Kurdî
تشكيل

الهجنة التشكيلية بين الشرق والغرب – مازن المعموري

30 سبتمبر, 2018 - 812 مشاهدات
اللوحة للفنّان التشكيلي: أكرم زافى -سوريا
اللوحة للفنّان التشكيلي: أكرم زافى -سوريا

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

مازن المعموري – العراق

حافظت البشرية على انشغال دائم بالفارق الحضاري بين الشرق والغرب , بين ما هو مألوف لدينا ونشاز لدى الاخر, اذ شكل المظهر العام للمجتمع والبيئة والتقاليد والممارسات اليومية نقطة تركيز اساسية للدخول الى عالم الشرق وصناعة مخيال خاص حول الشرق وطبيعة السيادة الذكورية للمجتمع, كما ان الاستشراق مارس دورا حاسما في التعرف على الجانب الاخر من العالم الغربي بكل تفاصيله منذ افتتاح صالون عام 1824 في باريس [1], حيث عرضت الاعمال التي تناولت كل مشاهد الحياة اليومية في الشرق بدأ بالمكان والطبيعة والثقافة ومظاهر الطقوس الدينية والحمامات وغيرها من الامور التي تلقي الضوء على تفاصيل المجتمعات الاخرى بصفتها مغايرة, مع الاخذ بعين الاعتبار ان الأعمال التي تناولت المرأة العربية تحديدا قدمت الوجه السلبي لطبيعة الاعراف الاجتماعية , بما هي كائن محجوب عن النظر , كما ان مظاهر مفهوم الحريم ادى الى الاعتقاد الجازم بقمع الجسد واستلابه, رغم ان الكثير من لوحات الاستشراق كانت تضفي على المرأة العربية ميولا جنسية لإضفاء الإثارة وترحيل المرأة كانسان واقعي إلى مخيال قصصي ينهل من ليالي الف ليلة وليلة عنصر التشويق ويحث على تجربة المشهد , وهو ما ساهم في الهام الكثير من الغربيين بأحلام السفر والإطلالة على اهرامات مصر الشاهقة والمعجزة بصفتها ايقونة الشرق ومنبع الديانات والمعرفة الانسانية الاولى , فيما بقيت بابل علامة من علامات السبي البابلي لليهود, الا ان علماء الاثار ساهموا في اضفاء مسحة موضوعية على التاريخ القديم وتبرير الصراعات كانعكاسات للفكر الديني وتباينات منهجية لشخوص الالهة الشرقية .

مع تنامي ازمة المجتمعات الاوربية الحديثة حضاريا تجلى في انهيار الحياة على عتبات حروب عالمية طاحنة , نشأ هوس بالثقافة والفنون كبديل لها, فأن لم نستطع رؤية هذه الحقيقة فهذا يعني جهلا كاملا بالأطروحات الأكثر راديكالية للمجموعات الثورية الأوروبية خلال مرحلة الصعود الثوري بين 1910 – 1925 , أنه يجب على الفن أن يتوقف عن أن يكون تحويلا متخصصا و تخيليا للعالم و أن يصبح تحويلا فعليا للخبرة المعاشة نفسها [2], وهي ذات الفكرة التي حولت الفن من السماء الى الأرض, وقدم الدادائيون ثورتهم على المتاحف الفنية بصفتها تمثيلا للبرجوازية المريضة واعادة صناعة لوعي تاريخي جديد , واصبح الفن بصورته القديمة نفيا للوجود الانساني .

