Kurdî
تشكيل

ثنائية الحقيقة والاستهلاك في الفنّ المعاصر! – عزالدين بوركة

29 نوفمبر, 2018 - 606 مشاهدات
الأمريكي أندري وارهول

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

عزالدين بوركة

(شاعر وباحث جمالي مغربي)

الحقيقة في العمل الفني:

ليس المنوط بالعمل الفني المعاصر (بما في ذلك النص الأدبي) قول الحقيقة. فقد تجاوز هذا العمل الرؤية التقليدية التي تجمع بين الشكل والمضمون، فالعمل الفني المعاصر في حد ذاته نسيج، وهذا النسيج هو الحقيقة في حد ذاتها، وأما الذات المبدعة (الفنان، الشاعر، الكاتب…) فهي عينها جزء من ذلك النسيج: أي جزء من تلك الحقيقة؛ فالعمل الفني وصاحبه يدخلان في تشابك عنكبوتي من خطوط الالتصاق والمرونة، إنه بالتحديد ما يصفه جاك دريدا قائلاً بـأن “لا شيء خارج النص”، فالحقيقة في العمل الفني فقط، وليس خارجه. لا وجود لنص موضوعي يبحث عن قول الحقيقة، كما يذهب نيتشه، بل لا وجود لنص طاهر أصلاً. وبالتالي لا وجود لمرجع ميتافيزيقي للإبداع المعاصر، المرجع الوحيد هو المبدع باعتباره هو عينه “المعنى”. والمعنى لا يوجد في العمل الفني والنصّ، بل إن المتلقي/القارئ هو الذي يجلب المعنى من الخارج ليسقطه على العمل، ما يفتح أبواب التأويل والمعاني المتعددة وحتى اللا معنى. فبالتأويل يصير المتلقي، لا الفنان، هو سيد العمل، ويصير الناقد غازيا وفاتحا.. فالناقد يمتلك إرادة القوة على النص والعمل الفني، إلا أن الفن هو الأداة السوبرمانية، التي تبتغي التعبير عن النزعة الجسدية (الديونيزية). فلا خير وشر في العمل الفني. إنه منذور للا معنى. بل إن العمل الفني لم يعدد في الشيء (الغرض)، لقد بات خارجاً عنه، إذ أن كل شيء هو عمل فني محتمل.

ازدواجية الغرض الفني:

كل شيء يمكنه أن يصبح غرضاً فنياً، لقد كُسرت الحدود، حدود الفن. فكلُّ ما لم يكن يُعتبر غرضاً استتيقياً استطاع أن يجد لنفسه متسعاً داخل الحقل البصري، منذ انعطافة الفن المعاصر في القرن العشرين. فحدود الفن تم خرقها من قبل الفنانين الذين بدؤوا بإدخال أغراض من الحقل اليومي والاستهلاكي (البوب آرت) والهامشي (الفن المفاهيمي) ومن الطبيعة (لاند آرت) والمتلاشيات وغيرها… بعدما تم اعتبار ما يسمى بـ”الفن الجماهيري” l’art de masse فناً (ألعاب الفيديو نموذجاً)، ما سيلقي بظلاله على مفهوم الفن، والذي سيعرف توسعا وتغيرا كبيرا، مع اضافات جوهرية في تعريفه، ما أفقده تعريفه البدئي. إذ أن “كل شيء فن” وأي شيء هو عمل فني محتمل!

ما يجعلنا حذرين جدا عندما نتعاطى مع مفهوم الفن والحديث عنه، فإن كان كل شيء فن، فهذا الأخير قد يختلط مع الواقع عينه، وبالتالي لن يكون له تعريف محدد، بل إننا لن نجد له تعريفا أصلا، فإذن لماذا قد نبحث عن كلمات وجمل تعريفية له؟

وإن يكن ! إننا حينما نتحدث عن الفن فنحن نتحدث عن مجال منغلق!  لكنه في الوقت ذاته يعرف توسعاً وخرقاً ناتجا ًعن تلك الأعمال (الاقتراحات) التي لا تفتأ تظهر وتحطم -بشكل متواصل- الحدود المتعارف عليها في عالم الفن. ومعها يتم القطع مع أي تعريف كلاسيكي، ويتم تجاوز التعاريف الحداثية التي تنظر إلى الفن بعين الباطنية والدخلانية والعواطف.

لنتوقف لبرهة في ظل حديثنا عن الخروقات والتجاوزات، عند نموذج ما زال يثير الكثير من الاشكالات والتساؤلات، يتعلق الأمر بألعاب الفيديو ! هل يمكن اعتبارها أعمالا فنية؟ لا يهمنا هنا ابراز موقف معين، لكن إن اتفقنا على أنها أعمال فنية، أليس بهذا ننهي اعتبار الفن مجالا مستقلا ذاتيا؟ فألعاب الفيديو ليست -بهذا- أغراضا فنية فحسب، كما يوضح اسمها -فهي ألعاب أيضا. ما يجعلها ذات طبيعتين في الآن نفسه، أي أنها ألعاب وأغراض فنية. في ذات الاتجاه يمكن اعتبار الأعمال المنتمية للفن جاهز-الصنع Ready-made وفنون الأداء والحدوثة Happening… وكل ذلك التنوع الممارساتي للفن، والذي فجّر حدود هذا الخير، يمكن اعتبارها أنها ليست فنَّاً فحسب! أي أغراض منتمية لحقلين متعارضين يومي-فني وأدائي-فني وتهكمي-فني… وغيره.

