصائص الإثارة والتشويق والغموض، وما سواها من العناصر المثيرة للذهن والنّفس والفضول؛ فاشتهر بسببها كتاب شباب وآخرون حازوا شعبية كبيرة ثم انتشرت كتبهم وحققوا حضوراً مُضيئًا وتواصلاً مُهِمًّا لافتاً ولا يخفى. ومنهم على سبيل النمذجة لا القصر، مؤلّف رواياتٍ على شكل سلسلات، كسلسلة «ما وراء الطبيعة»، للطبيب والروائي المصري الراحل “أحمد خالد توفيق”- (1962- 2018)، المشهور في حقل «أدب الرُّعب» والملقّب في وسطه ب”عرّاب الشباب”؛ وكاتب «تراب الماسّ»[8] الرواية المنتقلة هي الأخرى إلى فيلم حامل لعنوان الرواية نفسه، للمذكور “أحمد مُراد” (الذي كان أحد مُصوّري الرئيس المصري السابق “حسني مبارك” الحصريين).

 

وكذلك نذكر برفقتهما الروائية الشابة السعودية “أثير بن عبد الله النّشمي” (من مواليد- 1984) مؤلفة «أحببتك أكثر مِمّا ينبغي»[9]، التي بلغت إلى الآن طبعتها الثالثة والعشرون، مع مواطنتها الشابة “رجاء عبد الله الصّانع” (1981) كاتبة روايتها الأولى (الرّسائلية): «بنات الرّياض»[10]، التي حققت نجاحاً هائلاً وتعددت طبعاتها واختلفت ترجماتها التي تمت حتى الآن إلى ثلاث وعشرين لغة.. وآخرين من صنفهم، على الرغم من عدم شهرة ثلة منهم في الوسط الثقافي الأكاديمي الرسمي. مّا يوحي – إجمالاً- بتحوّل كبير على مستوى الكتابة وآليات التلقّي بدأ يحدث، وينذر، ربما، بأن دور “الناقد التقليدي” وصوته كوسيط قرائي، ليسا حكماً ولا فيصلاً حاسماً دائماً، وإنّما دوره قد بات اليوم- والآن، على المحكّ، ويؤشّر دلاليًّا على ما يكاد يُزكّي مقولة «موت النّاقد»[11] التي أعلن عنها الناقد البريطاني “رونان ماكدونالد” في كتابه الحامل للعنوان ذاته، بعدما نعى قبله الناقد السيميائي والبنيويّ الفرنسي “رولان بارث”- Relan Barthes, (1915- 1980)، «موت المؤلّف» La Mort De L’auteur ، في مقالته القصيرة المنشورة بالعنوان ذاته عام (1968)، ودفعت بأفكارها في سياق رهاناتها النقدية الحداثية إلى ظهور تيّار «النقد الجديد» في فترة ما بعد البنيويّة بتأسيس من بارث نفسه. حقًّا نحن في عصر جديد، يدعو إلى عقل جديد يواكبه ويستلهم آفاق بحثه عن طرائق تفكير جديدة مُحايثة لاِختراعاته المُتدفّقة ولنشاطاته ومنافذه وتحوّلاته السريعة.

 

 