لقد خلقت أبعاد الرؤية النيتشوية لقلب القيم تشكيل تكنيكات جديدة, والتي ستكون في نفس الوقت معبرة عن الذات و محرضة اجتماعياً, في توسيع أشكال التجربة المعاشة, بما يفضي الى تبني مفهوم بديل لـ ( الرائع ) الكانطي, الذي يتجلى في الجمال الطبيعي الحر, ويسمو الى مقام القانون الاخلاقي نفسه[3], ويتعالى على البشر , وانشاء ( القبيح ) كمعبر للرائع الكانطي بوصفه قوة سالبة, لانه يعني النفي الجمالي للعالم , كما أراد ادورنو لفهمه الجديد أن يكون تعبيرا عن رفضه لهيمنة السلطة الشمولية على الانسان في ضوء العقل الأداتي, حيث يقترب من تفاصيل المحنة اليهودية لفيلسوف آخر هو ليفيناس في مقارباته الأنطلوجية حول الآخر وإشكالية ترسيخ لقاء الاخلاقي مع الاخر, وتداعيات ذلك على النظرية الجمالية في الفن بصفته تشكيلا للأوهام, حيث نراه يقف بالضد من هايدغر دون ان يتركه او يتجاهل اصل العمل الفني, اذ تصبح مواجهة العمل الفني حوارا لثنائية الذات مع الشيء الكائن في العمل الفني , المواجهة مع جسد الناظر والمنظور له , كلاهما يلعبان دور الإغراء والاستدعاء لآخر كل منهما [4].

الفن لدى ليفيناس يكشف ظواهر التجربة وفق علم الجمال , كما لو انك امام زنابق طافية على سطح الماء , والعمل الفني يكشف وجودها أمامك لأول مرة, وهي المرة الأولى ذاتها لرسم الواقع كما لو أنه جسد آخر يتنافذ مع جسدك, وهنا يكون الحدس محور ارتقاء الوعي المستشعر لصيرورة زمانية المواجهة , وربما استطيع القول أن ميرلوبونتي يقترب في هذه اللحظة مع هوسرل في تشكيل بؤرة التنافذ لدى ليفيناس حول تجربة العمل الفني وتفكيك ثلاثية هايدغر (العالم + العمل الفني + الفن ) لكنه يمتد ليضع الأشياء كظواهر قابلة للإدراك الجمالي في العمل الفني وكأجساد طافية خلف صورها [5], انها ظلال لمعنى وجودها في العالم .

على خلاف هايدغر الذي يعد اللغة مسكن الوجود نرى ليفيناس يعد الفن هروبا من المسؤولية لأنه يقدم العزاء بديلا للتحدي , فهو يفترض ان الفن يستدعي اتصالا مباشرا وحقيقيا مع العالم , في حين يكمن التصور الوجودي للكينونة في العمل الفني خارج العالم كزمن جامد ومتوقف [6], لذا يعترف ليفيناس ان وظيفة الفن هي التعبير ويرتكز هذا التعبير الفني على ادراك الفنان لجوهر غير قابل للاختزال وبالتالي فانه يتزامن مع الحدس الميتافيزيقي لدرجة ان العمل الفني يكون واقعيا اكثر من الواقع [7], انه جزء من الجمهور والبيئة المحيطة فهو عمل غير منته مازال يحمل سيرورته الزمانية , فاذا انتهى الفنان من العمل فقد وضعه خارج العالم .

