Kurdî
سرد

المكتبة – بهاء إيعالي

22 أبريل, 2019 - 1284 مشاهدات
العمل لـ: محسن البلاسي
العمل لـ: محسن البلاسي

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

بهاء إيعالي – بيروت 

خرج من منزله نحو المكتبة الصغيرة الموجودة منتصف الشارع الصغير في قلب المدينة الكبيرة التي اعتاد أن يُطَوّي شوارعها وأزقّتها تحت حذائهِ طيلة النهار دون أن ينال منه التعب؛ خرج مسرعاً كي يأخذ الوقت الكافي لاختيار الكتب لئلا يتأخر عن دوامه المسائي في العمل ربع ساعةٍ وإلا سيخصم من راتبه مقدار الوقت الذي تأخّره. سلّم على صاحبِ المكتبة العجوز، سلّم ببرودةٍ كأنّه يضمرُ له شيئاً، أو أنّه لا يعرفه، أو يكرهه لأنّه نصاب، إلخ…

نزل السلّم المؤدي إلى الغرفة التحتانية حيث تقبعُ المكتبة الكبيرة، هي في الحقيقة غرفة صغيرة لكنّها كبيرة؛ نزل السلّم المؤدي إليها درجةً درجة، يضع رجله اليمنى على واحدةٍ واليسرى على أخرى، يضعُ اليسرى على ثانيةٍ واليمنى على أخرى… حتى انتبه أنّه وصلَ لفناء الغرفة المظلمة التي هي المكتبة. صاح بصاحبها أنّها معتمة، فردّ الأخير أنّ الضوء صوب يد النازل اليسرى.

أشعل الضوء، لا زالت كما تركها قبل شهرين، رواية لدوستويفسكي طبعة دار التقدم وضعها بالمقلوب بين كتب الطبخ، ديوان البحتري بجزئيه على الأرض، كتاب “فن القراءة” لألبرتو مانغويل مجاوراً لكتاب “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي، مجلد حضارات الهند لغوستاف لوبون بين كتب رولان بارت الفلسفية.

بدأ يجولُ في تلك الغرفة الموحشة ذهاباً وإيّاباً، يقدّمُ رجلاً ويؤخِّرُ أخرى، يؤخّرُ رجلاً ويقدِّمُ أخرى، يضعُ سيجارةً في فمه، يتركها دون اشعال، التدخين ممنوعٌ بأمرٍ من صاحب المكتبة العجوز الموسوس، الذي عرفَ عنهُ أنّه قبل نحو ثلاثين سنة (أيّام العز على حدّ تعبيره) جاءه أحد المثقفين وكان ينتقي بعض الكتبِ من عنده، كان يدخن في الأسفل سيجارة ولم يحسن اطفاءها، فاندلع حريقٌ أتى على نصف الكتب والمخطوطات الثمينة التي كان يملكها والمثقّف الذي كان فيها يقرأ وغير عابئٍ بالحريق، ولولا أنّه تمكّن من الحريقِ لأتى على المكتبة كلّها. ومن حينها والتدخين ممنوع.

يضعُ السيجارةَ في فمه ثمّ يسحبها، يتخيل أنّه يدخّن، هو يدخّن، لا يدخن؛ يتأمل ببعض الكتب التي نجت من الحريق بأطرافها المسودّة، يتخيّل أنّ الحريق يندلع مجدداً وهو هذه المرّة يقرأ، وليندلع، المهم أن يروي رأسه من الكتاب بين يديه.

يبدأ بسحبِ الكتبِ من رفوفها: ميتة تذكاريّة لبول شاوول، طبائع الاستبداد للكواكبي، العدد الجديد من مجلة عالم الفكر، تلويحة الأيادي المتعبة لممدوح عدوان، النفق لإرنستو ساباتو، شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، غرام ميتيا لإيفان بونين، الأنساب المختارة لغوته، الأشوريون لأبرم شيبرا، ألغاز لإدغار آلن بو، الإبانة عن سرقات المتنبي للعميدي، كلمات الصوفية للسهروردي، ديوان الخرنق بنت بدر، تولستوي فناناً لحياة شرارة، التراث الديني اليهودي في الشعر العبري الأندلسي لسعيد مطاوع، الجرمنتيون سكان جنوب ليبيا القدماء لتشارلز دانيلز، الصبي الخادم لفرديناند أويونو……. يمكن القول بأنّه يقبض راتبه من هنا وينفقه على الكتبِ من هنا. لا شيء يفعله سوى ذلك.

