Kurdî
سرد

“الأيام حين تعبر خائفة” لـ محمود خيرالله: الحياةُ نافذةٌ مفتوحةٌ على الموت- عبد النبي فرج

15 مارس, 2019 - 760 مشاهدات
العمل لـ: محسن البلاسي
العمل لـ: محسن البلاسي

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

عبدالنبي فرج

هناك عنوان لا يصلح عتبة لقراءة النص، وهناك عنوان آخر يلعب دوراً مهماً في القصيدة الشعرية، ويقبض على جوهر النص وربما يساعد على تعدد دلالته وتأويلاته، ومن بين هذه العناوين التي تضرب بجذورها القوية في شرايين النص يأتي “الأيام حين تعبر خائفة”، وهو عنوان الديوان الجديد للشاعر محمود خيرالله، الصادر عن سلسلة “الإبداع الشعري”، التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب.

العنوان هنا يعبر تعبيراً دالاً عن الزمن ووطأته وتجليه في كل زاوية من زوايا حياتنا، وهو ما يريد أن يعلنه الشاعر من أول نص في الديوان، حيث الموت حاضر في القصيدة التي هي بمثابة مفتتح الديوان:

“كقُبلة وداعٍ

مزقتها صافرة القطار،

كحافلة سقطت في النهرِ عنوة

فتبللت جيوبُ الموت

فجأة..”

صحيحٌ أن الموت ليس موازياً للفناء، ولكنه هنا يبدو موتاً مرحلياً، من خلال التحول، أو التناسخ، سواء في سلسال الدم، أو التحول لشجرة، أو لشبح، لكن يظل الموت مربكاً وغامضاً في هذه القصائد، التي تذكر قارئها دائماً بأن على هذه الأرض، بتعبير محمود درويش “ما يستحق الحياة” لذات صغيرة، تلذذ بثمار التوت، في إشارة إلى تلك الأفراح الصغيرة التي تعيشها الذات، والتي لا يعلم عنها أحد شيئا، لأنها خاصة جداً، مثل أن يجلس المرء بمفرده تحت الجدار، أو أن ينظر بتأمل إلى شُرفة.

من بين الظواهر التي يحفل بها الديوان أيضاً، ظاهر العري، حيث هناك حالة عري ورغبة في التعري في كل نصوص الديوان، عري الذات في مواجهة الوجود، عري البدن،  الرجال والنساء، عري الأشياء/الجدار/ الصوت، النوافذ/ عري الشجر. والعري رغبة أصيلة في التخلي، رغبة في الجوهر، العري هو التخلي عن المتاع لصالح الاحتفاظ بروح نقية في مجتمع استهلاكي مدمر. حالة العري مرتبطة بسريان صوفي داخل النص، وهذا التخلي ليس نزهة، أو بهرجة كرنفالية بل عملية شاقة، لأنها في النهاية تنتزع هويتك تماماً هنا الفناء بصيغة ما، ليكون عكاز وسند لأرواح حره وبريئة:

“ليس سهلاً

أن يخلع البناؤن عظام

-قطعة قطعة- أمام الناس

لتصير أرجوحة للصغار..”

التجريد، وهنا يتخلى عن الفيض والزخرفة، والتوشية، لصالح التكثيف، والايجاز والمحو، لصالح التخييل، أريد أن أشير لنص صغير وهو اللص، كان يستطيع الشاعر أن يصنع منه تفاصيل كثيرة جداً ولكنه لم يفعل مُعتمداً على قوة الأثر، لدرجة أنني كلما قرأت القصيدة أحس بلهاث الصبي اللص والفلاح العجوز الذي يتبعه، وكأنه  صوت الكمان لدى الراحل أمل دنقل/ والشاعر محمود خيرالله لا تعنيه التفاصيل، فلتذهب التفاصيل للجحيم، ما الذي تريده من النص، قوة الأثر، الدهشة، المتعة، التخييل، الغنى وثراء العالم، هو ما تريد فقط افتح عينيك علي اتساعهما وأنت تقرأ شعر خيرالله، فمجرد أن تغفل يمر ما يذهل العقل والحواس، الشاعر في هذا الديوان يعصر روحه داخل نسيج النص، يضخ ألمه وعذاباته، ومحباته، ورغباته، يضخ حتى الموسيقي التي تتدفق داخله، كما يضخ مشاهداته، خيباته، ولعه، فقره، إرثه المظلم، لحظات توقه إلى الفعل.