هنا تكمن اشكالية كبرى تطرح نفسها بقوة بشكل يومي، في ظل ما نشهده من استمرارية لا منقطعة من الاقتراحات الفنية التي يقترحها الفنانون المعاصرون. في الحقبة الرومانسية والكلاسيكية، تم النظر إلى الغرض الفني على أنه غرض موجود لذاته pour-soi، وليس لشيء إلا للفن، أو سيفقد جوهره كعمل فني. بينما في المعاصرة، فألعاب الفيديو -نموذجنا- هي في جزء منها أغراض فنية وفي جزء ألعاب، ما يوضح أن هذا التعريف لم يعد ينتمي إلى المفاهيم الرائجة حول الفن السائد اليوم، وما يبرز أيضا أن الفن باعتباره مجالا مستقلا ذاتيا عن باقي المجالات الإنسانية، لم يعد له صلة بهذا التعريف، بل إنه ثورة مستمرة وفي صيرورة متجددة على الدوام.

الكل فنان… !:

هذا الانفجار لحدود الفن، يمكن أن ندركه إن نظرنا إلى الانتشار المهول للممارسات الفنية اللا منقطعة، وأيضا النظر إلى المجال الاستهلاكي، وكما إلى ما يُسمى بـ”الهوايات الإبداعية” -لم نقل الفنية- التي يتعلق الأمر فيها بممارسات تتقاطع مع تقنيات فنية من روسيكلاج وصباغة وكولاج وجمع وتركيب وغيره… فهذه “الذرائع الاجتماعية” تتحكم -بشكل قد لا يكون ملحوظا- في بروز هويات فنية جديدة ومخترقة لمجال الفن، بل يتولد عنها مفهوم جديد للـفنان” عينه. واليوم مع توسع الانترنيت، يتمكن فنانون -لم يكن يعتبرون فنانين رسميين !- من نشر أعمالهم الإبداعية على الصعيد الكبير. فكتاب وموسيقيون ورسامون… يلتقون بحرية -في العالم الافتراضي- بجمهور عريض ومتنوع، بل إن أعمالاً وأحداثاً فنية كان من الصعب الولوج إليها، باتت مُدَمقرطةٌ بفعل الانترنيت، وبات معه من السهل الولوج إليها والتعاطي معها. بل إن مبدعين ينتصرون لهذا المجال العنكبوتي الذي أتاح لهم ديمقراطية النشر والتواصل بعيداً عن سلطة المتاحف ودور العرض، ومعه صار الكل بإمكانه أن يصير فناناً وإن لم يصطلح على نفسه ذلك !

الفن في المجتمع الاستهلاكي:

هذه التطورات كلها، لم تكن بمعزل عن تطور الفن ونظرياته، وتطور المجتمع عينه، إن أخذنا بعين الاعتبار للاختراقات الممارسة على حدود الفن على طول تاريخ هذا الأخير وبشكل مستمر، من تحولات بارزة على مستوى الطلب والعرض والبيع.. بالإضافة ما قام به الانطباعيون، نموذجا، وما قام به الرومانسيون قبلهم، وما قام به أيضا كل من التجريديون غيرهم، وصولا إلى فناني المعاصرة. لهذا يعتبر الفيلسوف الأمريكي نيلسون غودمان N. Goodman أنه من الصعب تعريف الفن انطلاقا من محددات جوهرية في العمل (الغرض) كالتعبير أو التقديم présentation… إذ يمكن أن نجد استثناءات لكل تعريف للفن مطروح إلى حدود يومنا هذا… فبالنسبة لغودمان سؤال “ما هو الفن؟” هو سؤال خاطئ… ما دفعه إلى استبداله بسؤال آخر وأكثر دلالة: “متى يكون هناك فن؟”. ومنه علينا البحث عن جواب متى يصير الغرض عملاً فنياً، أو كما يقول “متى يعمل fonctionne كأثر فني”. فالشيء يمكن أن يغيّرَ جوهره وتُزال عنه شيئيته ما أن يتم عرضه، فيكتسب شبكة من الرموز، التي تنقله إلى أن يصير عملاً فنياً، رموز يكتسبها من الظروف لا من كونه يكتسب كنهاً فنياً. فالحجارة إن تم التقاطها من الأرض، يمكنها أن تغدو عملا فنيا، وذلك حال عرضا في دار عرض. ويزال عن أي عمل فني (لوحة مثلا) فنيته إن تم وضعه في موضع لا نية فنية فيه، لكن امكانية أن يصير عملا فنيا -مجددا- تظل قائمة، مثله مثل تلك الحجارة. فبالتالي ليس لأي غرض ما أي جوهر يجعل منه عملا فنيا، وإنما السياق هو الذي يجعل منه ذلك.

إن الفن بالتالي، لم يعد مجالاً مستقلاً بذاته ولم يعد مرتبطاً بصفة معينة يمكن وصفها أنها جوهرية في العمل الفني. فليس هناك أعمال فنية موجودة لذاتها، بل إنما هناك أغراض يمكن أن نعتبرها آثاراً فنية حسب الظروف التي جعلت منها ذلك، والسياقات التي أتت بها إلى عالم العرض الفني (عجلة دوشان مثلاً).

خلاصة لما قلناه، فلا جوهر في العمل الفني يمكن أن نجده في كل الأعمال الفنية، وإن القول بكون أي غرض يمكنه أن يغدو أثرا فنيا مرتبط بالمجتمع الاستهلاكي المعاصر (الذي تحركه اللذة والبحث عن السعادة)، فالفن صار علامة استهلاكية مُـميّـزة، تتحكم فيها -كما كان على الدوام- “الطبقة المهيمنة”، فالحكم الفني هو حكم طبقي.