Kurdî
سرد

إنه الحنين … نزار غالب فليحان

06 أغسطس, 2019 - 1044 مشاهدات
اللوحة لـ محسن البلاسي
اللوحة لـ محسن البلاسي

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

 

صباح آخر في بلاد تنهشها الصحراء بعيداً عن وطن تنهشه الضباع، وأنا في غمرة حنين لشيء ما بعيد كمستحيل قريب كهدب عين .

لا أعرف ما الذي دفع الراحل سعد الله ونوس ليخلص إلى أننا “محكومون بالأمل “، ألم يسترعِ الحنين انتباهه؟ لماذا لم يلتفت حقاً إلى الحنين؟ هل كان الأمل ممكناً إلى هذا الحد؟ ألم يكوِهِ الحنين يوماً؟ ألم تلفحه نار شوق أو تعتريه لوعة فقد؟ ثم هل كان ثمة إرهاصات لأمل ما؟ لأمل بشيءٍ ما؟ لأمل بيومٍ ما؟ بحدثٍ ما؟

بطيئاً يمشي الصباح، لا يلوي على جديد، يمشي برتابة شروق الشمس و غيابها، برتابة مجيئي إلى العمل منذ أكثر من ربع قرن، على ذات الطريق، وإلى ذات المكان، مثل حُمُرِ الكرومِ، لا تعثر لشدة حفظها لدربها بحجرة واحدة في مسيرها اليومي الرتيب الكئيب .

وأمل سعد الله ماثل أمامي كتلميذ مشاكس يمدُّ لسانه لمعلمه، كيف للأمل أن يحكمنا يومَ لم يعد يلوح في أفقنا بصيص ضئيل لبارقة تقود إلى حلم يفضي إلى أمل؟ أمل !!!؟

أين أنت الآن يا سعد الله؟ هل أتاك حديثنا؟ دعني أخبرك، لعلك لم تعلم أن كل أشرعة الأمل التي رفعتها يوماً قد نفدت، حرقها الطغاة ومن والاهم وشدَّ على أيديهم، فنفدت، جعلنا منها دفيئة الأطفال في مخيمات الشتات، فنفدت، جعلنا منها حبل نجاة للغارقين في بحار  الفرار  المرّ من الموت إلى الموت، فنفدت، جعلنا منها مناديل الأمهات يمسحن بها دموعهن، فنفدت، مزقناها خرقاً علقناها على طريق لم نعتده من قبل دليلاً لعَودٍ مرتقب، فنفدت .

مازال الصباح يخطو على مهل، ككل يوم توخز ذاكرتي تقاسيم محمد عبد الكريم، تدميها، أنزف حتى ارتجافة الوتر الأخيرة في بُزُقِ الأمير، أرجوها ألَّا تطول، أستعجل عبورها، و تصرّ هي أن تحضر بكامل دفئها فاتحة لصباح جديد …

تن ترنتن

تن تن تن

تن تن

تن تن

يدي على أزرار لوحة المفاتيح، بلمسة إصبع أستطيع أن أنهي ذلك العذاب النازف الجميل، لكنني أوثر أن أنزف حتى آخر قطرة من حنين …

تن تن

تن تن

أتذكر صباحاتنا يا سعد الله؟ صباحاتنا الكانت تفد إلينا بأجمل صوتين يمكن أن تصحو عليهما بلد بأكملها “نجاة الجم” و “منير الأحمد”، و قبل أن يكتمل طقس الحنين بأغنية فيروز  “بقطفلك بس”، مثل كوز تين أسكرته الشمس تقطفني صرخة “منير الأحمد” الأخيرة من خلف قضبان زنزانته “مرحباً يا صباح” .

ولا بدي شي بعدإلا داريك

بيتي بيصير وعد لما بحاكيك

يا ويل عيوني كيف بتندهلك

متل المجنونة بتصير تقلك

بقطفلك بس …

أين يمكن للأمل أن ينبت يا سعد الله حين “تعلق المدن عاشقيها”؟ كيف يهتدي الأمل إلينا ونحن مرميون على كثبان غارقون في لجج بحر ذابلون على مفترقات زوال؟

الأمل الذي تشبثت به يا سعد الله ولد فيك ومنك أصيلاً كسنديانة بريئاً كعيني طفل رقيقاً كجناحي فراشة، لكن أملنا أيها الراحل الجميل صار اليوم والخيبة سواءً بسواء، ليتك قلت الحنين يا سعد الله، لو قلتها كنت واكبت رحيلنا والعبث الذي يلفنا، فنحن لم يبق لنا سوى الحنين خشبة نتمسك بحوافها نتوسلها الطواف بنا إلى ضفة في مكان ما، وكمريض في سبات هكذا يحيا الحنين فينا على ذكرى نغمة في الصباح.

مقالات ذات صلة

اللوحة: أيمي نمر
زكرياء قانت

زكرياء قانت

06, يونيو, 2020

رامبو الغاب – زكرياء قانت

المزيد
مقداد خليل

مقداد خليل

30, أغسطس, 2018

دروس الأنحاء – مقداد خليل

فندقٌ رخيص وسطَ المدينة، نومُه على السطح فقط. لربّما هنا صهباوات العجم -حرفتُهنَّ الدعارة- في كلِّ حيِّزٍ من الفندق. (كنَّ موجودات حقّاً)،

المزيد
اللوحة لـ محسن البلاسي
ممدوح رزق

ممدوح رزق

08, يوليو, 2019

الموت العجيب لطائر – ممدوح رزق

أعتقد أنه لم يعد لدي الكثير من الوقت، ورغم أن سنواتي الأخيرة

المزيد