Kurdî
سرد

السرد النرجسي- محاكمة الكتابة بالكتابة – عمّار المأمون

29 أغسطس, 2018 - 1287 مشاهدات

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

باريس-عمّار المأمون

يمكن وصف ما بعد الحداثة وتقنيات السرد الروائي التي تندرج تحتها بوصفها حكايات عن حكايات، وروايات عن روايات، هي باردويات ساخرة من تاريخ الرواية ذاته، وتفكيك للكتابة ونماذج نقل الحكاية بوصفها تُحيل إلى بنى تسعى للتماسك عبر توظيف التقنيّة، ما يَجعل الأخيرة “سياسيّة”، أشبه بالمونتاج، هي تَسعى لتقنين الحكايات ونَمذجتها لتحيل إلى معنى ما مفترض سابقاً،هذهالتقنياتوعمليات “التسيس” هذه هي ما تستهدفه ما بعد الحداثة، إذ تدعو للانفلات منها ومحاكمة أشكالها، عبر البحث عن هوامش الحكايات وما أغفلته هذه التقنيات من جهة، ومسائلة هذه “الروتينات” في توليد المعنى والتشكيك بصلاحيتها من جهة أخرى، تقترح الكاتبة والناقدة النسويّة ليندا هيتشيون في كتابها “السرد النرجسي” -1980-، مقاربة لتقنيات “ما فوق السرد” هذه،  مستندة إلى أسطورة نرسيس، لتغدو الرواية وكأنها تحدّق في ذاتها وشكلها ومضمونها، وبما يشابه التحديق اللاكاني، الرواية تحدّق في ذاتها وبنيتها اللغوية والمعرفيّة، فهي تسعى للانحراف والتحرر من التسيس وتقنيات الهيمنة.

إدراك هذه التقنيات واستخدامها يتطلب وعياً بالرواية كفنّ، بتاريخها وتطورها، وخصوصاً أنها تحمل خصائص البارودي، بالتالي لابد من معرفة النص الذي تتم محاكاته بصورة ساخرة أو نقديّة، فالكاتب والقارئ في هذه الحالة يشتركان في بناء المعنى وفي انتقاد “الحكاية” و”كيف تُسرد”، فاشتغالات السرد النرجسي تتطلب الوعي بالرواية ذاتها، سواء من قبل الكاتب/ السارد أو الشخصيات، إلى جانب الوعي التاريخي والسردي، عبر إدراك إحالات الرواية، سواء لتاريخ الرواية ذاته أو للمرجعيات الواقعية، هذان المستويان من الوعي يفعلان تقنية مافوق السرد، لتكون الرواية النرجسيّة، قادرة على تمييز ذاتها وأصواتها ونصوصها التي تحيل لها.

تقترح هيتشيون أربعة نماذج للسرد النرجسي، تفعّل خصائصه وقيمته النقديّة والفنيّة، أولها هي “حبكة المحققين” أو تلك التي نقرأها في روايات المغامرات وجرائم القتل،بوصفها تقوم على الوعي الذاتي لدى الشخصيات بأنها تتحرك ضمن الرواية ، كما أنها تشارك القارئ ذات المستوى من المعرفة، بل ونراها أحياناً إلى جانب القارئ تشكك بالكاتب وطبيعة المعلومات التاريخيّة –الواقعيّة التي يقدّمها، لتتحول الحكاية من البحث عن “قاتل مفترض” إلى البحث عن حقيقة الكتابة ذاتها وجدوى هذا التدوين، ليصبح الراوي ذاته متهماً عبر تساؤلات موجهة له وسبب اختياره لشكل الحبكة وتصرفات الشخصيات.

