Kurdî
سرد

المعرض الفردي للفنانة والأديبة لبابة لعلج بتطوان المادة بأصــوات متعددة

22 فبراير, 2020 - 404 مشاهدات

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

خاص

 

تقيم الفنانة  التشكيلية و الأديبة لبابة لعلج معرضها الفردي برواق  المركز السوسيو ثقافي لمؤسسة محمد السادس  للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية و التكوين بتطوان ( شارع مولاي العباس،الحي المدرسي، المدرسة الملكية سابقا)  تحت شعار “المادة بأصوات متعددة” مابين 20 فبراير و 12 مارس 2020.

لبابة لعلج (مواليد فاس) استطاعت أن ترسخ حضورها النوعي داخل المشهد الإبداعي الوطني والدولي من خلال معارضها الجماعية ولقاءاتها الفكرية، طالقة العنان لزاد خيالها الجامح الذي أثرى أعمالها التشكيلية ذات المحاور الوجودية والجمالية المتعددة، حيث اشتغلت على الحروفية، والأبيض والأسود، والفن الخام، والبعد العجائبي، والمادة غير الصباغية، والتشكيل والملحون. صدرت حول تجربتها الإبداعية  عدة منشورات من بينها: “بزوغ غرائبي”(دليل معرض فردي  بالصويرة)،، “عوالمــــــــــي”(مونوغرافيا)، “المادة بأصــوات متعددة”(مؤلف جمالي حول تجربتها)، ”سيدات العالم: بين الظل والنور“ (مؤلف جمالي للباحث والكاتب ادريس كثيرقيد الطبع)  . من مؤلفاتها: “شذرات”(ديوان شعري)، “تشكيل وملحون” (نصوص و لوحات)، “أفكار شاردة “(ديوان شعري)، ”تصوف وتشكيل” (نصوص و لوحات)،”تجريد وإيحاء”(مؤلف جمالي حول تجربتها قيد الطبع)…

توج مؤخرا  مسار الأديبة والفنانة التشكيلية لبابة لعلج بالدكتوراه الفخرية من طرف منتدى الفنون التشكيلية  ا لدولي في اطار حفل تكريمي أقيم بالفضاء الثقافي لوزارة الاتصال بايموزار كندر ، وذلك بحضور عدد وازن من النقاد والباحثين الجماليين ، حيث تعزز هذا الحفل بتقديم وتوقيع كتابها  الشعري الجديد  “شذرات”  ، في نسختيه الفرنسية والعربية .

أقامت مؤخرا بفضاء دار الصويري معرضها الفردي تحت عنوان “بزوغ غرائبي”، حيث تم تكريمها من لدن جمعية الصويرة موكادور بمشاركة صفوة من النقاد والإعلاميين والباحثين الجماليين.

  • سفر في المواد و عبرها

إصغاء عميق للذات. هذا عنوان العمل الفني الذي ترسمه عين الفنانة الموهوبة لبابة لعلج. فهي ترصد العالمين الخارجي و الداخلي عبر أشكال وألوان متناسقة تمسك بتلابيب المتلقي وتستهويه باشتغالها على الصباغة و المادة التركيبية.

لبابة لعلج تؤمن بأن عالم الفن الحقيقي يوجد في الداخل، أي في باطن وعي ولا وعي المدارك الحسية والبصرية. لوحاتها الجديدة سلسلة متوالية من السجلات الصورية التي تسبر أغوار العين والذاكرة انطلاقا من إلمام كبير بجمالية المادة والتلوين بشكل أسلوبي في غاية التناغم والانسجام. تنتاب المشاهد الرائي أمام أعمال لبابة لعلج ألفة غريبة، لأنها تسلط الضوء على ما هو روحي فيه، وتجعله يحس وكأنه يستظل تحت شجرة الحياة والوجود.

لبابة لعلج تجري حوارا يوميا بينها وبين المكان والزمان. لوحاتها الجديدة على غرار سابقاتها شبيهة بمقطوعات موسيقية وبأناشيد عريقة. إنها تفاجئ العين الجمالية بعوالمها اللونية الممتدة، وأنوارها المتدفقة، ومشاهدها السحرية التي تربط بين ماضيها وحاضرها وأفقها المستقبلي. كم هي شغوفة بالطبيعة وبالحياة ! فالنغمات تتردد في اللوحات في صورة حكي بصري يعود بنا إلى أزمنة الطفولة، وإلى خفايا ورواسب العقل الباطني وتداعياته.

عبر جغرافيا رمزية شاسعة ومضيافة خارج كل عزلة مطلقة، تكتب لبابة سجلات لوحاتها التشكيلية الجديدة بعد أن مرت من مراحل أسلوبية عديدة ومتشابكة. جوالة تعود إلى مكنون ذاتها الكبرى. لطالما حملتها معها كجوهر مكنون، متخذة منها مصدر إلهام ما تفكر فيه تشكيليا على ضفاف اللوحة الموغلة في رموزها العسيرة على الفهم والاستيعاب، لأنها شبيهة بأسطورة حديثة من التيه الوجودي. لعل الصراع الكينوني على البقاء الذي تعالجه الفنانة صورة مغايرة لصراعها الإبداعي الذي تخوضه مع لغة التشكيل وموادها التعبيرية الصباغية منها وغير الصباغية.

