Kurdî
سرد

الساعة – نبيلة الشيخ

01 أكتوبر, 2018 - 416 مشاهدات
اللوحة للفنَّان التشكيلي: أكرم زافى- سوريا

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

نبيلة الشيخ – اليمن

ما زلت أندهش مثل طفلي الصغير الذي اندهش أول مرة لاكتشافه يديه و قدميه، وعلامات الاستغراب الهائلة التي كان يبديها وهو يتأملها، أتحسسها على وجهي هائلة بنفس القدر، فحين انتحر ت جارتي قالت لعائلتها، إنها ستذهب  إلى الله، ولن تخاف منه، لأنه يعرف قسوة حبيبها الذي تركها وهي مجنونة به، ظللت مندهشة لفعلتها هذه، كيف استطاعت أن تخترق الوقت بهذه السرعة وأن توقفه؟ وكيف أشعلت النار في نفسها، حتى الموت؟ كنت قد أنهيت الثانوية العامة حين بدأت أحلم بذلك الحلم الذي تكرر كثيرا، فأراني في قاعة الامتحان وأنا أجيب على الأسئلة، ثم يتقدم  المراقب في الوقت غير المناسب، ينظر إلى ساعته، ويقترب مني ليسحب ورقة الإجابة، فيهجم علي شعور رهيب بالخسران، وهو يردد أنتهى الوقت، وكأنما أطبقت علي أنفاسي مثاقيل لهموم كالجبال، وكأن كل خساراتي قد تركزت في تلك اللحظة التي يتم سحب ورقة الامتحان مني فيها، حين أستيقظ أشعر بالفزع، لأن الوقت يمر، أفكر أن أملأه بأشياء رائعة، لكنه يمر وأنا أفكر، ثم أفكر أنه سيمر وأنا أفعل الأشياء الرائعة، أنه سيمر على أي حال، ثم تخفت رغبتي في عمل الأشياء الرائعة، وأتأمل الوقت كيف يتسرب من مسامي ومن كل ذراتي، يمر بصمت، يقضم مني وكأني فطيرة شهية، يا لهذا الوقت كيف يلتهمني بتلذذ وبطء، اندهش كيف استطاعت جارتي أن تقدم له كل فطيرتها دفعة واحدة، وكيف أن شهيته نهمه فهو يستطيع أن يأكل بشراهة أيضا. حين خرجت من منزلي، كان الناس  في الشارع الثاني يتحلقون حول ثور كبير، كان الثور قد تحول إلى قطع كبيرة من اللحم، كانت دماؤه قد لونت الأرض، وكانت رهبة تهز جسدي، ورائحة حزينة تغمرني، وشعور بالغثيان، سألت أحدهم ما الذي يحدث؟ أجابني هذا الثور تم ذبحه مقابل القتيلين اللذين تم قتلهما قبل عامين في، وفي نفس المكان أمام منزلهما، تذكرت ذلك، وقلت له نعم نعم تم قتلهما على مسمع ومرأى من الأم التي طار صوابها من هول الفاجعة، الآن تم الاتفاق على مبلغ الدية التي سوف تدفع، وعلى ذبح هذا الثور، كم هزنا خبر قتلهما، وكيف روعتنا الحادثة، واندهشت كيف استطاع الوقت أن يخترقهما بهذه الصورة، وكيف استطاع الثور وتلك العملات الورقية، أن تحل محلهما، وهل ستأكل أمهما حقا من هذا الثور؟ لقد كانا يشبهاننا، ولا تصلهما أي صلة قرابة بفصيلة الأثوار، روعتني الدهشة، وتسللت إلى المنزل المكلوم، وعبرت جمع النسوة اللاتي كن في الردهة وحركة نشطة تملأ البيت،  وصلت إلى الأم ورائحة الحزن تختلط بالغثيان وبصورة الثور وأشلائه، التي صارت بديلا لفؤاد ومراد وسألتها وأنا أتمنى إجابة بقدر دهشتي، لماذا قبلتِ هذا؟ لم أستطع أن أسالها أنسيت دم ابنيكِ؟ لكنها فهمت ما أردتُ أن أقول، وأجابتني بيأس واقتضاب، لن يُمسك أحدٌ بالقتلة أبدا؟ إنهم من العلية، كانت الدهشة تلهو بي، وأنا أتذكر فؤاد ومراد وهما يضحكان أو، يتحادثان كلما مررت أمام منزلهما، كيف حدث هذا، كيف استطاع الثور أن يحل محل الفتيين الرائعين، وكيف استطاع الوقت أن يوقف كل ذلك الشباب وتلك الحيوية المتدفقة؟ وكيف أخترق الوقتُ قلبَ أمهما الُمحبة، بعد أن أقسمتْ على القصاص، فقبلت التسوية؟،وكيف صرت في كل يوم أمر من أمام منزلهما تدهمني الرائحة الحزينة الممتزجة برائحة دم لثور تكوم لحمه، في تلك الليلة تكرر حلم ورقة الامتحان، وكابوس المراقب الذي ينظر إلى ساعته، وهو يقترب مني في الوقت غير المناسب، ليسحب الورقة، وهو يؤكد أن الوقت قد انتهى. أمَّا تلك  المكالمة الهاتفية التي وصلني فيها خبر إصابة قريبي عزيز بحادث سير، فكانت فاجعة، كان عزيز وسيما، ممتلئا بالحيوية، لا يكل عن العمل لفترتين، ولا يفكر أن يتوقف عن هذا الروتين، حين ذهبت لزيارته، كان ما يزال وسيما، لكن الأطباء أكدوا إصابته بنزيف دماغي، وبكسور فخذ تمنعه من معاودة المشي بطريقة طبيعية، عزيز الذي تغيرت ذاكرته، وملامحه، ولم تعد فخذه قادرة على حمله، رغم عملياتها العديدة، جعده الوقت، سريعا، ولون صدغيه بالشيب، يتأبط عكازه، ويلزم بيته، رأيته بعد سنوات من الحادث، لم يعد وسيما، صار مثل طفل صغير، يحتالون عليه كالأطفال ليلتزم بقوانين الحياة التي لم يعد يبالي بها، يغرونه بالحلوى، لكي لا يثير المشاكل التي لا تنتهي، لقد قرر الوقت أن يغيرَ من شكل لوحته، و أن يعدِّل من تفاصيل كثيرة فيها، وها هي ذي الساعة الثالثة صباحا، تخرج لي لسانها الآن محذرة عن التمادي في سهرتي, لكم ازعجتني هذه العقارب وهي تهوي عليّ بمطرقتها الثقيلة, وتحيلني إلى طالبة في قاعة اختبار تهددها بانتهاء الوقت وسحب ورقة الامتحان قبل الانتهاء منه, لطالما اشعرتني بقلق خفي مطمور بداخلي من إيقاعاتها المتوالية كجلاد وأخافتني  الإحصائيات المرعبة المحشورة في باطنها عن تحركاتي، عن كل ما عملته، وعن كل ما كان يجب عليَّ أن أعمله، تلك الساعة تراقب القطعة الطينية المصبوبة بإتقان على الروح, ولذا فما زلت أحلم بقاعة الامتحان، بين الفينة والأخرى، وما زال المراقب يرهبني وهو يقترب مني، ليسحب مني ورقة الامتحان ،وهو ينظر في ساعته ويخبرني أن الوقت انتهى.

مقالات ذات صلة

العمل لمحسن البلاسي
فتحي مهذب

فتحي مهذب

08, أبريل, 2020

فتحي مهذب – القطة السوداء

المزيد
من كائنات: "فخري رطروط"
عبد الرحيم التدلاوي

عبد الرحيم التدلاوي

04, مارس, 2019

قصص – عبدالرحيم التدلاوي

ما إن تحلقنا حول موائد الطعام نسترجع أنفاسنا بعد

المزيد