سادت تصورات ما بعد البنيوية على ان ما يُصوّر كونه واقعا طبيعيا لا يمكن فرضه على المتلقي بوصفه مسلمة بديهية, بل هو محاولة واعية من المتلقي لتركيب شظايا متناثرة من الحقائق او الصور لتشييد صورة كاملة, وفق المنظور التفكيكي الذي يعد النصوص فضاء استكشافيا يتطلب توحد الأداة الإنتاجية بين المؤلف والقارئ, على عكس التصور السابق الذي يعد العمل الفني تمثيلا للطبيعة , وكأن هناك طبيعة مطلقة [8], وهذا التغير الفكري ألقى بظلاله على تحييد حركة التقابل بين النص (سواء المكتوب أو المرئي) والمتلقي, وهيأ عتبة للدخول إلى كسر أجناسي للفنون تستدعي إدراك زماني ومكاني في الآن ذاته, بمعنى أن فن الرسم لم يعد كما كان سابقا مرتبطاً بأدوات مثل اللون والمسند والقماش أو الخشب كسطح للرسم, وإنما تداخل مع عمليات تركيبية للواقع ودخول فضاء العمل الفني وإشراك المتلقي في صناعة الفكرة والحوار معها, وهو ما أنتج لنا نسقاً ثقافياً جديداً هو “الثقافة الهجينة”* التي مثلت الحاضنة الجديدة لمفهوم الآخر, منذ أن بدأت هجرات العالم الفقير إلى الغرب الغني مشتركين ومتداخلين في تهجين الهويات الاجتماعية والثقافية ليصبح العمل الفني ذاته وسيطاً لتشكيل الانسان الخالص دون تبعية هوياتية أو مرويات خانقة ومعزولة في مكان وزمان معين, وأدى ذلك فيما بعد إلى تناول الهجنة الوراثية بين الانسان والحيوان, وهذا التمثيل المستمر في الفنون يمكن أن يكون إشارة إلى وجود الفراغ الذي يؤثر على المجتمع الغربي تحت ضغط العولمة, كما هو الحال لدى الفنانة الفرنسية اورلان (orlan) والفنانة الأميركية انيتا كينز(Anita Kunz ), ومن الناحية الاخرى نجد الفنانين المهجرين وقد عاشوا ضياع الهوية الاصل وشتات الهوية الجديدة من كل بقاع العالم الاسيوي والافريقي والاوربي , وهو ما صاغ مصطلح (الهجنة التشكيلية) التي تعد النموذج العابر للجنس الفني المتعارف عليه وتداخل كل الفنون في فضاء الفن التشكيلي بصفته نموا طبيعيا لتداخل الثقافات في العمل الفني كما يرى الباحث فانتج لنا (الفن الهجين) .

هذا الانزياح من خطاب المنتج الى فضاء النص قدم لنا فرصة المشاركة مع العمل الفني بصفته ” آخر” يستعير وجودنا في حوار المقابلة وجها لوجه, إذ أصبح الواقع جزأ من العمل الفني وله صلة بمكونات لحظة الانتاج وحركة التاريخ, بل اصبح العمل الفني ينطوي على واقع تاريخي لأنه يقدم الواقع مفككا [9], وهو ببساطة عمل غير منته كما كان في السابق, لذا يجد الباحث أن العمل الفني ينطوي على ممارسة سردية في فضاء النص التشكيلي المعاصر, مما يحملنا على دعم فكرة التمثيل الثقافي للفن ,اي انه يستوجب حضور الانا والاخر في العمل الفني , ليشكل التمثيل خطابا لتغيير الحاضر, حيث نجد أن الفن قد مارس حضوره في الحياة الاستهلاكية الغربية, فقد عرضت ماريزالاوندوسكي صورة لأشياء مختلفة تباع على الارض في الاسواق الشعبية مثل سوق البراغيث في بولندا , اغراض يومية بالنظارات واقلام وحقائب وغيرها لكشف حجم الاغتراب الاجتماعي الغربي داخل ذاته , تحت تأثير تنظيرات مدرسة فرانكفورت وادورنووهوركهايمر واجتراح مفهوم تسليع الثقافة في وسائل الاعلام والسينما وترحيل الصورة الى حيز الاقتصاد الاستهلاكي المعاصر [10], ويمكن استعارة ما قالته الباحثة السياسية (مارتا سافجليانو- martaSavigliano ) حين تصف الثقافة الشعبية الحقيقية مستخدمة مثال التانجو ” الهوية هي تعيين محددات الاختلاف في ممارسة شعب ما لثقافة ما , والتانجو باعتباره ثقافة شعبية هو ساحة المعركة / مكان الرقص, وسلاح/ خطوة الرقص التي يعاد باستمرار تعريف الهوية الأرجنتينية فيها وبواسطتها. من هم راقصو التانجو؟ اين يرقصون؟ أي اسلوب من التانجو يقدمون؟ وامام أي جمهور؟ هذه قضايا كلها تتناول النوع والجنس والطبقة والعرق والاستعمار , ويحدث كثيرا ان يتم ذلك من خلال لغة الجنسانية ودائما من خلال لغة القوة “[11], وهذا ما يجعل الثقافات ذات طبيعة هجينة في الوقت الحاضر , اذ لا يمكن الانغلاق والانكفاف على موارد الطاقة التعبيرية الاحادية الجانب , فهناك تداخل اجرائي فرضته مشاكل الهجنة الإجناسية والهجرات القسرية والاقتصادية, ولم تعد هناك ثقافة محلية بسبب الاستعمار وتداخل الازمنة والامكنة والخيالات والذكريات, ومن هنا وجدنا فن الشارع هو النموذج الاهم للتعبير عن ثقافة هجينة وفن هجين تداخل مع الاعلام والرسم والعبث والرفض والهوية وغيرها من الانماط الاتصالية التي ساهمت في تمرير خطابات الهامش والجماعات المعزولة التي نمت في المدن الكبرى للتعبير عن وجهة نظر مختلفة من خلال الفنون البصرية والكتابة على الجدران منذ عام 1990 , وقد تم الاعتراف به كشكل من اشكل فنون العولمة . [12]

