Kurdî
تشكيل

حين تصبح عامودا بلد المليون فنان في أحلام علي مراد – حوار: روان عكيد

14 أبريل, 2019 - 1128 مشاهدات
عمل للفنّان: علي مراد

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

حوار: روان عكيد

تتحوّل سنوات الغياب والهجرة إلى رصاصاتٍ، تجعله يعترف بأنه نصف قتيل في السليمانية ومعاقبٌ في عامودا وأنّ الرصاصات السبع لازالت مستوطنة في كتفه.

الفنان التشكيلي علي مراد مواليد 1972، تخرّج من معهد الفنون التشكيلية في حلب عام 1994 وعضو نقابة الفنون الجميلة بسوريا، وعضو اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين، ونقابة فناني كوردستان واتحاد فناني كردستان العراق.

له العديد من المعارض الفنية الفردية في كلٍّ من حلب وعامودا والسليمانية بكردستان العراق، كما شارك بمعارض جماعية كثيرة في أغلب المحافظات السورية.

الفنان علي مراد
الفنان علي مراد

– لم عامودا ولم 7 طلقات عنوان معرضك الأخير؟

لعامودا أرخبيل الكمالية.. هضبة الكمالية، والهضبتان اللتان تلوِّحان في الأفق القريب.. الطرق الضيقة التي رسمتها حوافر أحصنة المهربين، تاركةً وراءها قصصاً غريبة عن “الأومريين” وما يصنعوه من الجوز والزبيب.

أنا مدينٌ لعامودا بأكثر من قبلة وعناق.. عامودا تكية الشعراء.

في عامودا يختبئ الأزرق كأرنب خلف “القَلاج” والبرتقالي يرقص في بئر “ملا حسن” والتركواز يسرق الضوء من كروم “زيفكو”.

سبع رصاصات استوطنت كتفي وما زلت ألوِّح لها بضلعي المكسور..

سبعة ينابيع يرتدون دمي الأرجواني وأنا أخبئ في جيوب قلبي صورة امرأة ملعونة بالغياب.

سبع سنوات والمنفى يخلعني من جسد الحلم كمسمار صدئ.. سبع سنوات والنحاس توأم لحمي وقلبي مدينةٌ منكوبة.

عمل للفنّان: علي مراد
عمل للفنّان: علي مراد

– بعد سبع سنواتٍ من البُعد عن عامودا, ما هي حصة السليمانية من علي مراد وأنت تعيش فيها الآن؟

في السليمانية أمشي نصف قتيل.. سبعة أعوام وصقيع الشمال يخطف كل ما فيّ من ضوء وخبز ومطر.. ويصلبني على قميص الليل لحناً بطعم الجنازة.

سبعة أعوام وأرصفة الشمال تتسكّع على خارطة جسدي.. سبعة أعوام لم أشترِ وردةً حمراء لامرأةٍ تشبه “ماتريوشكا” ولا علبة بسكويت للمناسبات..

سبعة أعوام لم أسافر خارج حدود نزفي، و لم أحجز تذاكر فرح.. سبعة أعوام وأنا أبتر عنق الألف ميل بكبسولات (الصبر)، وأنام على سريرٍ أنهكه اليتم.

السليمانية تسقيني الترياق وتخبز لي رغيف حلم.. السليمانية أهدتني خاتم سليمان.

الشمال حائر بين فواصل فرحي وقوس حزني.. السليمانية تنحر لي ثوراً من العنب كل مساء  وتسطِّر هذا النحيب.

عامودا تعاقبني، عامودا تطلق سبع رصاصات على الهوية وتدفنني بدل ضائع.

