Kurdî
تشكيل

بلاغة الرمز والحرف عند رشيد باخوز – عزالدين بوركة

08 أكتوبر, 2018 - 743 مشاهدات
من كائنات: "فخري رطروط"
من كائنات: "فخري رطروط"

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

عزالدين بوركة

(شاعر وباحث جمالي)

 

  1. عتبة الرؤية:

استطاع الفنان التشكيلي المغربي رشيد باخوز أن يتجاوز في تجربته “بين المرئي واللا مرئي”، تلك التصورات السائدة عن الاشتغال الحروفي، حيث أنه اشتغل على رؤية مغايرة ضمن مشروع جمالي معاصر.

لقد اختار رشيد باخوز هذا المسلك كمنطلق أساسي لإنجاز آثاره الفنية، إذ أنه جعل الحرف منساباً داخل اللوحة بشكل تكميلي مع تطويعه ليصير تركيباً بصرياً ضمن المنجز التشكيلي. يتجسد ذلك في معرضه الأخير “بين المرئي اللا مرئي”، في كل من التنصيبة الفنية “التعالي transcendance” والفيديو الفني “ترميم réfection” وأيضاً التنصيبة الثانية التي تحمل العنوان نفسه، والعرض الفني “محو  suppression”.

وليس من العبث أن يختار رشيد باخوز عنوانا لحدثه “بين المرئي واللا مرئي”، إذ ارتبط هذا العنوان بمفاهيم كثيرة كالكشف والإخفاء، والإظهار والإضمار، والإفشاء والستر، والإبراز والمحو، والملء والفراغ… وفي نفس الوقت فهو يضعنا أمام مرحلتين بصريتين: “الحديث والمعاصر”، في اشتغاله الجمالي.

  1. الحساسية المعاصرة:

جاءت أعمال الفنان باخوز، في معرضه هذا، متنوعة بأساليب وتقنيات مختلفة بنفس معاصر، حيث تم نقل الحرف من بعدين إلى بعد ثالث في علاقته بالفضاء، في اشتغال أستتيقي منتمي لما نسميه بـ”الحساسية الجديدة”، تلك الحساسية المفرطة في تعاملها مع العمل الفني والمواضيع الفنية المتولد عنها. إذ أنه في تنصيبته الفنية “التعالي Transcendance” اتخذ الحرف أشكالاً لولبية ومتشابكة ليعكس الفنان دلالتها الرمزية والجمالية بشكل يتعالى عن الأرض في اتجاه الأسمى، في إحالة إلى الترفع عن الصراعات الحضارية المرتبطة بالخطاب اللغوي.

أما بخصوص الفيديو المكمل للتنصيبة الفنية “ترميم”، فرشيد باخوز يدعو من خلالها إلى ضرورة إعادة النظر في الخطاب اللغوي المتداول، لهذا كان من الضروري تنظيف الحروف ونشرها وتجفيفها، للتحسيس بحوار حضاري تفاعلي بين الثقافات، التي تجمع بين العربية والعبرية واللاتينية في إطار منسجم ومتجانس.

  1. بلاغة الصورة:

الصورة التشكيلية عند رشيد باخوز هي علامة مرتبطة بدلالات يحضر فيها الحرف مستقلاً بذاته، مما يمنح “الصورة المرئية لديه” نوعاً من البلاغة، في سياق شعرية الصورة، بتناغم بين الشكل واللون والضوء والعتمة والملء والفراغ.

إن “البلاغة التشكيلية” في هذه التجربة تتخذ بعداً سيميائياً يتطلب تفكيكاً دلالياً، إذ أن اللامرئي يتحول إلى ما هو مرئي باعتباره عتبة بصرية بلاغية لاختراق عوالم برزخية وغير مكتشفة بعد. حيث أن هذه التجربة تضج بالكائنات الحروفية، التي اتخذت موضع البشر، وفي البدء كان الحرف، إذ يقول  ابن عربي: “أن الحروف أمة من الأمم مخاطبون ومكلفون، وفيهم رسل من جنسهم ولهم أسماء من حيث هم ولا يعرف هذا إلا أهل الكشف”… ومن هذا الكشف يصير الحرف “صورة تشكيلية بلاغية”، أي علامة تامة لا ترتهن إلى أية مشابهة.