دور الجوائز في الرفع من مبيعات الكتب الفائزة/ حضور- وغياب   

بقي أن أشير – في سعينا إلى الختام-، إلى أنّ الجوائز في الرواية العربية، وعلى الضد والنقيض مِمّا تشهده اليوم حيث يتأرجح تأثيرها بين السلب والإيجاب و بين الحضور والغياب، فقد كان لها الإسهام في وقت ما، لا نُنكره، في إعطاء العمل الروائي أهمّيته وفي اِرتفاع نسب مبيعاته. والدليل على ذلك، بعض الأسماء التي ذكرناها للأعمال وأصحابها، من الفائزين بالجوائز، وتضافرت، كما رأينا وتابعنا، شروط متفاوتة أدّت إلى انتشارها المهمّ جدا، وعسى أن تصبح السينما أبرز تلك الشروط وأوضح نماذجها. ولعلّني سأكتفي – علاوة عليها- للإضافة إليها في هذا الصدد، بالتمثيل لحالتين اثنتين فقط، تلخيصًا للموضوع فحسب، أوّلها- حالة الروائي المصري “يوسف زيدان” (من مواليد 1958) الحاصل على «الجائزة العالمية للرواية العربية» المعروفة اختصاراً ب«جائزة البوكر العربية» التي يمنحها سنويّاً مجلس الأُمناء بالإمارات العربية المتحدة، في نسختها الثانية للعام (2009)، عن روايته «عزازيل» المُترجمة إلى لغات عديدة مختلفة، والصادرة طبعتها الأولى عن (دار الشروق- 2008)، فاستمرت طبعاتها حتى بلغ عددها في (2018)/ 38، طبعة، كما حصدت كذلك بعدها جائزة «أنوبي» البريطانية لأفضل رواية مُترجمة إلى اللغة الإنجليزية. وعسى المتأمّل في حالة “يوسف زيدان” الروائية الإبداعية، سيدرك أنّ شعبيته، كاتباً أديباً، قد تنامت بفعل الجائزة وأيضًا آراء النقاد والكاتبين عن أعماله والمُعجبين بها من القرّاء، وكل ذلك في سياق التلقي الإيجابي لها على الرّغم ممّا أثارته من اختلاف، طالته منه اتهمات مختلفة وانتقادات شتى ونقد سلبي مكتوب عن بعضها ومُعلن لرفضها!

 

 

في حين، تتجلّى الحالة – الثانية- في صورة الكاتبة الروائية الأديبة الشاعرة الجزائريّة “أحلام مستغانمي” (من مواليد 1956)، الحائزة على جائزة «نجيب محفوظ للروية العربية للعام (1998)» عن عملها الروائي «ذاكرة الجسد» (وجوائز أخرى متنوعة وعديدة)، الصادر في طبعته المبكّرة (عن دار الآداب اللبنانيّة- ببيروت) سنة (1993)، وصُنّف ضمن أهمّ مائة رواية عربية، ثم توالت طبعاتها التي تجاوزت الثلاثين طبعة، بيع منها حتى الآن – حسب احصيائيّات قدّرتها- أكثر من ثلاثة ملايين نسخة. ربما السبب يعود في حالة هذه الظاهرة الأدبية وانتشار هذه الرواية، في اعتقادي، إلى ما كتبه عن هاته الرواية وعن كاتبتها، الشاعر السوريّ الغنائيّ الكبير الرّاحل “نزار قباني”-(1923- 1998)، من كلام إيجابي جذاب وجميل مُثير لقارئه، وهو يشيد بلغة الكاتبة الشاعرية العالية وموهبتها الاِستثنائية في مجال الكتابة السردية الجديدة، بأسلوبٍ رقيق وعميق وراقٍ من الشاعر نزار الذي صرّح حين قدّم الرواية مُتحدّثاً عنها بدوره، بأنّه أصيب ب”الدّوخة”، التي من الممكن أن يقصد بها إحساسه بشعور غريبٍ، انتابه عندما كان يقرأ هذا العمل، يمتزج فيه الإعجاب بالمتعة وبالخدر الغامض والغائم والمطير؛ أو هي دوْخةٌ كما فسّرها نزار بنفسه، على حدّ قوله عن الكاتبة: «أحلام روايتها دوّختني، وأنا نادراً ما أدوخ أمام رواية من الروايات. وسبب الدوخة أنّ النّص الذي قرأته يشبهني إلى درجة التطابق، فهو مجنون ومتوتر واقتحامي ومتوحش وإنساني وشهواني وخارج على القانون مثلي. ولو أنّ أحداً طلب مِنّي أن أوقّع اسمي تحت هذه الرواية الاِستثنائية المغتسلة بأمطار الشّعر.. لما تردّدت لحظة واحدة.. هل كانت أحلام مستغانمي في روايتها (تكتبني) دون أن تدري؟ لقد كانت تهجم على الورقة البيضاء بجمالية لا حدّ لها وشراسة لا حدّ لها.. وجنون لا حدّ له.. الرواية قصيدة مكتوبة على كل البحور بحر الحب وبحر الجنس وبحر الايديولوجيا وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها، ومرتزقيها وأبطالها وقاتليها وسارقيها (…)».[12]