ان احد اهم الامثلة المثيرة هي تجربة المانيا التي انشطرت الى نصفين هما ( المانيا الشرقية والمانيا الغربية ) حيث كان الصراع بين المعسكرين على اشده , حيث عانى الواقع الاجتماعي من معضلة خلق الهويات الجماعية , فبعد عام 1998 تم اجراء سياسة النسيان للماضي في محاولة لمحو الايدلوجيا الشيوعية وضم المانيا الشرقية للجناح الاوربي المعاصر بعد ان كان فنها شكلا من أشكال الواقعية الاشتراكية, على اعتباره فناً من الماضي لا يمت الى الحاضر بصلة , بمعنى اننا امام صورة هوية تنتمي للتاريخ , فاصبح جدار برلين معرضا فنيا للبوح والمعارضة والتصدي للسياسات القمعية والتهميش الجهوي والهوياتيلايديلوجيا منهارة, قدمت لنا على أعتابها نموذجا شموليا اخر هو نهاية التاريخ او النظام العالمي الجديد الذي يضم بين جنحيه تمثيلات الحضارات البشرية كلها ويحتويها في وجه واحد في محاولة لاستعادة العقل الأداتي وهيمنته على اغتراب الانسان المعاصر .

عام 1990 تغير العالم كله مع إطلالة شبكة النت وأصبحت المعلومة هي المحرك الأساسي للبشرية على وجه الأرض, وسهلت عملية التواصل حركة العروض التشكيلية على صفحات الويب , وتغيرت معها رؤيتنا للفن [13], كما تغيرت رؤيتنا إلى الآخر البعيد والمختلف دينيا وسياسياً, أصبح الجميع قادرون على الحوار دون رقابة ايديلوجية أو أمنية, وصار التعرف على الآخر جنسياً بسيطاً لدرجة الاحتواء المخيالي كما يحدث مع الاتصالات العاطفية والعروض الفضائحية, بل إن الجسد اليوم هو مركز الاهتمام والمعرفة الذي حرض الآخر للحرية والتثوير ضد الأنظمة المعزولة والشمولية, وهو ما دفع الكثير من الفنانات إلى استخدام أدوات مختلفة في الأعمال الفنية مثل الفنانة الألمانية ربيكا هورن, حيث تعاملت مع فضاء المدينة وقاعات العرض لصناعة أعمال ضخمة جداً مستخدمة كافة الآلات الصناعية والمظاهر النسائية في أعمالها, كما عرضت متاحف أميركا مجموعة من الأعمال للفنانة اليانور أعمالاً يشكل الجسد فيها جوهر الرؤية النسوية من خلال تقديم الجسد الأنثوي بصفته قوة كونية يتكامل وجوده مع الآخر فيما لو حصل على التكييف الاجتماعي, فاللوحة والمسند الكلاسيكي يعدان من أدوات الذكورة وتمثيلات المرأة التي ستعكس بالضرورة تبديات وعي مختلف في صناعة الأعمال الفنية واستكشاف اغتراب المرأة المعاصرة, حيث تم استخدام الكثير من الأدوات الأخرى غير التقليدية مثل الفلم والصورة الفوتوغرافية بل تجاوز ذلك إلى العمل التعاوني في انجاز عمل فني في واحدة من تثويرات ما يسمى بالهجنة الثقافية لإنتاج عمل نسوي يختلف عن الإرث الذكوري المرتبط بمفهوم العبقرية والبطولة والأصالة وغيرها من الاصطلاحات القديمة وفي الجانب الآخر شكل الواقع الاجتماعي للإنسان الغربي ثيمة أساسية, حيث قدمت الفنانة البريطانية سوزن بلاك (SuzzanBlac) أعمالاً تخص عقدة العنف العائلي تجاه الأطفال, فقد كانت تعاني من عنف الأم تجاهها بطريقة درامية, فصورت الأم ببشاعة تثير اشمئزاز المتلقي وتحاول إيقاف تلك اللحظة الصارخة في وجه طفلة بريئة بحاجة الى حنان الام بدل العنف والقسوة تجاه انسانيتها الممسوخة.