  1. لغة التشكيل وتشكيل اللغة:

انسجاماً مع تجاربه الفنية السابقة وبرؤية فلسفية تنتمي إلى الفن المعاصر من حيث الفكرة والإنجاز، فالفنان باخوز يتعالى عن أي تصنيف خانق، بل إنه ينقلنا إلى أبعاد أخرى للاشتغال، والذي لم يعد يقتصر على القماش والصباغة، بل تجاوزها إلى الحفر والحرق والترميم والتقطيع والتركيب… وكما أنه ينزاح عن الاشتغال الحروفي إلى ما يمكن تسميته بـ”التشكيل اللغوي” La plasticité du langage. هذا الأخير الذي يعد توجها طلائعياً للخروج من نفق المتداول والمكرس والمتعارف عليه. وهذا في العموم هو الغرض من العمل الفني. عماده ذلك “الهسيس الحساسي” والرهيف، والذي حسب رولان بارت يولد فتحاً جديداً للخيال ويضعنا في انسجام مع كل واحد منا- مثل جسد حي.

وتعتمد اللغة التشكيلية على مفردات بصرية في علاقتها بطريقة المعالجة على مستوى التقنية، التي تجمع بين مكونات مؤسسة للعمل الفني في شموليته، كمنهجية للتحليل والتفكيك، استناداً لمرجعيات متعددة، تدخل نطاق الكتابة العلمية والعارفة بتاريخ الفن أولاً، ثم بكل ما يمت بصلة بمدى عمق التجارب، التي تطرح أسئلة عميقة شكلاً ومضموناً، انطلاقاً من تجارب الفنانين، الذين انخرطوا في مشاريع تستمد كينونتها من طريقة تفكيرهم، ومن اهتماماتهم اليومية كانت اجتماعية أو سياسية أو ثقافية… كأرضية لولوج مضامين غنية بمعطياتها، وقابلة للحوار والجوار والمتابعة في سياق مشروع فكري يخضع لتجليات تشكيلية باعتبارها مدخلاً لحوار ثقافي وحضاري يمنح للناقد والمهتم بلغة الكتابة التشكيلية، تفكيك الدلالات والرموز من منطلقات قد تكون تاريخية أو فلسفية أو سيميائية أو نفسية أو أنطروبولوجية أو سيكولوجية…

من هذا المنطلق، كانت تجربة الفنان باخوز تحمل مشروعاً قائماً بذاته، يستحق الاهتمام والمتابعة، لما توفرت عليه من شروط الكتابة السالفة الذكر، ولما وفرته من أسئلة وجودية في بعدها الإنساني، التي أفرزها الفنان في تشكيل أسلوب ولغة متفردة، وفي فضاءات لونية بأشكالها الزئبقية التي تمتح من جماليات الفضاءات الهلامية بروحانية تستجيب لكل الأمكنة والأزمنة.

من الصعب تشكيل اللغة، نظراً لمحدوديتها في علاقتها بالتشكيل، لكن تجربة الفنان باخوز انتقلت بنا من فضاء لغوي كان محوره الحرف بدلالته الرمزية بعد إفراغه من معناه اللغوي إلى دلالته المرئية كأيقونة تشكيلية، مفتوحة على كل التأويلات الممكنة، حسب مرجعية المتلقي، ليدفع بهذا الأخير إلى الانخراط في هذا المشروع كطرف فاعل ضمن نسق التأثير والتأثر، وليعطي للحرف حيوية ودينامية، استناداً إلى قول الفنان الفرنسي (مارسيل دوشان) “لا يمكن للتحفة الفنية أن تعيش  و تحيا إلا بوجود المتلقي”.