لقد تحكمت في إكراهات هذه المواد المثيرة للدهشة، واستثمرت جاهدة إمكاناتها وتفاعلاتها الكيميائية، محققة بذلك رهانها الجمالي وطاقتها السرية في إشارة بليغة إلى كون المادة البارزة كناية عن الواقع، فيما إيحاءات الأشكال والرموز كناية عن الحلم.

الجدير بالقول إن لوحات لبابة متغايرة الأشكال والبنيات التصويرية، موسومة بالتجديد والتحديث، وهي تعتبر من أبرز الإضافات النوعية في مجال الفن التشكيلي داخل المغرب وخارجه. فنها، إذن، نشيد الأرض والسماء.

لبابة لعلج مسكونة بأشياء خفية، فهي توفق بين العالم التعبيري التشخيصي والعالم التعبيري التجريدي. كما تحرص على فهم قواعد الكون، وأسرار الحياة، محاولة التعبير عن تأملاتها عبر تحليق ملائكي في الفضاء والزمن. بعيدا عن التقليعات الشكلية، ترسم لبابة بحمولات وخلفيات ذاتية في عينها وقلبها. ترسم تساكنا بين بعدها الروحي الكامن في دواخلها، والبعد الروحي للفن الصباغي بالألوان والمواد المشبعة حد الانتشاء. ألوان ومواد للتأمل المشرع على الأمل والنور. هل هو ترحال في الواقع والمتخيل معا؟ هل هو تعبير صباغي عن لحظات الحلم ومخاض الولادة؟ هل هو بحث في الداخل صعب المنال؟ هل هو سفر نفسي وذهني في اللوحات وعبرها؟

لست أدري… لست أدري.

  • مادة التشكيل، مادة التفكير

تتأسس اللغة التشكيلية لدى الفنانة المبدعة لبابة لعلج على ثنائيات: المرئي واللامرئي، النظر والعمى، الخفاء والتجلي… فالنظر إلى عوالمها الغرائبية ذات الأرضية المادوية (اشتغال على مواد غير صباغية من قبيل الشمع والرمل وغيرها) تتحكم فيه مسافات متعددة: النظر إلى فوق، النظر إلى تحت، النظر إلى اليمين أو الشمال… إلخ.

إن كل مسافة جمالية تقدم اللوحة في صيغة مشهدية مغايرة حسب سلم النظر، مما يضفي على كل لوحة حيوات جديدة خارج كل تضعيف أو تكرار (نستحضر عبارة بنيامين “إدراك الشارد”). فبالخيال الخلاق، تمكنت لبابة من تشكيل صوتها الداخلي وتصوره في معاني بصرية ذات إيقاعات مغايرة تميل إلى التواري والصمت. بالخيال الخلاق، أيضا، تفاعلت مع أذواقنا ومشاعرنا المشتركة، وأشبعت بالتالي حاجتنا القصوى للمطلق واللانهائي، محققة لذة التأمل والاستنباط. ألا يعد الفن باطنا يبحث عن ظاهر؟ ألم يرد في المأثور النقدي بأن الفن محتوى يبحث عن شكل؟

الجميل في الأمر هو أن تضع لبابة أثرها الإبداعي موضع سؤال، أو بشكل أدق أن تضعه محل دهشة. لقد برعت في التوفيق بين تقنيات ومعايير الاتجاهات الفنية الحديثة والمعاصرة، مقترحة على أنظارنا أعمالا تشكيلية تزاوج بين البعد التجريدي الإيحائي والبعد التشخيصي الانطباعي أحيانا والغرائبي أحيانا أخرى. فكل ما هو تحت بصري في الصورة هو الواقع بكل أقانيمه وكل ما هو فوق بصري هو الشعر بكل انزياحاته. ما يسترعي الانتباه ونحن ننصت بعمق لعوالم هذه المبدعة المقتدرة، هو هندستها للمرئي واللامرئي، النهائي واللانهائي، العلامة والحرف، التوازن واللاتوازن… كم تجنح نحو تشكيلات ملهمة وإيحاءات من فن البوب آرت على نحو مغاير يذكرنا بتجربة الفنانة ميمو روطيلا الواقعية الجديدة، وبتجربة الفنان الأمريكي أندي وارول الذي استهوته شخصية مارلين مونرو، والزعيم الصيني ماو، وأيقونة الجوكاندا. تراها مفتونة بثنائي “كارل لاغيرفيلد أو العبقري المبدع” و”زاهية وسط حلمها” كنماذج رمزية للشهرة والتألق في الحياة والوجود في آن.