منذ عام 1970 بدأت حركة الفن النسوي بالظهور مع نشوء حركة التحرر الجنسي في الستينات كرد سياسي على التمييز والعنصرية والاختلافات, وأصبح استخدام أجساد الفنانات في اعمالهن ظاهرة ملفتة للنظر, لتأكيد الهوية الجنسية ومناقشة الرؤية الجنسانية في الواقع والفن والممارسة اليومية, فكانت الفنانة الكوبية (انا مديتا ANA MENDIETA) أنموذجاً للفن النسوي ومثالاً للبحث عن الهوية الذاتية تجاه العالم, وهو ما شكل جوهر بحثها لفكرة الأرض والطبيعة بصفتها الأم ورمز العطاء والخصب, وصلة جسدها الأنثوي بثيمة الأرض إنما هي صلة الالوهة والقداسة عبر رمزية جسدها واتصالها المباشر مع ثيمة الأرض وتواصلها للعمل في الهواء الطلق في اغلب الاحيان لدمج اليات اشتغال فن الجسد والاداء وفضاء الطبيعة [14], نجد التداخل واضحا في التعامل مع جسد المرأة والطبيعة, حيث نرى جسد المرأة وقد تعشق بجذع شجرة أو مرمياً على الأرض, إنها تمارس طقساً وثنياً لديانات الشعوب القديمة في أميركا بتحولها إلى طوطم معبود, الطبيعة هنا تشكل الرحم الانثوي لولادة الانسان والكون, وهي الجوهر الذي يفيض على العالم كله, تؤكد (مديتا) على غياب الجسد في الطبيعة وتعمل على إفنائه في الذات الكونية, كما تساهم في حرق الجثة في حفرة ليصبح الرماد تراباً يذوب في مكونات الطبيعة الأم, وربما نجد العناصر تتحول إلى مخلوقات هائمة في الأثير وتحلق الأرواح لتحل في أجساد أخرى, فهي تمارس تخليق الجسد الذي ينبجس من الصخور وضفاف الأنهار ورمال البحر في محاولة لاكتشاف ذاتها في الاخر المطلق لميتافيزيقيا الطبيعة.

قدم لنا بينالي الإسكندرية مجموعة مهمة من العروض التي عملت على معالجة الحياة المعاصرة في ظل مفاهيم العولمة والهيمنة الغربية وتبعات ذلك على علاقة كل من الشرق بالغرب, فالأعمال الفنية غطت مساحة واسعة للتعبير عن مواقفهم تجاه ما يدور في العالم الشرقي من تحولات كبرى تخص الهوية والثقافة وتجليات الوقائع المعاصرة في أعمالهم على اختلاف مواردها , فكان عمل الاسباني فاليريانو لوبيز يعبر عن شاعرية المشهد تحت وطأة واقع اجتماعي شديد القسوة، مجسدا النتائج المأساوية لمئات المواطنين الأفارقة، وحلم الهجرة غير الشرعية الزائف , كما إن التنوع الهوياتي بين القارات أصبح أكثر ظهوراً للعيان من السابق بسبب الهجرة غير الشرعية وعبور البحار بالقوارب, ففي عمله الذي استعار فيه لوحة الجريكو قارب النجاة, استعان بمجموعة من الطلبة في صف تدريسي لتمثيل ذات المشهد القديم لحركة الشخوص ولكن بطريقة عولمية جديدة (شكل رقم 1), وقد شارك فنانون من دول البحر المتوسط منذ عام 1955 لغرض الاطلاع على اخر مستجدات الفن والتطرق الى انعكاسات الواقع المعاصر وفتح باب الحوار الحضاري بين مصر ودول المنطقة المحاذية للبحر المتوسط [15], بما يخدم توسيع رقعة الحوار في المنطقة شرق / غرب.