ومن بين ملامح هذا الديوان هناك ملمح “قوة المشهد”، حيث تعتبر نصوص الشاعر محمود خيرالله مجموعة مشاهد، أو مجموعة لوحات فنية ومحكمة، بشكل مذهل، وقد يكون اكتسب هذه المهارة من الفن التشكيلي، أو السينما، ليس مهماً، ولكن الملاحظ أن هذه المشاهد تحتوي لقطة داخل كادر مخنوق ومحاصر، بدون تفاصيل كثيرة، وكأنه رصاصة في القلب، أو ندبة، لماذا هذا التقشف، ما الذي يمنع محمود من الفيض، نعود مرة ثانية للحالة الصوفية، وكلمة العارف الصوفي/ كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة، والرؤية لها دور مركزي/ الرؤية النظر/ الرؤية البصيرة/ الكوة/ النافذة/ أنها أدوات حميمية لاجتياز الطريق، حيث يحكم الشاعر المشهد لتثبيت هذه اللحظة التي تريد أن تفلت من بين يديه بقوة الزمن، هكذا هم الفقراء، يتصورون أن في يديهم اشياء ثمينة وفي نهاية الرحلة يكتشف أن في يديه الريح.

كما أن النافذة دالة مركزية في الديوان، ويمكن تسميته بديوان النوافذ، ولكن حضور النافذة يبقى ـ رغم ذلك ـ حضوراً تلقائياً، بدون استدعاء، النافذة هي من تحضر وتقول أنظر أنا هنا، هناك النافذة الواقعية، النافذة كلعنة، كمعلم  النافذة كتمثيل رمزي للزمن كما يشير في قصيدة “لا شيء يدوم”:

“علمتني الشرفاتُ التي وقفت خلفها،

كثيراً وأنا صغير،

أن لا شيء يدوم

حتى وانت مختبئ

وراء شرفة بالية..”

النافذة كعزاء وتأمل في هذه الحياة، كمصد وحاجز، كمصيدة، كأداة للتلصص، ككائن حي يشيخ ويموت، النافذة، كقوة بصيرة ودفء إنساني، النافذة كانفتاح على فضاء إنساني رحب، أنسنة الأشياء الجدار والنافذة، الشجرة، الخرائب، ذوات انسانية تولد وتنمو وتشيخ وتموت، وتنفعل وتصبر، وتحمي وتدافع وتسقط في النهاية ككيان مهدم:

بعض الشرفات تودّع حياتها التليدة في البناية،

وتهوي علي الأرض  

مرة واحدة

كأنها قررت

فجأة

أن تنتحر..”

يظل الزمن بطيئاً طالما كان المشهد مرتبطاً بلحظات التأمل والحنين، والتعبير التقريري عن حدث ما عام، لكن فى اللحظات المؤلمة، يتشظي الزمن وينتقل بسرعة ما بين الماضي والحاضر والمستقبل، كما هو واضح بشكل قوي في قصيدتي “وجه أبي” و”اللص”.

الانحيازأيضاً من السمات التي يتسم بها شعر خيرالله منذ ديوانه الأول “فانتازيا الرجولة” 1998، واستمر كظاهرة في الدواوين اللاحقة عليه “لعنة سقطت من النافذة” 2001، و”ظل شجرة في المقابر” 2005، و”كل ما صنع الحداد” 2010، وهناك انحياز اجتماعي لا لبْس فيه تجاه النكرات والضائعين والساقطين في هذه الحياة، وقد يكون في بعض الأعمال مباشراً وواضحاً وفى أخرى خاصة في الديوان الأخير، يوازي الشاعر برهافة بين الجمالي والقضايا الاجتماعية، لذلك لن تشعر بوجود القضايا الاجتماعية لأنها في هذا الديوان تدور داخل إطار إنساني رحب وعذب، ينحاز محمود للمهمشين في قصائد “ليتني شجرة”، وفي “اللص” وهذه من القصائد البديعة و”وجه أبي”، و”يرفرف عارياً”.. وغيرها.

