Kurdî
سينما

الرؤية الخلدونية وعنف الصورة في فيلم أبوكاليبتو لـ”ميل غيبسون” – عزالدين بوركة

29 أغسطس, 2018 - 611 مشاهدات
اللوحة للفنّان التشكيلي: أكرم زافى - سوريا

شارك

شارك عبر تويتر شارك عبر الفيسبوك شارك عبر واتساب شارك عبر تلغرام

عزالدين بوركة

(ناقد فني وأدبي مغربي)

إذًا، نحْنُ منْ نَحْنُ في المسيسبّي. لَنَا مَا تَبَقّى لنا مِن الأمْسِ /

لكنّ لَوْنَ السّماء تغيّر، والْبحر شَرْقًاًتغيّر، يا سيّد الْبيض! يا سيِّدَ

الخَيْل، ماذا تُريدُمِنَ الذّاهِبِينَ إلى شَجَرِ اللّيْل؟/ –محمود درويش–

 

إنه فيلم المغامرات بامتياز، أبوكاليبتو (2006) Apocalypto.

يحكي الفيلم قصة قائد شاب لقبيلة هندية من شعب المايا، يقع أسيراً بين أيادي مجموعة من رجال العصابات المرتزقة التي تبحث عن ضحايا  لتقديمهم كقرابين من أجل إله الشمس، في سبيل الحفاظ على المحاصيل الزراعية وزيادتها. يضعنا ميل غيبسون Mel Gibson، مخرج الفيلم أمام مشاهد من المطاردة الهوليودية. تدور معظم القصة حول مطاردة الشاب المتعب بعد فراره من الأسر، وسط الغابة ليصل إلى حيث ترك ابنه وزوجته الحامل (أدت الدور الممثلة Dalia Hernández) وحيدين، بعدما خبأهما في حفرة بئر قديمة.

“مخلب الفهد” الشخصية الرئيسية، التي أدّى دورها الممثل Rudy Youngblood، بعدما كانت هي الصياد صارت الفريسة المطاردة، إذ يبتدئ الفيلم بمشاهد مطاردة لأسرة من أب (قائد القبيلة) وأبنائه للحيوانات البرية، من أجل تقديمها لأفراد القبيلة التي تعيش في سلام، بعيداً عن أي معالم للحضارة التي عرفتها المايا آنذاك، قبيلة منعزلة في سلامها. إلا أنه ستنقلب لحظة السلام إلى مجزرة وإبادة وأسر، بعدما ستقوم عصابة مرتزقة بالهجوم المباغت على القبيلة لتأسر النساء من أجل بيعهنَّ والرجال من أجل التضحية بهم.

ابن خلدون وانهيار الحضارة:

“لا يمكن احتلال حضارة عظيمة من قبل قوة خارجية إذا لم تدمر نفسها من الداخل”، بهذه العبارة للمؤرخ والكاتب الأمريكي “ويل ديورانت” يتم استهلال الفيلم. التي اتخذها كاستشهاد لما يحاول الفيلم التعبير عنه عبر قصته التي يربطها أصحابه بالزمن الحاضر، كما يؤكد كاتب السيناريو فارهاد سافينيا، “أن الخلل البيئي وفساد القيم اللذين حكما على المايا بالموت، يتكرران اليوم ويهددان حضارات الأرض بالزوال”. إننا أمام تصور خلدوني للحضارة والتاريخ الذي يعيد نفسه. ابن خلدون الذي حدد استبداد المُلك، والترف والدعةـ تقود إلى عدم الاستقرار الداخلي مما يهدد بقاء الحضارة.

فإن كان الاستقرار هو الشرط الخلدوني الأساسي الذي تقوم عليه الحضارة، فإن غيابها بعني بالضرورة الانهيار الداخلي مما يتيح للقوة الخارجية أن تمسك بتلابيب السلطة وتسقط لتقيم قوة سلطوية جديدة في مكانها، ولعل هذا هو ما حاول التعبير عنه الفيلم حينما اُسْتُهِل بالعبارة المذكورة سابقا لـ”ويل ديورانت”.