شكل ( 1) فاليريانو لوبيز : العولمة
شكل ( 1)
فاليريانو لوبيز : العولمة

 

 

 شكل ( 2) Alessandro Scarabello ايطاليا (اللعب بالنار )
شكل ( 2) Alessandro Scarabello ايطاليا (اللعب بالنار )

 

كما تتميز بحوث الفنان الايطالي (Alessandro Scarabello) في أعماله الفنية في ضوء انتباهه إلى تقنية ومراقبة وثيقة من الظواهر الاجتماعية والثقافية, مستخدماً تقنيات الرسم المختلفة، لدراسة القضايا العامة التي غالبا ما تطغى على حياة الأفراد, وتشمل معنى القوة والعنف المفتوح والمقنع، والعزلة، وعمليات التهميش، وآثار وسائل الإعلام والصور النمطية السلوكية، وانتشار النفوذ الغربي وتسميم البيئة, بلغة الحلم السريالي، ومع ذلك يدفع للمفارقة والدهشة من اجل فحص الواقع مرير عن كثب لحالة الإنسان اليوم المعاصر (شكل رقم 2).

مع ازدياد الوعي الانساني العالمي في الخطابات الجمالية وحركات الفن المعاصر, ونهاية العنصرية الجنسية في كل انحاء العالم تقريبا قدم الفنان كريس اوفيلي (Chris Ofili) عملا بعنوان مريم العذراء المقدسة , تلك اللوحة التي اثارت جدلا في الاوساط الدينية والفنية عام 1996 في لندن ( شكل 3) عندما رسم العذراء بروث الفيل كزنجية سوداء على خلاف ما هو متعارف عليه في الاعمال التي رسمت مريم المقدسة بلون بشرتها الابيض وهالتها الذهبية المقدسة , لدرجة ان احد المشاهدين لطخها باللون الابيض اثناء العرض , لهول الصدمة التي واجهته وهو يرى القداسة وقد تحطمت امام ناظريه , اذ حاول الفنان كريس السخرية من الثقافة البيضاء التي بقيت محافظة على انغلاقها لمدة خمس مائة عام تقريبا حول تمثيلاتها الدينية المقدسة في حين تعمل منذ مرحلة الاستعمار على تدمير واحتقار كل اديان الاخر[1], واللوحة تقدم لنا امرأة سوداء جدا ترتدي معطفا طويلا في منقط، ورداء ازرق تحوم حولها فوق الأرض الذهبية العديد من نقاط المينا بأشكال مختلفة, في حين تبدو العباءة مفتوحة لتكشف عن وجود ثدي أسود مصنوع من روث الفيل ومرصع بدبابيس, كما كتب كلمتين بروث الفيل, الاولى كلمة العذراء، والأخرى كلمة مريم[2] .

 

 شكل( 3) كريس اوفيلي مريم العذراء المقدسة The Holy Virgin Mary
شكل( 3) كريس اوفيلي
مريم العذراء المقدسة
The Holy Virgin Mary

لم يكن الواقع العربي بعيداً عن توجسات الفن العالمي لواقع الانسان المعاصر امام تحديات الوجود المتنافر سياسيا وخاصة قضية الفلسطينيين وصراعهم مع اسرائيل, اذ قامت الصورة بتوثيق الواقع المرئي واتاحت الممارسة الفنية في التخطيط والكرافيك وغيرها من الأدوات الفنية باستعمال الحدث كوثيقة فنية ( الشكل 4) مثل صور الفنان كيفن فراير(Kevin Frayer) الذي تابع حركة الثورة الفلسطينية كوثيقة لدعم الواقع الاستعماري الغربي وكشف آليات القمع المستمرة لأطفال من بيت حانون .