غلاف الديوان
غلاف الديوان

دعنا نعود إلى العنوان ثانية، وبه مكر ما، هل الأيام هي التي تمر خائفة؟ أم الذات الشاعرة هي التي ترتجف بعنف أمام زحف الزمن، الذات هشة تقف حائرة، أمام توغل الزمن، الزمن فاعل وجوهر أساسي في الديوان، لذلك لا يمكن أن يكون مفعولاً به،  لكن الذات الشاعرة في لحظات ما مسروقة تكون هي الفاعل حيث تتحرر من المخاوف، تسخر من الزمن والموت والفقد، هي  لحظات النشوة، والإشراق الصوفي، قد يكون في هذه الفترة تحت واقع مغاير، واقع الحلم أو المخيلة، أو تحت نشوة مخدر ولكن بالتأكيد هي لحظات استثنائية، ينسلت فيها من الواقع اليومي البائس ليرتب مشاهده بسردية بسيطة وغنية، يكتب في حالة شفافة مدهشة، تجعله يمتلك بصيرة لا تتاح للعقل في صحوة اليومي والمباشر، صحيح أن الكتابة بنت الذهن الذي يُهندس العالم لكن لا يمكن إغفال المخيلة والحواس، في هذه اللحظات المسروقة ينتقم بقوة من الزمن ويسخر منه، كأنه الوقت يرتعش خائفاً، يجب أن نلفت الانتباه لارتباط الهذيان، أو لحظات الصحو الاشراقية باللغة المحكية، مثل قصيدة “عارياً يتغطى بنافذة”، يقول:

“احصل علي النافذة أولاّ

 وأنا أضمن لك أن القمر سيأتي صاغراً معها.. “.

أو في قوله في قصيدة أخرى:

“قلت له: والمصحف هذا (القمر)  ليس صديقي،

 وذلك الأفق – وعهد الله ليس ابن عمتي”.

ولذلك لم يكن غريباً والحال هكذا أن يصف البار بوصفه واحداً من نوافذ هذا العالم:

“البار

هو الجنة التي يلوذ بها،

من كان زاهداً فيها

من يحاول العودة للبيت

 وهو لا يستطيع أن يعود إلي نفسه”.

هناك يكشف يوضح نافذة من النوافذ الغامضة في الحياة، فهو في منطقة رحمية، منطقة إبداع وتجلي ولولا وصوله إلى هذه النقطة المركزة ما استطاع كتابة هذه القصيدة “وجه أبي”، لأنها قمة التحرر، التحرر من إرث الماضي، والتفهم والتعاطف مع هذا الكيان الذي كان يمثل وجوده ندبة، هي  قصيدة تنفذ لجوهر العظام العاري من الحياة والوجود.

وهناك أيضاً ظاهرة “أنسنة الثورة”، على نحو ما جاءت في قصيدة “كثورة تدحرج فوق السلالم “، وهي قصيدة يرثي فيها الثورة التي يراها أخفقت من خلال مخيلة غنية وخصبة، ينتقي مشاهد أقرب للنوستالجيا، يختصر فيها كل تجربة الديوان، الحب والموت، والخوف، والرغبة في الحرية والضياع:

ديوان محمود خيرالله ـ إذن ـ ديوان جامعٌ للمتناقضات، في توليفة مدهشة، وهو ديوان الموت حد الفناء، وفي الوقت نفسه هو ديوان تمجيد الحياة، الحب والبهجة والفرح والنكتة والسخرية، الكبرياء والانسحاق،  التخلي والتجريد، والاكتناز والثراء، البناء والهدم ، اللذات، والجوع والعطش وخفوت الروح،

لقد مزج محمود برهافة بين اللغة الانشائية، والمحكية، والتقريرية، والنثرية البسيطة في مزيج مدهش، مما جعل النصوص تبدو شفَّافة ونقيَّة.

يُشار إلى أن محمود خيرالله أحد أبرز الأصوات الشعرية قصيدة النثر المصرية، يعمل نائباً لرئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون كما يعمل مديراً لتحرير مجلة الثقافة الجديدة الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، كما أصدر خمسة دواوين شعرية، وقدم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني طه محمد علي، والتي صدرت تحت عنوان “صبي الفراشات الملونة”، عن سلسلة “ابداع عربي”، التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب 2018.

مقالات ذات صلة

من كائنات: "فخري رطروط"
نزار غالب فليحان

نزار غالب فليحان

16, مارس, 2019

الجوائز الأدبية العربية: ظِلال المبدع وبلاط المانحين – نزار غالب فليحان

أما شعار أن تدعم مؤسسات الدولة العربية و المال العربي الحركة الإبداعية

المزيد