 

 

وكما كان نزار قباني شاعراً غنائيّاً مشهوراً ذا هيبة شعبية جماهيرية واسعة طاغية عربيًّا، أحد الأسباب المُساهمة في التعريف بالكاتبة وتقريب روايتها من قراء كثيرين وتحبيبها إليهم، بالإضافة إلى ما للجائزة من تأثير يُضافُ إلى تأثير شاعر المرأة والرّومانسية والحُبّ نزار الكبير فيها، كذلك فإنّ انتقالها من الورق إلى الشاشة عبر مُسلسلٍ مُثِّلت فيه وسُمّي باسم الرّواية نفسها (بطولة جمال سليمان وأمل بوشوشة) للمخرج السوري “نجدة أنزور” أحد مشاهير الإخراج في عالم التلفزيون والسينما العربيين الذي غيّر مجرى الرواية وحوّله؛ وقد ساهم من ركنه، بهذا التحوّل وذاك الاِنتقال، على متن الشاشة الملوّنة كوسيط جماهيري، إلى نجاحها الأهم، بل ومُضاعفة تأثيرها وفتح آفاق تلقيها وانتشار أعمالها الروائية الجادة اللاّحقة ورفع نسبة مبيعاتها الصاروخية على نطاق أوسع. الشيء الذي وضعها في المرتبة المتقدمة للأديبات العربيات في ميدان الأدب، وصنّفها مع النساء الأوائل الأكثر تأثيراً في العالم العربي، حققت رقماً صعباً في المكتبات وأسواق الشراء والبيع للكتب عموماً، والنتاجات الأدبية الروائية تخصيصاً، إذ يتعدّى عدد مبيعات كتبها، مليونين وثلاثمائة ألف نسخة!

 

 

تركيب

هكذا بالتالي، ومن خلال ما سبق، يتضح كيف أنّ هناك عوامل ومسببات وطُرائق ودوافع وآليات مُهمّة، تتداخل مُجتمعة، بموازة الجوائز، في تحقيق الإشهار والإنتشار الجماهيري للكُتب عموماً، لكن الرّوايات هنا خصوصاً، مُتجسّدة بجلاء ومُمثلة كما رأينا، ليس في صورة القارئ/ الناقد وحده، الذي يقدم عملاً مّا بوصفه قارئاً مُمتازاً، ومثالياً، ووسيطاً قديماً/ جديداً/ أثيراً، بين العمل الروائي والقارئ؛ بل تتعدّاه اليوم، كما نُضيف ضمن هذا الأفق، مشيرين في المنحى نفسه، إلى الظهور في اِسم المؤلّف الذي قرأ له القارئ سابقاً أثراً من آثاره وخلّف انطباعاً جميلاً لديه وخلقه كاتباً أديباً مُفضّلا وموثوقاً به في آن، ما يجعله يبني أفق توقّع يدفعه إلى انتظار ما سيكتبه مستقبلاً من إبداعات روائيّة بكل اهتمام واحترام وشغف ولهفة. كما يمكن أن تتجلّى صورة من هذه الآليات والدوافع والحوافز القرائيّة، في طبيعة الموضوعات (الثيمات) والقضايا النّوعية التي يتناولها فنّ الرواية وفي كيفيّة معالجتها المُتميّزة وطرحها المُختلف من طرف الرّوائيّ بأساليب بديعة ومشوّقة ومبتكرة، بريشة موحية في مهارات التعبير وتقنياته الفنّية وفي طرائق التوصيل المُلهمة الرّشيقة، على أنماط مُتنوّعة موقظة للهمّة، مثيرة للعناية، فاتنة وجذّابة ومُغرية جديرة بالمتابعة. مثلما يُرجّح بإيضاح أن يكون من بين تلك العوامل التأثيرية، بارزاً كذلك في اللّقاءات والمناسبات الأدبيّة والوسائط الاِجتماعية، الواقعيّة منها والإفتراضيّة، وفي مهارة الأديب التواصلية وقدرته التفاعلية فيها مع الآخرين، وظاهراً أيضاً في ترجمة النص الروائي من لغة إلى أخرى، ثم في موضة البست سيلر، وكذلك في البرامج الثقافية للإذاعة والتليفزيون المرئية والمسموعة التي تناقش الكتب في حضور أصحابها أو في غيابهم- سيان، وهي تُعرّف بها وتعرضها إلى شرّيحة عريضة من المستمعين والمشاهدين المتابعين والمهتمّين. فضلاً عن الدّور الأكبر المُباشر/ وغير المُباشر الذي تلعبه السينما والأفلام والمسلسلات حينما يجري معها تحويل عمل روائيّ معيّن من متنه الورقي إلى عرض مرئي ومسموع على الشاشة، حيث تعرّفُ أكثر بصورة العمل الرّوائي وعالمه وبكاتبه وتقرّبهما إلى المُتلقّين. هذا بالإضافة إلى ما يُحتمل أن يحدثه من تأثير قرائيّ، ذلك الحديث الإيجابي لشخصيّة معروفة كيفما كانت، أو شخصيّة إبداعيّة فنّية مشهورة لها وزنها وسِعرها وقيمتها المُعتبرة في مجالها وذات قاعدة شعبية أو نسبة جماهيريّة عالية من المُعجبين بتجربتها، عن رواية مُحدّدة، كما تابعنا ورأينا في حالة أحلام مستغانمي التي أبدى الشاعر نزار قباني رأياً شديد الإعجاب بروايتها “ذاكرة الجسد”.