شكل ( 4) صورة من بيت حانون الفنان بلوم / تخطيط من صورة للمصور كيفن فراير
شكل ( 4)
صورة من بيت حانون
الفنان بلوم / تخطيط من صورة
للمصور كيفن فراير

 

ان التمثيل أصبح استراتيجية أخرية لبناء صورة الذات, فما يطرحه الفنان الغربي لصورة الآخر الشرقي يقودنا الى قراءة صورة الغربي في علامات تمثيلاته تجاه الاخر , وهو ما نراه واضحا في تجربة الفنان الكولومبي فرناندو بوتيرو الذي يعد أهم فنان عالج فضيحة سجون ابي غريب عام 2003 ومنذ التقرير الذي صدر عام 2004 حول فضيحة التعذيب والاعتداء الجنسي, واجه الكثير من المتاعب بسبب ما أنجزه من مشروع بعد سنة من تلك الفضيحة التي ستلازم السيرة التاريخية لعقيدة الاحتلال وفكر المحتل ومن منحه الشرعية ليصبح حقيقة الدمار والخراب لبلاد الرافدين, وبوتيرو لم يشتغل على بيان سياسي حول أبي غريب يوم أن رفضت متاحف أمريكا استقبال أعماله بل سجل وثيقة خاصة من التعبيرية العميقة كي يكون للفنان موقفاً وثائقيا وفنيا, لكنه بعد ذلك لم ينس مهمته الفنية والجمالية رغم تمسكه المتواصل بموقفه من الاحتلال في كل مكان في العالم ومن الدكتاتورية في أميركا اللاتينية وقضايا المرأة, ففي أعماله التي تركز على مشاهدات لعمليات التعذيب في السجون, نجد أجساد شخصياته البدينة محملة بأعباء الألم الممضّ رغم أنها تبدو ساكنة كما لو انك أمام مشهد أبدي, بل إننا نستطيع أن نرى مرجعيات القرن الخامس عشر في أعمال هورينيموس بوش الهولندي ومشاهد يوم القيامة التي حلت على بغداد كترنيمة أسطورية, لكنها تمثل حقيقة ما جرى في تلك السجون عبر التقارير والاعترافات التي نشرت عام 2004 وقدمت إلى القضاء في تلك الفترة, فقد كرس الفنان الجسد كعلامة مركزية في التعامل مع ثيمة التعذيب, بحيث يمكن ملاحظة أبعاد فلسفة الجسد المهزوم والعاري وسط كلاب متوحشة تنهشه, في واحدة من أكثر الأعمال توصيفا للعلاقة بين الشرق والغرب الامبريالي.

في حين يلتقط الفنان البريطاني “جيرمي دلير Jeremy Deller ” ( شكل رقم 5) بدن سيارة مفخخة من شارع المتنبي في بغداد, لعرضها في متحف الحرب في لندن, إذ أصبح جسد السيارة إلى جسد “الآن” زمانياً ومكانياً ليدل على وجود عدمي تعيشه المنطقة بصفتها ” اخرية” لانهزام أيديلوجي ديني قدم لنا لحظة مستعادة من تاريخ العنف الذي يحيط نمط العلاقة مع الآخر كعدو لا يمكن القبول به, وسواء كان هذا الآخر دينياً أو سياسياً أو جغرافياً (شرق – غرب) فان الواقع العملي لفكرة الاخرية تعيد انتاج نفسها عبر القوة والعنف في أكثر تجلياته اللا إنسانية في العالم المعاصر, وقد استعار الفنان بدن السيارة المحطمة كاستعارة عن جسد شرقي يعاني من صراع الهوية الثقافية من الداخل, لكنه يحمل بين طياته مؤشر الاتهام ضد الآخر الغربي .