تظهر معالم الترف في فيلم أبوكاليبتو، في تلك المشاهد التي تجسد النساء تحيط بهن الإماء والعبيد، والكاهن المدجج بالحلي والذهب والحاكم الذي يجلس على كرسي من النفائس مدججا بالحلي والنوادر والأحجار الكريمة، فيما في مدخل المدينة، عبر تصوير درامي جسد الفيلم حالة العبيد والأسرى الذين يتم معاملتهم بوحشية وإلقاء جثتهم في الطرقات ومجاري المياه.

ابن خلدون، جمالية القبح والعنف:

تلك الوحشية التي جسدها الفيلم عبر مقاطع من المتواليات الحكائية والمشاهد الدرامية، جعلت من الفيلم تجسيداً سينمائياً لما يسمى بـ”جماليات القبح”، هذه الجمالية التصويرية، التي نشهدها داخل أفلام الحرب الهوليودية حيث يتجسد الموت داخل إطار جمالي من التصوير عبر مؤثرات خارجية، تشد المشاهد إليها ولا ينفر منها.

فجمالية القبح مصطلح نقدي يطلق على شق من الفنون التي يصور القبح ويوظفه احتجاجا على ما يلتقط في الحياة، معارضا إياه بالضرورة، أو محيلا من خلاله إلى أشياء تتم معارضتها. فالفيلم الذي يوظف مشاهد الموت والذبح وقطع الرؤوس وتناثر الدماء وغيرها من المشاهد الوحشية بالإضافة إلى مشاهد التعذيب الجسدي والصراع البدني، فهو يوظف تلك المشاهد باعتبارها قبحا جماليا، إن صح التعبير، لإيصال رسالة الفيلم، التي مفادها أن الحضارة الغربية تعيش فترة الانهيار الداخلي الذي قد يقودها إلى اللا استقرار، بالمعنى الخلدوني، الناتج عن الترف وانحلال القيم، ما سيذهب بها إلى الانهيار.

أما ما يمكن أن نقيسه على تلك التضحيات بأناس أبرياء من أجل إله الشمس، الذي كان يعتبر إله الحرب أيضاً عن شعب المايا، يمكن أن نقيسه على ما يعرفه الشرق من حرب ودمار يقوم به الغرب، من أجل البقاء على حضارته، إلا أن إراقة كل تلك الدماء لا يقود إلا إلى “التلوث” ليس بالمعنى البيئي فحسب بل بالمعنى الحضاري الذي يعاني الآن من شتى الأمراض الحضارية، كردود أفعال تجاه ما يقع وما وقع.

يُجسد الفيلم حالة من السادية والمازوخية التي تعيشها الحضارة في آخر فتراتها، ما يقودها إلى الانهيار. رغم ذلك لا يمكن اعتباره فيلم رعب وعنف، رغم تلك المشاهد المذكورة، ففي غالب الفيلم تتم إعادة تركيب الصور، اللقطات والمشاهد هي مرئية سابقاً، والمشاهد قد يستبق التعرف عليها قبل حدوثها. فمشاهد العنف، المبتكرة، هي جزء من المتتاليات التصويرية، ينتظر حدوثها المشاهد، ما يمنع عنها حالة الرعب. فاللقطات تندرج داخل التقطيع التصويري الكلاسيكي، حيث تأتي اللقطات العامة بعد اللقطات المكبرة، أو تتابع بين تصوير “المجال” و”خارج المجال”. ما يخلق تقبلاً للمشاهد من قبل المتلقي.

يبتعد ميل غيبسون عن صدمة المتلقي، كما تخلقه مشاهد العنف في أفلام الجريمة والرعب، ما يجعل من مشاهد الفيلم غير مندرجة داخل خانة العنف، بمعناه السينمائي. بل تأتي المشاهد كلقطات أساسية داخل متتاليات حكائية، أي كمشاهد تعبيرية داخل النص السردي السينمائي مثلها مثل باقي المشاهد من المطاردة وغيرها.

تحقق النبوءة:

اهتم الفيلم بـ”مخلب الفهد” وأسرته وزوجته، متنقلاً بين مشاهد المطاردة والمشاهد المتعلقة بحالة الزوجة داخل الحفرة ومعاناته، خاصة بعدما جاءها المخاض داخل البئر الفارغة، في الوقت الذي ملأتها أمطار المياه كاملة.

سيفر البطل من المطاردين عبر تلك المصائد التي سبق ووضعها هو وأبوه وأفراد القبيلة داخل الغابة. المصائد التي ستقضي على المطاردين واحداً واحداً، إلى جانب تدخل الفهد، في لقطة محيلة إلى لقب البطل، وارتباطه بالطبيعة الأم والبيئة التي ينحدر منها.