عمل للفنّان: علي مراد
عمل للفنّان: علي مراد

– لنتكلّم قليلاً عن لوحاتك، اللون الأحمر حاضر فيها على الدوام، فما السرّ؟

ولدت من جمرتين في مدينة الحرائق (عامودا).. وقمري ليس أنثى.. قمري صرة ألوان وذاكرة.. قمري حكايات الأجداد.. طين وطحين، زبيب مهرَّب.. وتبغ أصفر يشبه لون مدرستي.. قمري المتوَّج بالرماد والبارود.. قمري هناك حيث الدخان والرصاص، قمري يطل من سماء كوردستان ..قمري مرهون بلعنة البراميل في حلب الشهداء قمري يتعطر بياسمين الشام، ويأتي مع أول موجة في اللاذقية، قمري في عفرين ينهب وبالزيت المقدس يُغرق.. قمري ينفض عن حمصَ الغبار ويمسح دموع حماة بمنديل صُنع في درعا، ويستحم في العاصي مع إدلب الخضراء، قمري يهدي لدير الزور فراتاً آخر كيلا تموت الرقة ظمأً.. قمري يعصر عنب الحسكة  ويمضي إلى سكره في السويداء وقمري.. ليس أنثى.

فكيف لي أن أتمالك ريشتي بألا تغطي اللوحة بالأحمر؟

عمل للفنّان: علي مراد
عمل للفنّان: علي مراد

– ماذا عن لون التراب في جدران لوحاتك، ما دلالته؟

التراب فلسفة بحتة، فليس بمقدوري أن أكتب عن التراب وليس بمقدوري أن أرسم لوحةً له، و لكن ربما كان باستطاعتي أن أرسم شيئـاً يدل عليه ،هضبة كانت أو بيتاً طينياً منتصباً لا يأبه لكل هذا الإسمنت المسلح، أو ربما جداراً يحمل في تركيبته الترابية مشاهد من ماض سحيق وغابر.

إنه ليس حائط المبكى أو جدار برلين أو جدار الفصل إنما هو الشرنقة التي تظل تتطور وتتطور إلى مالا بلوغ.. إلى ما لا نهاية.

– لمَ الأحصنة دون غيرها من الحيوانات في لوحات علي مراد؟

أحصنة لا يخترقها الرصاص، أحصنة وفوانيس لها قصص حب وموت، أحصنة تكتب تاريخ ممتطيها، أحصنة تكون أبطال الرواية وتطاردها الجمارك إلى أن تضللهم القصص.

عمل للفنّان: علي مراد
عمل للفنّان: علي مراد

– أُخِذَ عليك أن لأحصنتك قرون, فكيف تردّ؟

أما أنا فاعذروني فلم أرسم خيولي كلها بعد، فهذا أحدهم أتيت به كي أمتطيه وأحلق إلى صفاء لم يستطع كل هذا الإسمنت، وكل هذه الأدخنة السوداء أن تنسيني طعمها.

“عامودا” من تنجب الجياد فأرسمها. فلولا قرون أحصنتي لأكلتها دجاجات جيراننا.

– علي مراد، هل الفن التشكيلي الكردي بخير؟

دائماً ما يكون التطور “حلزوني” الشكل أي لا يوجد خط مباشر يفصل بين “قبل” و “بعد”، لأنه يأتي بطيئاً يترك وراءه ما هو بائد وقديم وبشكل تدريجي.

ولكننا لم نعد نستطيع أن نفسر هذا الخمول الذي أصاب الساحة الفنية، وهذا التمييع الممنهج وخلق فئة (قذرة) من المدعين وملوِّثي (الجدران) على المشهد التشكيلي لا ينذر بخير.

– هل الفن التشكيلي الكردي حاضر في معارض الفن العالمي, هل استطاعت الهوية الكردية الفنية أن تثبت وجودها؟

ليس هناك هوية للفن الكردي، هناك تجارب كردية يمكن اعتبارها نماذج تمثل اتجاهاً متطوراً في الفن الكردي، واستطاعت أن تكتب اسمها على خارطة الفن العالمي أذكر منهم (عمر حمدي) (بهرم حاجو) (خليل عبد القادر) (عنايت عطار) (زهير حسيب) وهناك على باب العالمية أسماء تشعل الشموع كـ (حسكو حسكو) (نهاد الترك) (عبدالكريم مجدل بيك) (عمران يونس) (رحيمو) (آزاد حمي) (يوسف بكر) (محمد سعدون) (لقمان أحمد) (لقمان حسين).