 

خلاصة

إلى هنا، وتلخيصاً لهذا الموضوع المُنفتح على آفاقٍ مُحتملة وامتداداتٍ واردة ومُمكنة، نستطيع القول – أخيراً- أنّه إذا كان الفيلسوف الفرنسي “غاستون باشلار”- Gaston Bachelard / (1884- 1962)، قد قال يوماً: «إنّ تاريخ العلم هو تصحيح لأخطاء العلم». كذلك فإنّ التعبير لائقٌ ضمن هذا المستوى، بالمُضي إثره، وعلى غراره، لتثبيت فكرة يفيد مدلولها، بأنّ تاريخ الأدب المُتحقّقّ والمُكرّس، هو أيضاً، تصحيح بالمقابل لأخطاء الآداب وللجوائز الروائيّة ونقدها والحكم عليها. لأنّ تاريخ الأدب العام والإنسانيّ الشامل، يُعلّمُنا أنّ الجوائز ليست مِحراراً يُعوّلُ عليه باستمرار لقياس جودة الأعمال الأدبيّة وتبيُّن كيفيّتها ونوعيّتها الفريدة، وأنّها ليست العامل الرئيس والمركزي الدّاعي إلى اِنتشارها وذيوع صيت أصحابها، لأنّ هناك من الأدباء والروائيين الكبار من كانوا من المستحقّين ل«جائزة نوبل للآداب» – أنموذجاً-، لكنّها فاتتهم من دون أن تواكب سيْرهم وتركب معهم قطار الإنسانيّة، ودون أن تكسبهم بينما كسبوا هم ذواتهم، فجاءت الأيّام، ثم أثبتت التجارب فيما بعد أنّهم أكبر منها ومن قيمتها، وذلك لأنّهم – ببساطة – فرضوا أنفسهم عبر امتداد الزمن الحديث والمعاصر دون أن يخفت بريق نصوصهم أو يفقدوا لمعان حضورهم القوي بسببها؛ ومن هؤلاء الرّوائيين – خاصّة-، أذكر تمثيلاً فحسب، لا غير ولا جمْعاً، كل من: “تولستوي” و”دوستويفسكي” و”كافكا” و”تشارلز ديكنز” و”فكتور هوغو” و”مارسيل بروست” و”جيمس جويس” و”فلاديمير نابوكوف” و”جورج أرويل” و”ك. فوينتس ماسياس” و”جويس كارول أوتس” و”فيليب روث” وآخرين غيرهم. ما يكشف عند هذا المدى، على أنّ العمل الروائي- الإبداعي، منه ما تُرجّحُ أهمّيته، بيد أنّه قد لا يُلتفتُ إلى أهمّيته، مع قيمته، وأصالته، وجِدّتِه، وندواتهِ، وفرادتهِ في راهنيّته، ولكنّها لا تنفكّ تلاُحقه في لحظة ما من حياة صاحبه، أو بعده، متى أفصح عملٌ له، أو نضحت جُلُّ أعماله أو بعضها، بما فيها من أسرار وجمالٍ وإمكانات، ومن قدرة على الإدهاش والإثراء في أبعاد متعدّدة ومُختلفة لا متوقّعة، وعلى التأثير كذلك وعلى الإبهار ولو من مكان وزمان بعيدين.