ستتحقق النبوءة القديمة ويسلم ابن الغابة المنحدر من سلالة الفهود، ليعيش ولينقذ أسرته من الموت، أسرته التي ستبقى وتتمدد، تلك هي النبوءة، تتحقق عبر ذلك الطفل الذي ولد في المحن، ولد داخل الماء، رمز الحياة والديمومة، فأسرة الهندي باقية، إلا أنها ستصدم بتلك الكائنات الغريبة التي خرج من بشر غرباء، ببشرة بيضاء، على أيديهم ستنهار حضارة المايا التي كانت تعيش فتراتها الأخيرة، إلا أن الأمل، الطفل، سيحيى ويكبر، ليشهد على ميلاد حضارة جديدة، كأننا أمام مشهد خلدوني للحضارة التي تولد طفلا تم تكبر فتشيخ فتنهار، لتأتي حضارة أخرى يقودها أطراف خارجية، فانهيار الحضارة له أسباب داخلية في الأساس، بفعل الاستبداد والاستهتار بالسلطة، إلى جانب الإسراف الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك.

هذه الرؤية الخلدونية يجسدها فيلم Apocalypto عبر نص السيناريو الذي أتقن تأليفه كل من ميل غيبسون بمعية فارهاد سافينيا، وجسد بطولته كل من “رودي يونجبلود” و”داليا هيرناندز” و”جوناثان بريوير” و”جيراردو تاراسينا”. ليصير ملحمة سينمائية تخلِّد لذكرى حضارة اندثرت تاركة موروثاً حضارياً يشهد لها بالعظمة.

احدث المقالات

إعلانات برنامج الواقع -الأخ الأكبر
عزالدين بوركة

عزالدين بوركة

24, أغسطس, 2019

صورة الواقع وواقع الصورة في تلفزيون الواقع – عزالدين بوركة

  عزالدين بوركة (شاعر وباحث جمالي مغربي)   الصورة والواقع: قد تكون الصورة في اعتباراتها الأولية تحضر بصفتها محاكاة للواقع ونقلاً له (كما هو عليه!)، إلا إنه وحديثاً عن التلفزيون، يصعب علينا أن نظل نتناقل عن هذا التعريف، إذ يعتبر بودريار كون الصورة في التلفاز ليست ذات أصل محدد، فهي لا تنقل الواقع بقدر ما […]

المزيد

مقالات ذات صلة

عزالدين بوركة

عزالدين بوركة

29, أغسطس, 2018

الرؤية الخلدونية وعنف الصورة في فيلم أبوكاليبتو لـ”ميل غيبسون” – عزالدين بوركة

“لا يمكن احتلال حضارة عظيمة من قبل قوة خارجية إذا لم تدمر نفسها من الداخل”، بهذه العبارة للمؤرخ والكاتب الأمريكي “ويل ديورانت” يتم استهلال الفيلم.

المزيد
إعلانات برنامج الواقع -الأخ الأكبر
عزالدين بوركة

عزالدين بوركة

24, أغسطس, 2019

صورة الواقع وواقع الصورة في تلفزيون الواقع – عزالدين بوركة

  عزالدين بوركة (شاعر وباحث جمالي مغربي)   الصورة والواقع: قد تكون الصورة في اعتباراتها الأولية تحضر بصفتها محاكاة للواقع ونقلاً له (كما هو عليه!)، إلا إنه وحديثاً عن التلفزيون، يصعب علينا أن نظل نتناقل عن هذا التعريف، إذ يعتبر بودريار كون الصورة في التلفاز ليست ذات أصل محدد، فهي لا تنقل الواقع بقدر ما […]

المزيد
عادل أيت أزكاغ

عادل أيت أزكاغ

03, أكتوبر, 2018

“نيكولاس كيج” في حالة مُرَكّبة ضمن تحوُّلاتٍ كبرى لممثل استثنائيّ-عادل آيت أزكاغ

عُرِف الفنان نيكولاس بين أوساط النقاد وفي أذهان معجبيه وعيون محبيه وعشاقه، بصورة ذاك الممثل المتنقل بين أدوار صعبة، طبعت تواجده في هوليود بقوة..

المزيد