النموذج الآخر مرتبط بـ”الفانتازيا” وبناء العوالم المتخيّلة والتي من المفترض أن تكون مشفرة بطريقة تتيح للقارئ الوعي بالعالم الفانتازي الذي تبنيه الروايّة، هذه التقنية تتجاوز السابقة بحيث أن القارئ لا يسعى فقط إلى فك الرموز ومرجعياتها الواقعية أو الروائيّة، بل إلى بناء عوالم متخيّلة متكاملة وإدراك العلاقات بينها، هذه الأشكال من الروايات المتمثلة بالخيال العلمي تقطع العلاقة مع تاريخ السرد ذو المرجعيّة الواقعيّة، لتبدأ باختبار الكتابة ذاتها وقدرتها على تفعيل الخيال،هذه التقنية تستفيد من الصنعة اللغويّة في بناء العوالم المختلفة، للتشكيك بما هو روائي وواقعي على حدّ سواء، وهي تحضر في قصص بورخيس وكالفينيو، لكن بالإمكان أن تستثار في أعمال أخرى ذات صبغة واقعيّة، كنبوءات العرافات في ماكبث أو الشخصية التي تخترع لغة خاصة بها في رواية ميلان كونديرا الأخيرة “حفلة التفاهة”، فهذه العوالم اللغويّة سواء ذات المرجعيّة الأسطورية أو النفسيّة، تحاكم عملية التدوين وسير الحكاية بوصفها تخلخل النظام التقليدي للمعنى، وتختبر لغة الرواية وقدرتها على التعبير وقدرة القارئ على فك التشفير، كونها تمتلك القدرة على الانفلات من المنطق والتسيس والتلاعب بالزمن، إلى جانب السخرية من تتاليه المنطقي والذي يرتبط باللغة وتكوينها والعناصر الفيزيائية التي تشكل علاقات العوالم المتخيلة التي تحاكي بسخرية تلك الواقعيّة.

التقنية الثالثة مرتبطة بـ”اللعب” وكسر الجديّة، بوصفها تخلخل بنى العلاقات التقليديّة ضمن الراوية، أشبه بلعبة الورق، والتي يُمكن أن ترصد في مثال واضح هو”قلعة المصائر المتقاطعة” لإيتالو كالفينو، باستخدام أوراق التاروت وقراءة الطالع تعكس الرواية   منطقاً جديداً لعلاقات العالم العشوائية، قائم على الحظ والتفسير الشخصيّ، بحيث تُوضع قواعد هذا العالم أثناء اللعبة وعبر تقنيات التشفير المختلفة التي يمتلكها القارئ و السارد المفترض.

المقاربة الأخيرة التي تقترحها هيتشيون هي الإيروتيكا، الرواية بوصفها انعكاس لعلاقة جنسية بين القارئ والنص، لتغدو الرواية بحد ذاتها كجسدٍ يتيح للقارئ اكتشافه، ذلك عبر التقنيات الشكليّة المرتبطة بإخراج الكتاب من جهة، وعوالم الفانتازم التي تبنيها الشخصيات والتخيلات الجنسية المرتبطة بها من جهة أخرى، هذه المقاربة ليست مستخدمة بكثرة كونها تتعامل مع الكتاب نفسه كمُنتَج فيزيائي، فالأيروتيكا تفلت من قيود التقنيّة وتشطح في المتخيل كونها بلا حدود أو أخلاق، هي أِشبه بكتلة من طاقة دائماً لابد من ضبطها تخلخل البنيّة المتماسكة التي تسعى الرواية لتحقيقها.

التقنيات السابقة مازالت مفتوحة على التجريب، هي محاولات لمسائلة الرواية كنوع أدبي، فكما نرسيس يحدق في المرآة غارقاً في ذاته تأتي هذه التقنيات لتقتله وتبعثه من جديد، تدعوهليحاكم رؤيته ذاتها،والماء الذي بسببه وقع في حبّ ذاته، الكتابة النرجسية هي محاكمة فنية- نقدية للرواية يقوم بها كل من القارئ والكاتب، لا بوصف ذلك خلاصاً أو سعياً لكتابة جديدة، بل تفعيل لعوالم هُمّشت وأزيحت إثر الهيمنة السياسية والأكاديميّة والإعلاميّة التي تُمارس على الأدب والفن.

 

مقالات ذات صلة

العمل لـ: محسن البلاسي
بهاء إيعالي

بهاء إيعالي

22, أبريل, 2019

المكتبة – بهاء إيعالي

أشعل الضوء، لا زالت كما تركها قبل شهرين، رواية لدوستويفسكي طبعة دار

المزيد