وما دامت الإنجازات المُتقنة والأعمال الإبداعية النّجيبة، تستمدُّ قيمتها الواقعيّة المطمورة في داخلها والمكنونة في روحها وفي ذاتها، مِن طبيعتها الولاّدة، وعبقريّتها الخلاّقة، ومِن رجع أجراسها وموجات أصواتها وأنغامها العذبة وقوّتها التأثيرية المُتصاعدة، وليس من خارجها كالشهرة الصوريّة – مثلاً- أو من العوارض المُبعدة للمخبر والمُغيّبة للجوهر، مقابل مظْهر وشكل قد يحلّان مكانهما في الفعل الإبداعي وحدثه الاِحتفالي، فينوخان على المكان ببؤسهما ثم يرخيان فيه بكلكلهما على حسابهما.. تلك العوارض المُتشابكة والمُتداخلة التي طرأت مرّةً وقد تطرأ مرّةً ثانية على الفنّ لكي تمنح القيمة وتصطنع الاِسم، على نحو لا يعكس الغاية المأمولة مِن مفهوم “الفنّ” النبيل (هذا الكائن الحيّ المُتطوّر الجامع والخفّاق كالعِلم تماماً)، واِستفهاماته الاِستكشافية، واِرتقائيّته، وقلقه الجميل؛ ويتناقض مع نُشدانه معانقة الكُلّي وسموّه إلى فضاءاته الرّحبة، وأريحيّتها المُنبسِطة، لاحتضان المُنتمي فيها إلى التراث الإنسانيّ المُشترك، والخيِّر منها الأكثر غنىً ونفعاً، على وجه التقييد والترتيب والحصر؛ كتناقضه مع نزوع الفنّ عينه إلى التواؤم مع فلسفة الكون والتّوادّ مع لغة نواميسه وحركية عوالمه المُضطرمة الهادرة المُتصارعة المُتوهّجة والمُتوالدة من جديد؛ وإلى انتصاره المُطّرد للإنسان، وللحياة بكلّ معانيها وتجلّياتها وأبعادها المُختلفة، المُدركة لجُزءٍ مِنْ مصالحه ومقاصده الحسنة والجدوى منه ومن مغزاه العميق؛ لهذا السبب بالضبط، واستناداً إلى خلفيّته ووجوه المُعطى المتعدّد المطروح فيه للإنجاز الإبداعي والخلْق الفنّيّ الفعليّ الذي تقوم وتتأسس عليه فلسفته، فإنّ القيمة، والأهمية، والمعنى الحقيقي المُوافِق، وتناغم الدّلالة المُلائمة المرغوبة والمُنسجمة مع المطلوب، والعلامة المُعتمدة لمنح المصداقية، والتفريق بين ما يستحق الفناء وما يستحق البقاء، وتحديد الجيّد من الرّديء والصحيح من السقيم، وتمييز التُّحف العريقة النّادرة والآثار الخالدة، النّفيسة والحيّة والنّابضة، من بين كل ما تجود به النّتاجات الفنّية التّخييليّة والإنجازات العلمية والأدبيّة النّوعية؛ جميع ذلك هو ما سيحسم فيه الناقد الأكبر، والغربال الأمهر، الذي هو الدّهر. وهذا بلا إغفالنا طبعاً جدوى رؤى المُحكّمين المُتخصّصين والاِجتهادات المهمّة منهم والتي لا تُخطئ الأهداف العليا منها ومساعيها الحميدة المُثلى والأسمى معاً، إلاّ أن حُكمها متروك للفيصل الأكبر، الذي هو الدّهر أو الزّمن في دوراته، إذ وحده الكفيل في الأّوّل والأخير (حقًّا- وصِدقاً) بذلك.