تقع عيناه على مصنّفٍ ضخمٍ أسود الغلاف من أربعةِ أجزاء معنونٌ ب “ديوان النثر العربي” لأدونيس. تناوله، تذكّر يوم تديّنَ من صديقه المال لشراء ديوان الشعر العربي قبل عامين.

سحب الجزء الأول من الكتاب، فتحه، قلّب بصفحاته، فتح الصفحة الأولى، 50$، أحس بحاجةٍ للتبوّل، برم بالغرفة كلها، لم يجد حماماً، لا بأس، قليلاً من الوقت ويخرج.

فكّر بإعادته، قال في نفسه بأنّه سيضطر الاقتراض لبقية الشهر، أعاده، فخطر لهّ أنه كتاب نادر الحصول عليه هنا، فسحبه مجدداً، فتذكّر أنّه يتوفّر بصيغة PDF، فأعاده، فاستحضر أنّ عينيه تعبتا من النظر لشاشة الكمبيوتر، فيسحبه مجدداً، فتذكّر أن عليه ان يراجع طبيب العيون، فتخيّل لو أنّ أحداً ما أخذه قبله، يسحبه بعصبية وشراهة، فتعود له ذاكرته بأنّ عليه أن يدفع ديونه لجاره أبو لبيب العجوز.

اشتدت حاجته للتبول، أيضاً قال إنّه لن يتأخر.

يضع السيجارة المنطفئة مجدداً في فمه، يأخذ نفساً ثم يخرجها وينفخ، يتخيّل أن هذا الدخان المتخيّل ما هو إلا غيمة تنتظر موعدها لتمطر، هو يكره المطر لأنّ قبعته اهترأت ولم يشتر واحدةً جديدة بعد، يطرد مخيّلته ويضبّ السيجارة في العلبة.

فكّر بإعادة بعض الكتب التي معه لشراء ديوان النثر، فلفش بين الكتب، كلها تهمه، لا يمكنه إعادة كتابٍ منها. فكّر بسرقته، محفظته تركها عند صاحب المكتبة، تورّمت مثانته، شعر بنوبة نعاسٍ تنتابه، انتبه أنه حان وقت أخذ دواء آلام مفاصله، عدّ النقود التي معه.

مثانته ستنفجر، حاجته للتبول تزداد ولم يعد بإمكانه التحمل أكثر؛ فتح قنينة المياه التي في يده وكرعَ ما فيها دفعة واحدة، تأكّد أنّ لا أحد يراه، أخرج قضيبه وتبوّل في القنينة، استراح أخيراً على المقعد البلاستيكي الموجود في الغرفة وبات بإمكانه أن يفكّر.

نظر إلى ساعته، أوف، بعد ثلاث ساعاتٍ يبدأ دوامه، عليه ان يتخذ قراره. تذكّر أنّه أرسلَ مقالاً للجريدة، وأنّه سينشر نهاية الأسبوع ويقبض عليه. سحب الكتب كلها بما فيها ديوان النثر، أطفأ مصباح الغرفة وتركها كما هي، وعدها بأن تبقى كذلك لأنه سيعود إليها في الشهر القادم، صعد السلم درجتين درجتين. صاحب المكتبة ليس موجوداً، وباب المكتبة الزجاجي مقفل.

تذّكر أن صاحب المكتبة يغادرها في هذا الوقت ويتجه نحو منزله الذي لم يدفع فاتورة مياهه منذ شهرين لتناول غدائه.

جلس على الكرسي الخشبي لصاحب المكتبة العجوز، فتح الدرج، هو خاوٍ إلا من بعض القروش التي يدفعها شرّاء الجرائد الذين حفظ العجوز أسماءهم، نظر حوله، الكتب علتها طبقةٌ سميكة من الغبار.

لف رجلاً على رجل، أشعل سيجارة، وفتح كتاباً.

18/02/2019