Kurdî
تشكيل

كائنات الشر الرهيفة – شيرو هندى

08 سبتمبر, 2018 - 486 مشاهدات
اللوحة للفنّان التشكيلي: أكرم زافى - سوريا

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

شيرو هندى – سوريا

تبدأ قراءة لوحات نهاد الترك بملاحظة الثقة الواضحة في تشكيله للمساحات اللونية الممددة، إذ تخوض العين في فضاء لوني واسع مع ندرة التفاصيل المحفزة للتدقيق. وغالباً ما يكون الانتقال من تكوين لوني إلى آخر بغية إيجاد التباين الهندسي والمنظوري، بعيداً عن فكرة جذب العين إلى كل ما هو تكنيك جمالي بحت. ومهما تقلصت مساحة الحركات اللونية، فإنها تبرز الحس الانطباعي المختصر عن موضوع ما، وتحور الفكرة المباشرة إلى هالتها التشكيلية. تمرّ اللوحة وبشكل مختصر بمرحلتين إيجاديتين، الأولى هي الفكرة وشكلها الكتلي، والثانية هي الإيضاحات اللونية ومؤثراتها المساحية المنظورية. إن اتساع مساحة لون الكتلة الشكلية يبرز مبالغة في تقديم الأفكار، مع احتمالات عديدة بنجاح قيم جمالية بصرية تجذب العين (في حالات كسر تسلط اللون الواحد، واستخدام ثنائيات لونية حيوية). ورغم التلاعب المفاجئ وشبه الجذري لإغناء البعد، خصوصاً في المراحل الأخيرة للوحة، فإننا نادراً ما نجد توظيف قيم تنوع اللون في الغنى المنظوري للأشكال، إذ تكثر المساحات اللابعدية الفقيرة للسطح. هنا نجد نهاد بعيداً عن الرصانة الأكاديمية الرتيبة، حيث يجول اللون داخل سيلانٍ قاسٍ ومبهم، مستغرقاً في وظيفته الحسية المرسومة بفصاحة لا يساوم عليها نهاد أبداً، كما لا يساوم على جعل شخصياته في حالتها الوحشية النبيلة، فالشر هنا ثمرة زاهية وبريئة، شر مستدرك، نادم، وعنف طيِّع ومتسامح.
يحتفي نهاد في كثير من الحالات بشخصيات أسطورية وملحمية يستجلبها من التراث الكردي ويحركها في مناخ خصوصيته. يحصل هذا في حالة من الحضور القسري المبهم، حيث يروّضها في خيال مساحته التشكيلية، مذهولة ومستكينة. في بعض المشاريع نلحظ رغبة حقيقية في تقديم تقنيات هامشية متنوعة تبرز ملامح تثقف تشكيلي، ولكن من دون أن تدخل هذه التقنيات في صلب أسلوبية الترك، لتكون فقط شكلاً من أشكال التنويع في مزاج اللوحة.
هناك أيضاً الاستخدام الوفير والمركّز للّون الدلالي، الذي يفسح المجال لالتقاط لمسات ذات قيمة حسية كثيفة جرّاء تعامل نهاد مع مساحاته اللونية الواسعة، في محاولة منه للإفصاح عن تقصده في عدم استخدام التقنيات التقليدية التي من شأنها أن توفر للّوحة جذباً بصرياً، يعتبرها هو قيماً تزيينية.
من طبيعة الأعمال الفنية المرتكزة بقوة على الأفكار، هو تناولها المستفيض للواقع، وهنا تفصح كائنات نهاد عن تماثلها الإنساني وتشابهها المحرف بشكل إما رمزي أو تعبيري أو حتى عبثي. كائنات تتحرك ببطء في حالتها الواقعية المرسومة بشكل تخييلي بسيط، متجاذبة بشكل أقل مع فراغها (الملون) وأكثر مع كتلة لونية أخرى مستقبلة. إذ يكثر استخدام تخاطب كائنين أو كائن مع قيمة لونية هندسية، ففي العديد من اللوحات هناك نوع من الدوران أو الانزياح للمعطيات الهندسية المفترضة.
يرينا الترك في مشاريع أخرى حديثة مساحة أكبر من التجريب. يغني مواضيع وفرضيات الشكل المستعاضة عن قيم رمزية وأخرى بصرية غاية في التذوق الحسي والشحن العاطفي. كذلك يسهب في شرح كائناته الغنية بالميثولوجيا والملحمية عبر إبراز دقيق للشكل المتخيل لروح هذه الكائنات في المخيال الشعبي. ومن جهة أخرى يكثر من استخدام الخطوط التي ترينا براعة في إيجاد سكونية مطلقة وجذابة لحركة الكتل التي تلتهم فراغها وتضبط إيقاعية تناسب تماماً شراهة اللون الذي لا يزال يستخدمه الترك بجمالية مفعمة بالجرأة .
وفي ما يخص تجربته مع البورتريهات والتشخيص في لوحات مفعمة بالخطوط وشحيحة الألوان، فهو قد يخص نظرة الترك لماهية وغاية الفن وحضوره المجتمعي. يناول شخصيات الشهداء، ولا سيما النساء منهم مع إشارات النصر وأوشحة وابتسامات تنقل مدى تأثر الترك بمحيطه. ورغم أنه لم يبذخ بألوانه الصاخبة، إلا أنه أضاف بعداً نفسياً جريئاً إلى وجوه الشهداء كما لو أنهم في زمان ومكان خاصين لا هم أحياء ولا هم متوفون. لا بد للترك أن يضيف في كل مرة حساً استكشافياً أو ملتبساً يوقظ به عنوة وحوشه النائمة كأطفال أخذتهم الغفوة، لا تعرف هل موتى هم أم مغمى عليهم أم متأهبون ليتحولوا إلى أبطال أفلام الخيال العلمي. رغم ادعاء منتقديه بتكرار المشاريع والشخصيات أو ربما الأسلوبية المعتادة، إلا أن هذا بعيد عن فهم حقيقة التطور والبحث الدؤوب لاستعمالات نهاد لمفردات التشكيل الخصبة. إنه قبل كل شيء مخلص لذاكرته، وألمه الذاتي يحرّض دواخلنا بسهولة للظهور والبوح.
غيلانه الرهيفة التي تشم الورود حيناً، ويصغر حجمها متسلقة زوايا بائسة حيناً آخر ليست إلا مصائر لأرواح وحيوات عارية من تجملها الزائف. رغم خصوصية رموزه وأرقامه المتكررة، إلا أنها تغدو إشارات سهلة للتلقي ولفهم أثر الألم الشخصي للفنان. ومع كل مشروع أو استكشاف جديد، يغدو نهاد الترك في بنية اللوحة أكثر إقناعاً باختلاف تجربته وتميزها عن بقية أبناء جيله. “اللوحة التشكيلية كنتيجة متطورة لمفاهيم الفنان البصرية المتراكمة والنشيطة تتجاذب بشكل تركيبي ومعقد مع عين الإنسان البدائية”، وهذا تماماً ما يتيح لكل تجربة تشكيلية مماثلة الحق باستمرارية طرح ما هو خاص واستثنائي.

مقالات ذات صلة

أشرف الحساني

أشرف الحساني

08, سبتمبر, 2018

الاسترزاق الفني: قراءة في المشهد التشكيلي المغربي

إذا عدنا إلى النصوص “النقدية” الأولى في وطننا العربي سنكتشف أنها عينها لم تكن إلا مجرد انطباعات حول الفن العربي، كتابات يطغى عليها الطابع الاستيهامي (وليس الشعري) الذي لا يمت للفن بصلة.

المزيد