 

 

 

[1] – هدى بركات: بريد الليل (رواية)، عن دار الآداب للنشر والتوزيع- بيروت، ط1، 2018.

[2] – ربعي المدهون: مصائر “كونشرتو الهولوكوست والنكبة” (رواية)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت، ط1، 2015.

[3] – شكري المبخوت: الطلياني (رواية)، دار التنوير- تونس، ط1، 2014.

[4] – عمارة يعقوبيان: عنوان روية من تأليف “علاء الأسواني”، وهي من أشهر أعماله، ظهرت طبعتها الأولى الصادرة عن مكتبة مدبولي- مصر، عام 2002، ثم توالت طبعاتها الكثيرة اللاحقة بالصدور من دار الشروق- مصر. وقد تجاوزت طبعاتها مليون نسخة وتُرجمت إلى أكثر من 28 لغة، منذ أن تجسّدت خاصة في فيلم مصري أُنتِج سنة 2006، وحمل اسم الرواية نفسها: “عمارة يعقوبيان “، وكان من إخراج مروان حامد، وإنتاج عماد الدين أديب، ومن بطولة عادل إمام، ونور الشريف، وأحمد بدير، وهند صبري، وأحمد راتب، وخالد الصاوي، ومحمد إمام، وسمية الخشاب، ويسرا، وخالد صالح، وباسم سمرة، وإسعاد يونس وآخرين.

[5] – أحمد مراد: الفيل الأزرق (رواية)، دار الشروق- مصر، ط1، 2012.

[6] – أحمد مراد: فيرتيجو (رواية)، دار ميريت للنشر- مصر 2007، 2012، – دار الشروق- مصر 2012.

[7] – سعود السنعوسي: ساق البامبو (رواية)، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2012.

 

[8] – أحمد مراد: تراب الماسّ (رواية)، دار الشروق- مصر، ط1، 2010.

[9] – أثير بن عبد الله النّشمي: أحببتك أكثر مِمّا ينبغي (رواية)، دار الفرابي للنشر والتوزيع- بيروت، ط1، 2009، ط 10، 2010، ط 23، 2018/ 2017.

[10] – رجاء عبد الله الصّانع: بنات الرّياض (رواية)، دار الساقي- بيروت، الطبعة الرابعة، .2006

[11] – رونان ماكدونالد: موت الناقد، ترجمة: فخري صالح، نشر مشترك بين المركز القومي للترجمة، ودار “العين” للنشر– مصر، ط1، 2015.

 

[12] – عائشة بنور بنت المعمورة: قراءات سيكولوجية؛ في روايات وقصص عربية (رؤى وانطباعات)، منشورات الحضارة، ط1، 2004، ص 122.

 

احدث المقالات

عادل أيت أزكاغ

عادل أيت أزكاغ

25, نوفمبر, 2019

حول «جوائز الرّواية العربيّة».. سؤال القيمة وعوامل التاثير وانتشار الأعمال الفائزة على مستوى التلقي؟-   عادل آيت أزكاغ

   عادل آيت أزكاغ- ناقد أدبي مغربي (تحقيق ودراسة)   يسلّط هذا التحقيق – والدّراسة في آن- الضّوء على قضيّة تخُصُّ “جوائز الرّواية العربيَّة” لمعرفة، إن كانت ولا تزال تعطي أهميَّةً ما للعمل الروائي؟ حتى إذا سلّمنا بوجوده، فما نوعيّة هذا العطاء المُصرّح به ضِمْناً، وما هي سِماته ومِرقاته وعلاماته المميزة بالضبط؟ وهل تساهم الجوائز […]

المزيد

مقالات ذات صلة

مقداد خليل

مقداد خليل

30, أغسطس, 2018

دروس الأنحاء – مقداد خليل

فندقٌ رخيص وسطَ المدينة، نومُه على السطح فقط. لربّما هنا صهباوات العجم -حرفتُهنَّ الدعارة- في كلِّ حيِّزٍ من الفندق. (كنَّ موجودات حقّاً)،

المزيد