فحدس لبابة هو الذي يرسم ويدبر شؤون اللوحة بعناية فائقة، فهي بتعبير بول فاليري تقدم جسدها المعنوي للعالم محولة إياه إلى رسم تعبيري متعدد الأشكال والإيحاءات.الجسد في لوحاتها تقاطع الرؤى والحركات عبر لغة أسلوبية شبيهة بشاعرية الأثر التي تطلق العنان للخيال وللحس الداخلي المرتبط بزمن الإبصار والإنصات معا.

بهذه الإيحاءات المجازية، أعطت لبابة للأجساد الأنثوية التي تحتل مركز أعمالها التشكيلية عمقا مفاهيميا جديدا خارج كل استفزاز صدموي، أو غواية مقصودة

كل التمثلات الكينونية للجسد ذات بناءات اختزالية في هيأة أشكال متموجة وحرة ومجنحة وعائمة في الفضاءات الهوائية، والمائية، والنارية والترابية. فهل نحن بصدد عوالم سيارة في كواكب سماوية احتمالية؟

في أعمالها الأولى كما في الحديثة، ترسم لبابة خرائط ترحالها في المكان والزمان معا، موظفة عدة صبغات على السند القماشي، حريصة على أن تقاسم الناظرين الإحساس بالعمق الإنساني الذي يتأسس عليه مشروعها التشكيلي. في لوحاتها الجديدة نتابع كوريغرافيا باللون والشكل معا، كما نتابع شريط نحت حي يحول المألوف لدينا إلى حيرة بصرية بالمعنى الجمالي للكلمة. كل شيء في لوحاتها حي من حرف ولون وتخطيط وبناء مشهدي غرائبي. نعم التواطؤ بين الفنانة والمتلقين، مما يذكرنا بفعل “مساهمة المشاهد” الذي أشار إليه أمبرتو إيكو في مؤلفه المرجعي “العمل المفتوح”.

الاستنارة بلوحات لبابة لعلج مدخل جمالي لإدارك بعض أسرار تشكيلها الصباغي الذي يمتد من حضارة الصورة لدى الغرب، مرورا بحضارة الإيقاع لدى الأفارقة، وتفاعلا مع حضارة الرمز والعلامة لدى الشرق ببعديه الأقصى والأدنى. هكذا تعشق لبابة كل عوالم الصور التشخيصية الجديدة والتمثلات الحروفية ذات الإيحاءات المتعددة التي تؤكد “إشكالية المعنى وبلاغتها”. طوبى لهذه المبدعة التي أفاضت واستفاضت في ترويض الماضي، واستشراف المستقبل، والإنصات للحاضر عبر كتابة تشكيلية تتدرج من الخط إلى العلامة، ومن الصورة إلى المعنى!

تثير تجربة لبابة، بشكل بليغ، ثنائية الفراغ والامتلاء، إذ يصبح الفراغ معادلا جماليا للامتلاء، ويغدو الامتلاء معادلا جماليا للفراغ. فعبر هذه الثنائية، تتم المصالحة الكبرى بين الفن والحياة على خلفية مقاومة كل النزعات الفوضوية، والعدمية والتيئيسية.

حقا إن لبابة واعية تمام الوعي البصري بأن الإبداع سر من أسرار الحياة بتفاصيلها وجوهرها وعنفوانها. فهي تقبض على الضوء الهارب في امتداده المكاني والزماني، موظفة كل الحمولات المضمونية والجمالية التشكيلية لكي تقدم تصورا جديدا لعملها الفني الباحث عن خلاصه المعرفي. عمل فني ابن اللحظة التي تبدعه فيها كطفولة متجددة لا تشيخ. هاهنا، تكمن الذاكرة الإبداعية للفنانة لبابة التي حققت، بالقوة وبالفعل، نقلة نوعية في جو من الحرية والاستقلالية دون قيد أو شرط. منجزها الفني، إذن، تحليق خارج كل تجريب ميكانيكي، أو ادعاء عبثي، أو هذيان بصري.

من المؤكد أن توليد اللوحات /التأملات لدى لبابة يحتاج إلى دراسات معمقة آنية ومستقبلية لتحليلها ومقاربتها بشكل محايد ورصين، لأنها من سلالة الخيال، والوجدان، والمعرفة، والماورائي، والأسطوري، والخارق. إبداعها ابن ذاته، لسان حال وقته. فهو صوتها الأعلى الذي يكسر الحواجز بين الفنون الزمنية والفنون المكانية، ويستدعي بالتالي المشاهدة المثالية المؤطرة بوجهات نظر مختلفة. هذا ما يشكل حيوية لغة لبابة التي تجعل من التشكيل جزءا عضويا من التفكير البصري ومن سيرورة توليد المعاني الجديدة، وتفكيك الأسرار الخفية التي ترسم مساراتها في المستقبل. يبقى الحوار الوجودي مع الطبيعة شرطا رحميا في تكوين شخصية هذه الفنانة. فلا فن بدون هذا الحوار، مادام المبدع هو نفسه طبيعة وجزء من الطبيعة بتعبير الفنان العالمي بول كلي في مؤلفه.