عمل للفنّان: علي مراد
عمل للفنّان: علي مراد

– هل يحلم علي مراد بالعالمية؟

لا أبداً، أن تحلم بالعالمية يعني أن تكون وسادتك طرية، وأن تكون متفرِّغاً للعمل الفني لا أن تفكر بجرة الغاز والركض خلف رغيف الخبز، الفن يحتاج الكثير من الوقت والكثير من التأمل والبحث عن خطاب تشكيلي يحتاج الكثير من الجهد والتعب.

– ما هي أسباب قلة الحضور أثناء إقامة المعارض الفنيّة؟

عدم وجود مؤسسة تعنى بشؤون الفنانين، والمؤسسة الموجودة تستقبل أي إنتاج رغم الرداءة وتسلّط الضوء عليهم لتحويلهم عند الحاجة إلى أبواق.

– برأيك، اللوحة عمل عقلاني أم حسيّ؟

داخل كل فنان كوكبين في حالة حرب، كوكب الحس وكوكب العقل، إن انتصر العقل يخرج العمل الفني للضوء عمل عقلاني، أما إذا انتصر الإحساس والعاطفة خرج العمل(خالداً).

– ليس كل شاعر فنان, هل من الضرورة أن يكون كل فنان شاعراً, ولو بأحاسيسه..؟

إن كانت هناك “مخيلة مبدعة” فليس هناك شيء اسمه “فارغ وممتلئ” ولا شعر ولون.

فالفنان هو عبارة عن عطاء سرمدي لا يمكن لنا أن نعرف من أين يبدأ أو أين ينتهي…

عمل للفنّان: علي مراد
عمل للفنّان: علي مراد

– ما الذي يربط الشعر والقصيدة, الانتقال من غرفة الرسم الى غرفة الشعر, أليست هناك صعوبة في ذلك؟

اللوحة هي قصيدة مستعصية في بيت الروح.. فلا عناء إطلاقاً للانتقال بينهما، فالأبجدية تتحول إلى لون فقط.

– القارئ للوحات علي مراد كيف يقرأها؟ هل هناك صعوبة في القراءة, هل يكتب علي مراد ويرسم للنخبة؟

لا أبدأ، أرسم مهرجانات الجوع، وكرنفالات الهجرة.. لا لون يظهر ولا طيف يدغدغ هذه الجروح العميقة، أخلع كل ما أرتديه من خطايا.

غياب دور النقد خلّف هوة بين المتلقي والفنان، فالحركة النقدية في الغرب تسبق الحركة الفنية بـ ١٠٠ عام، أما في الشرق الحركة الفنية في مقدمة النقد بـ ١٠٠ عام..

– يقول بيكاسو (كل طفل فنان، المشكلة هي كيف تظلّ فناناً عندما تكبر) علي مراد هل سيكبر؟

لا يمكن لنا أن نتجاهل الطفولة التي ما زالت في داخلنا والتي لم تنتهِ حتى الآن، ففي معظم الأوقات أراني الطفل الحافي الذي يركض في ساحات وبيادر عامودا التي لا تنسى أبداً، أركض إلى “التنور” لأتناول رغيفاً ساخناً من العمة (كُليه).

– أحلامك وآمالك في هذه الحياة؟

أن تصبح عامودا بلد المليون فنان مثلما كانت ذات قصيدة بلد المليون شاعر.

– يأخذ عليك البعض الكتابة بالعربية، ألا تعبِّر الكردية عن آلام علي مراد؟

ليتني امتلكت سرّ ألف باء (الكَسك صور) ليتني شربت من نهر (الملا الجزري) قبل ارتوائي من خوابي رياض صالح الحسين.. ليتني لبست قميص(مم) قبل أن يكسيني (نزار قباني) بمعطفه!

مقالات ذات صلة

شيرو هندى

شيرو هندى

08, سبتمبر, 2018

كائنات الشر الرهيفة – شيرو هندى

يحتفي نهاد في كثير من الحالات بشخصيات أسطورية وملحمية يستجلبها من التراث الكردي ويحركها في مناخ خصوصيته. يحصل هذا في حالة من الحضور القسري المبهم.

المزيد