شكل (5) جيرمي دلير سيارة مفخخة 2007
شكل (5)
جيرمي دلير
سيارة مفخخة 2007

[1]– Amelia Jones; A Companion to Contemporary Art since 1945, p108

[2]http://www.artnet.com/magazine_pre2000/features/saltz/saltz10-08-99a.asp

[1]– بيطار, زينات : الاستشراق في الفن الرومانسي الفرنسي , عالم المعرفة , المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب , الكويت , 1992, ص9

[2]– تيموثي , كلارك : ثورة الفن المعاصر , ت: مازن كم الماز ,

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=140525

[3]– المسكيني , ام الزين بنشيخة : الفن يخرج عن طوره, ط1, جداول للنشر والتوزيع , بيروت , 2011, ص145

[4]– EMMANUEL LEVINAS; totality and infinity, TRANSLATED BY; ALPHONSO LINGIS,Library of Congress Catalog Number: 69-14431, Manufactured in the United States of America., 2011,  p194

[5]– Matthew Sharpe; On Levinas’ Shadow,  p36,

http://dro.deakin.edu.au/view/DU:30003286

[6]– Emmanuel Levinas; The Levinas reader/edited by Sean Hand,  p129

[7]– Emmanuel Levinas; The Levinas reader/edited by Sean Hand, p130

[8]– عبد المسيح , ماري تيريز : التمثيل الثقافي بين المرئي والمكتوب , ط1, المجلس الاعلى للثقافة , القاهرة , 2002, ص19

* – الثقافة الهجينة : هي ظاهرة تداخل الهويات في المجتمعات المعاصرة ترسخ المواجهة والتفاعل مع الغيرية كهويات بديلة / للمزيد انظر KARIN ANDERSEN:  INDEPENDENT ARTIST AND SCHOLAR,  ISSN 2013-7761, Vol. 6, December 2012, K. Andersen & L. Bochicchio, pp. 12-23

 

[9]– عبد المسيح , ماري تيريز : التمثيل الثقافي بين المرئي والمكتوب , مصدر سابق , ص25

[10]– Amelia Jones; A Companion to Contemporary Art since 1945, blackwell publishing,  blackwell publishing,350 Main Street, Malden, MA 02148-5020, USA, 2006,   p409

[11] – جووست, سمايرز: الفنون والاداب تحت ضغط العولمة , ت: طلعت الشايب, الهيئة المصرية العامة للكتاب , القاهرة و 2009, ص211

[12]– Martin Irvine: Visual Culture, The Work on the Street: Street Art and Visual Culture, Georgetown University, ed. Barry Sandywell

and Ian Heywood. London & New York: Berg, 2012,p2

[13]– Amelia Jones; A Companion to Contemporary Art since 1945, Blackwell Publishing, 350 Main Street, Malden, MA 02148-5020, USA, 2006,  p107

[14]–  STEPHANIE LYNNE FINKELSTEIN;  ANA MENDIETA- A SEARCH FOR IDENTITY, University of Missouri—Kansas City, 2012,  p3

[15]http://universes-in-universe.org/ara/nafas/articles/ 2009/alexandria _biennale _2009

[1]- Amelia Jones; A Companion to Contemporary Art since 1945, p108

[1]- http://www.artnet.com/magazine_pre2000/features/saltz/saltz10-08-99a.asp

مقالات ذات صلة

من كائنات: "فخري رطروط"
عزالدين بوركة

عزالدين بوركة

08, أكتوبر, 2018

بلاغة الرمز والحرف عند رشيد باخوز – عزالدين بوركة

استطاع الفنان التشكيلي المغربي رشيد باخوز أن يتجاوز في تجربته “بين المرئي واللا مرئي”، تلك التصورات السائدة عن الاشتغال الحروفي، حيث أنه اشتغل على رؤية مغايرة ضمن مشروع جمالي معاصر.

المزيد
اللوحة للفنَّان التشكيلي: أكرم زافى-سوريا
عزالدين بوركة

عزالدين بوركة

23, أكتوبر, 2018

التراث بين الحداثة والإيروتيكا في أعمال فريد بلكاهية – عزالدين بوركة

ثلاث سنوات بعد ذلك سيعود بلكاهية الفنان إلى الدار البيضاء، ليصير مديراً لمدرستها العليا للفنون الجميلة، حيث سيقضي فيها 12 سنة تسييراً وفناً. هناك حيث سيلتقي بأصدقاء فنانين ومجموعة من المثقافين.

المزيد